
وا إسلاماه! وا إسلاماه!
أ.د. محمّد حافظ الشريدة
اعلم أخي أنّ وا إسلاماه! ليست مجرّد صرخة ألم، بل نداء لأمّة خير الأمم؛ للعودة إلى حقيقة الإسلام كما كان نورًا وأخلاقًا وعدلًا ورحمةً وعلمًا، فلم يكن الإسلام في يومٍ من الأيّام مجرّد شعارات، بل كان تربيةً للأفراد والمجتمعات، يحمل معاني الأمانة والصّدق والرّحمة والرّفق.
ولعلّ مشاكل العالم الإسلاميّ اليوم سببها ابتعاد كثيرٍ من المسلمين عن جوهر هذا الدّين، حين اكتفوا بالمسمّيات والشّكليّات، وتركوا التّطبيق والسّلوكيّات؛ فشوّهوا صورة الدّين، وشمّتوا بنا حثالة المتربّصين.
إنّ نهضة هذه الأمّة لا تكون بالصّراخ أو الغضب، ولكن بإصلاح الفرد والمجتمع، والصّدق في المعاملة، والأمانة في العمل، والعدل في الحكم، والتّربية على تقوى الله عزّ وجلّ، فكلّ مسلمٍ مسؤولٌ عن دوره في نصرة دين الإسلام بسلوكيّاته قبل كلماته.
إنّ صرخة وا إسلاماه! يجب أن تتحوّل من حسرةٍ على الماضي إلى عملٍ جادٍّ للمستقبل، ومن البكاء على أمجاد السّابقين إلى بناء حضارةٍ فيها سعادة الدّارين، ولن تنهض هذه الأمّة الإسلاميّة بخطاباتٍ حماسيّة، ولكن بتحاكم الرّعاة والرّعيّة إلى الأحكام الشّرعيّة، وما دام الإيمان بالله في قلوب الأكثريّة، وفي النّفوس الرّغبة الحقيقيّة للعودة إلى هدي ربّ البريّة، فإنّ المستقبل لهذا الدّين رغم أنوف المشركين.
وا إسلاماه! ليست صرخة حزنٍ ويأسٍ وألمٍ ووجل، بل صرخة أملٍ بفرج الله عزّ وجلّ، ولن تُهزم هذه الأمّة ما دامت متمسّكةً بعقيدة التّوحيد التي ربّت الجيل القرآنيّ الفريد، وما دام شبابها الأُسود سيماهم في وجوههم من أثر السّجود.
إنّ وا إسلاماه! صرخةٌ إيمانيّة خرجت من أعماق الجراح، بل وصيحةٌ مدوّية في وجدان الأمّة الإسلاميّة صباحًا ومساءً، وبكاءٌ حارٌّ على حضارةٍ سادت، لكنّها ـ لعدم تحكيم تعاليم الدّين ـ ترنّحت ثمّ تشرذمت.
لقد كانت أمّة المسلمين سيّدة الأمم مئات السّنين، فأصبحت في هذا العصر محلّ أطماع الغاصبين، منذ أن سمع العالم صدى وا إسلاماه! على لسان المسلمين في الأندلس، حين غادروا مملكتهم التي سادت عدّة قرون، لكنّها ـ بسبب تفرّقهم ـ سقطت وبادت.
نعم، لقد صارت هذه الصّيحة رمزًا للألم والحزن والغمّ، لقد كانت الرّحلة إلى الأندلس حلم كلّ عالمٍ مسلم، حين كانت أعظم حضارةٍ في تاريخ العالم، يوم عاش المسلمون وأهل الذّمّة في وئام، وحينما ضعف الإيمان وتفرّقت الكلمة، سقطت الإمارات، واستسلمت المدن، ولم يبقَ سوى الآهات تتردّد في الوجدان وا إسلاماه!.
لكنّها اليوم تتجدّد في كلّ بقعةٍ يعاني فيها المسلمون في أرجاء الأرض؛ حينما تُسفك دماء الأبرياء، وتُدنّس المقدّسات، ويُنتهك العرض.
وا إسلاماه! نردّدها حين نرى الأمّة تختلف وتتقاتل، ثمّ تعاني من التّخلّف، وشدّة الفقر، والجهل.
إنّ صيحة وا إسلاماه! ليست بكاءً على الماضي التّليد، ولكنّها صرخة لبيبٍ حبيب، ودعوةٌ صادقة للعودة إلى الحكم الإسلاميّ الرّشيد، إنّها دعوةٌ لكلّ مسلمٍ أريب أن يبدأ بنفسه وأسرته؛ فيصلحها، ويطهّرها، ويعيدها إلى صراط الله الحميد.
وأمّتنا بخيرٍ ما دامت تردّد: الله أكبر ولله الحمد، ونحن بخيرٍ ما دام كلّ واحدٍ منّا يقول: وا إسلاماه! بصدقٍ وحبٍّ من سويداء القلب.




