
الخطاب المسجديّ وأسئلة جيل اليوم
د. محمد خير موسى
كلُّ جماعة دعويّة مسجديّة تُبقي خطابها حبيس القوالب القديمة وتستريح إلى النمط المكرور في الحديث والأسلوب وتتعامل مع الأجيال الشّابة الجديدة بعقل الأمس وأدوات الأمس وأسئلة الأمس؛ تسير نحو العزلة وإن ظنّت أنّها في قلب التأثير ونحو الاندثار وإن حسبت أنّها متجذّرة لأنّ الزمن يتحرّك بسرعة والشباب باتوا يحملون أسئلتهم بلغة أخرى غير المعتادة في الخطاب النمطيّ ويبحثون عن المعنى في مساحاتٍ أوسع من حدود الخطاب التقليديّ.
إنّ العمل المسجديّ الذي يعيد إنتاج الخطاب نفسه دون تجديد في الرؤية ودون مراجعة في منهجيّة التناول ودون شجاعة في الاقتراب من القوالب المتكلّسة يتحوّل في وعي الشباب إلى صوت مألوف يتغامز الشّباب حوله من خلف ظهور مشايخهم مؤكدين في خلواتهم أنّ بقاءهم إنّما هو من باب حفظ الودّ لا أكثر.
الشباب اليوم يعيشون في عالم تتزاحم فيه الأفكار وتتنازع فيه المرجعيّات وتُعاد فيه صياغة الإنسان كلّ صباح وهم يحملون في داخلهم أسئلةً كبرى عن المعنى والهويّة والعدالة والمستقبل وعن العلاقة بين الدين والحياة وعن موقع الإيمان في تفاصيل اليوم العاديّ وعن حدود الانتماء بين الوطن والأمّة وعن العلاقة مع الآخر الذي يشاركهم الأرض نفسها والتاريخ نفسه والمصير نفسه وكيف تُبنى الشراكة دون ذوبان وكيف تُحفظ الخصوصيّة دون اشتباك وكيف تُدار التعدديّة بوعي يحفظ الحقّ ويصون السلم ويمنع العبث بالهويّة.
ويحملون أسئلة عن الوافد المبهر؛ عن هذا السيل الجارف من النماذج الثقافيّة والفكريّة القادمة في ثوب التقدّم والنجاح والحداثة وعن كيفية التمييز بين ما يُؤخذ وما يُترك وما الذي يمثّل خبرة إنسانيّة نافعة وما الذي يحمل مشروع اقتلاع ناعم للروح والمرجعيّة ويحملون أسئلة عن الأسرة والزواج والمرأة وتحوّلات المجتمع وعن معنى الرجولة والأنوثة في زمن السيولة وعن بناء البيت في عالم يُعيد تعريف الإنسان كلّ يوم وغير هذا كثير، ويتساءلون عن موقعهم هم في هذا الاضطراب كلّه؛ فإذا جاءهم الخطاب الدينيّ بعبارات مكرورة ومعالجات محفوظة وإجابات تتحدّث إلى زمن آخر شعروا أنّ المسافة تتّسع بينهم وبين المسجد وليس ذلك لأنّهم يهربون من الدين كما يتوهّم فريق من الدّعاة الكرام بل لأنّهم يبحثون عن خطاب يرى وجعهم الحقيقيّ ويخاطب إنسانهم الحاضر.
الأجيال الشّابة الجديدة تمتلك حساسيّةً عالية وتملك قدرةً سريعة على اكتشاف الفراغ خلف العبارات الكبيرة وتبحث عن خطاب يفهم قلقها الوجوديّ وأسئلتها الكبرى المتجددة ومن يقدّم لها أجوبة الأمس على أسئلة اليوم فإنّه يتركها تبحث عن نفسها في مكانٍ آخر.



