علماء من عصرنا

البروفيسور محمد عثمان صالح: عالم جمع بين العلم والمؤسسية والوسطية

البروفيسور محمد عثمان صالح
عالم جمع بين العلم والمؤسسية والوسطية

لم يكن البروفيسور محمد عثمان صالح مجرد أكاديمي نال أعلى الدرجات العلمية، بل كان نموذجًا متكاملًا للعالم الذي جمع بين عمق المعرفة وحسن الإدارة، وبين الدعوة والتأثير المجتمعي، وقد مثّلت مسيرته محاولة واعية لجسر الهوة بين الفقه الإسلامي التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة، في زمن تتعاظم فيه تحديات العولمة الفكرية وتتشابك فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية والدين.

من السودان إلى العالم: رحلة علم وتكوين

وُلد البروفيسور محمد عثمان صالح في بيئة سودانية محافظة، عُرفت بتمسكها بالقيم الإسلامية والأصالة العربية، وهو ما انعكس مبكرًا على توجهاته العلمية، والتحق بجامعة أم درمان الإسلامية، التي تُعد إحدى أبرز قلاع التعليم الشرعي في إفريقيا، وهناك تشكلت ملامح شخصيته العلمية الأولى.

لكن المحطة الفارقة في مسيرته كانت ابتعاثه إلى إنجلترا لنيل درجة الدكتوراه في تخصص مقارنة الأديان، وهو حقل معرفي دقيق تطلب منه أدوات تحليلية وقدرة على الحوار مع الآخر، وفي وقت كان فيه بعض المبتعثين يذوبون في البيئة الغربية أو ينغلقون عنها، اختار هو طريقًا ثالثًا؛ إذ استفاد من المناهج البحثية الغربية، دون أن يتخلى عن هويته الإسلامية، بل عاد أكثر إيمانًا بضرورة تأصيل العلوم وربطها بواقع الأمة.

أستاذ ومربٍ: بناء العقول قبل المناهج

بعد عودته إلى السودان، انخرط في التدريس الجامعي بجامعة أم درمان الإسلامية، حيث عمل أستاذًا لمقارنة الأديان بكلية الدعوة الإسلامية، ولم يكن حضوره في قاعة الدرس تقليديًا، بل تميز بأسلوب حواري يقوم على الإقناع، ويُعنى بتكوين العقل النقدي لدى طلابه، مما جعله أحد أبرز المؤثرين في إعداد أجيال من الدعاة المتخصصين في الحوار الديني.

قيادة أكاديمية برؤية إصلاحية

تدرج في المناصب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية، ثم تولى إدارة جامعة أم درمان الإسلامية، في مرحلة وُصفت بأنها من الفترات الذهبية في تاريخها، فقد شهدت الجامعة خلال إدارته تطويرًا في المناهج، وانفتاحًا على الشراكات الدولية، بما عزز حضورها في الفضائين الإسلامي والعالمي.

ومن أبرز إنجازاته في هذا السياق تأسيس مركز أبحاث الإيمان، الذي سعى إلى معالجة القضايا العقدية المعاصرة بأسلوب علمي حديث.

هيئة علماء السودان: مشروع الاعتدال المؤسسي

يمثل تأسيس هيئة علماء السودان أحد أبرز محطات حياته، حيث كان المؤسس والرئيس الأول لهذا الكيان العلمي، وقد جاءت الهيئة في سياق الحاجة إلى مرجعية علمية جامعة، تتجاوز الاستقطاب السياسي، وتقدم خطابًا دينيًا متوازنًا.

تحت قيادته، لم تقتصر الهيئة على الفتاوى التقليدية، بل تناولت قضايا السياسة والاقتصاد والحقوق، واشتغلت على تقديم رؤية وسطية تعالج تعقيدات الواقع، وفي مواجهة موجات التطرف، كان خطابه قائمًا على فقه المقاصد، وسعة الشريعة، والتأكيد على حرمة الدماء، باعتبارها من أعظم القيم الإسلامية.

فكر يشتبك مع الواقع: قراءة في مؤلفاته

تعكس مؤلفات البروفيسور محمد عثمان صالح انشغاله بأسئلة العصر، وحرصه على تقديم إجابات علمية رصينة، ففي كتابه حقوق الإنسان في القرآن الكريم” (2011)، قدّم قراءة تؤصل هذه الحقوق انطلاقًا من التكريم الإلهي للإنسان، مؤكدًا أن المرجعية القرآنية سبقت الإعلانات الدولية بقرون.

أما في بحثه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم حرمة الدماء” (2017)، فقد تناول قضية بالغة الحساسية في سياق النزاعات، مبرزًا مركزية حفظ النفس في التشريع الإسلامي، وفي عمله تجدد سنن الله الكونية في معترك الأحداث السياسية” (2010)، قدّم تحليلًا لسنن التاريخ وصيرورات التغيير السياسي، بينما تناول في الحكم في القرآن الكريم” (2013) مفاهيم السلطة والعدل والشورى.

كما أشرف على عدد من الدراسات التي عالجت قضايا الأمن الفكري، والعلاقات الدولية، وإصلاح مناهج العلوم الإسلامية، بما يعكس اتساع اهتماماته الفكرية.

تمكين المرأة والعمل الاجتماعي

لم يغفل البروفيسور صالح البعد الاجتماعي للدعوة، حيث أسهم في تأسيس اتحاد النساء العالمي، إيمانًا منه بأن نهضة الأمة لا تكتمل دون تمكين المرأة علميًا ومجتمعيًا، وقد سعى هذا الاتحاد إلى دعم النساء المسلمات وتعزيز دورهن في المجتمع، ضمن إطار من القيم الإسلامية.

حضور دولي فاعل

امتدت جهوده إلى الساحة الدولية، حيث كان عضوًا في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشارك في مؤتمرات رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، مقدمًا رؤى إصلاحية لتطوير التعليم الإسلامي، وممثلًا السودان في المحافل الفكرية العالمية.

الإنسان قبل العالم

إلى جانب مكانته العلمية، عُرف البروفيسور محمد عثمان صالح بسماته الشخصية الرفيعة؛ فقد كان متواضعًا، زاهدًا، عفيف اللسان، يجمع بين الصلابة في الحق واللين في التعامل، وكان يؤكد دائمًا أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق، وأن بناء الإنسان مقدم على بناء المعرفة.

الرحيلوبقاء الأثر

في فجر يوم الأحد 20 شوال 1447هـ، الموافق 20 مارس 2026م، توفي البروفيسور محمد عثمان صالح في العاصمة السعودية الرياض أثناء رحلة علاجية، وقد مثّل رحيله خسارة كبيرة للسودان وللعالم الإسلامي.

إرث ممتد

يبقى إرث البروفيسور محمد عثمان صالح حاضرًا في مؤلفاته، وفي المؤسسات التي أسهم في بنائها، وفي الأجيال التي تتلمذت على يديه، ولقد كان نموذجًا للعالم الذي لا يكتفي بالتنظير، بل يسعى إلى تحويل الفكر إلى مؤسسات، والعلم إلى واقع، والدعوة إلى مشروع حضاري متكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى