
بيان العلماء لاستنهاض الأمة وتذكيرها بواجبها نحو غزة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه المبين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا، علماءَ الشريعة الإسلامية وحَمَلَةَ أمانة البيان الشرعي، نعلن للأمة ونُشهد الله تعالى على أن ما يُطلَق عليه اليوم اسم الهدنة في قطاع غزة ليس سلامًا قائمًا، ولا أمنًا متحققًا، ولا إيقافًا للحرب والعدوان؛ فما يزال العدوان الإسرائيلي على إخواننا مستمرًّا، وما يزال القصف وإطلاق النار واقعًا، وما تزال القيود الخانقة والحصار ونقص الدواء والغذاء والوقود تطحن حياة الناس، وما يزال الشهداء يرتقون، وما يزال الجرحى يتساقطون.
إن الهدنة التي لا توقف العدوان، ولا ترفع الحصار، ولا تُؤمِّن الخائف، ولا تُطعِم الجائع، ولا تُداوي الجريح، ولا تردع المعتدي، ليست هدنةً حقيقيةً، وإن حملت اسم الهدنة في البيانات والاتفاقات، وإن تغيير أسماء الأشياء لا يغيِّر حقائقها؛ فالحرب تبقى حربًا ما دام القتل مستمرًّا، والحصار يبقى حصارًا ما دام وصول ضروريات الحياة ممنوعًا عن الناس، والعدوان يبقى عدوانًا ما دام إخواننا يعيشون اعتداءات الاحتلال المتكررة.
يا أمة الإسلام، إن أخطر ما يصيب القلوب بعد طول البلاء اعتيادُ المشهد، وتبلُّدُ الإحساس، وانصرافُ القلب عن آلام المسلمين وأوجاعهم وقضاياهم، وإن تكرار المأساة لا يُسقط حرمتها، وطولُ أمد الجريمة لا يُطبِّعها، وكثرةُ الشهداء لا تجعل الدم المسلم رخيصًا، واعتيادُ صور الدمار لا يبيح لنا اعتياد الألم أو نسيان قضايا إخواننا.
إن القلب المؤمن لا يعتاد رؤية الظلم حتى يرضى به، ولا يسمع أنين المستضعفين حتى يملَّه، ولا ينصرف عن إخوانه لأن محنتهم قد طالت؛ بل كلما طال البلاء ازداد المؤمن لهم وفاءً، وبهم اهتمامًا، وفي نصرتهم ثباتًا.
قال الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة:217).
لقد قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الرابطة الإيمانية: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (متفق عليه). وقال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وشبَّك بين أصابعه»، (متفق عليه).
فغزة ليست شأنًا خاصًّا بأهلها وحدهم، وليست جرحًا منفصلًا عن سائر جسد المسلمين؛ بل هي عضو من جسد هذه الأمة، وألمها ألم المسلمين، ودمها دمهم، وحصارها امتحان لصدق أخوَّتهم، فإن كان الجسد صحيحًا في إيمانه، تداعى للعضو الجريح بالسهر والحمى؛ وإن لم يتحرك له، ولم يتألم بألمه، ولم يسعَ في إنقاذه، كان ذلك دليلًا على خلل عظيم في معنى الأخوة وفي حياة القلب.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» (متفق عليه)، ومعنى لا يُسلِمُه أي لا يتركه لمن يظلمه، ولا يتخلى عنه عند الشدة، ولا يخذله وهو قادر على نصرته بما يستطيع، فكيف يليق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تُسلِم أهل غزة إلى القتل والحصار والنسيان؟
إننا نحذر الأمة من حرب أخرى لا تقل خطرًا عن حرب السلاح، وهي حرب الوعي والذاكرة؛ فمن أخطر ما يراهن عليه العدو أن يطول العدوان حتى نعتاده، وأن تتكرر صور الشهداء حتى لا تهتز لها القلوب، وأن تتوالى أخبار الحصار حتى نظن أن أهل غزة قد استقرت أحوالهم، أو أن الهدنة قد ردَّت إليهم أمنهم وعافيتهم؛ فينفرد بهم المعتدي، ويفعل بهم الأفاعيل على حين غفلة من الأمة.
يريد العدو أن تُمحى القضية من صدارة الاهتمام، وأن تُستبدل حرارة النصرة ببرودة المتابعة، وأن تتحول المأساة من واجب شرعي إلى خبر موسمي، ومن قضية أمة إلى ذكرى بعيدة.
وإن مسؤولية العلماء في هذه المرحلة مسؤولية عظيمة، لا يجوز التخلي عنها، ولا تأجيلها، ولا اختزالها في كلمات عابرة تُقال عند اشتداد الأحداث ثم تنقطع؛ فالعلماء مؤتمنون على بيان الحق، وتذكير الغافل، وإيقاظ النائم، وربط الأمة بقضاياها، وتوجيه الناس إلى واجباتهم الشرعية والأخلاقية تجاه إخوانهم.
أيها العلماء والدعاة والخطباء، اجعلوا قضية غزة وفلسطين حاضرةً في خُطَبكم ودروسكم ومواعظكم ومجالسكم، ولا تسمحوا لضجيج الحياة اليومية أن يطوي صفحة إخوانكم، وهم ما يزالون بين شهيد وجريح ومحاصر.
ذكِّروا الناس بواجب النصرة، وبأن حقوق المظلومين لا تسقط بطول الزمان، وبيِّنوا للناس وسائل النصرة المشروعة والمؤثرة، ووجِّهوهم إلى النصرة، وبذل المال، والدعاء، والدفاع عن حقوق المظلومين، والضغط السلمي والقانوني، ومقاطعة الشركات والبضائع التي تدعم العدوان الإسرائيلي.
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (التوبة: 71).
فليجعل كل مسلم لنفسه سهمًا ثابتًا في نصرة إخوانه، لا ينقطع بانقطاع الأخبار، ولا يضعف بتغير الأحداث؛ سهم من الدعاء، وسهم من المال، وسهم من الكلمة، وسهم من التعليم والتوعية، وسهم من الوقوف في وجه الكذب والتضليل، وسهم من نصرة الحق بما استطاع من وسائل النصرة.
وإن المسؤولية الملقاة على عاتق قادة البلاد الإسلامية وأصحاب القرار أعظم من مسؤولية غيرهم؛ لأن القدرة إذا عظمت عظم معها التكليف، وكل صاحب ولاية مسؤول أمام الله عن رعيته، وعن قدرته وما صنع بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه)، فاتقوا الله في دماء المسلمين، ولا تجعلوا المواقف السياسية والمصالح المؤقتة حائلًا بينكم وبين واجبكم في رفع الظلم، وفتح سبل الإغاثة، والعمل الجاد لوقف العدوان والحصار.
إن الأمة لا تنتظر بيانات أسف جديدة، وإنما تنتظر مواقف عملية توقف العدوان، وتكسر الحصار، وتوصل الغذاء والدواء، وتدافع عن حقوق إخواننا المشروعة، وتستخدم ما تملكه الدول من أدوات سياسية واقتصادية وقانونية ودبلوماسية.
ختامًا
إن هذا البيان نداء تذكير واستنهاض، نقول للأمة كلها:
لا تسمحوا لاسم الهدنة أن يُخدِّر ضمائركم، أو أن يحجب عنكم حقيقة معاناة إخوانكم، ولا تتركوا أهل غزة وحدهم في مواجهة القتل والجوع والخوف والنسيان، أبقوا قضيتهم حيةً في قلوبكم، وعلى منابركم، وفي مجالسكم، وفي تعليم أبنائكم، وفي دعائكم، وفي إنفاقكم، وفي مواقفكم، وليقم العلماء بواجبهم في بيان الحق وتذكير الأمة، وليقم القادرون بواجبهم في الإغاثة والنصرة، وليقم أصحاب الكلمة بواجبهم في كشف الحقيقة، وليقم قادة الأمة بواجبهم في وقف العدوان ورفع الحصار.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7).
نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يحفظ أهل غزة وفلسطين، وأن يربط على قلوبهم، وأن يطعم جائعهم، ويؤمِّن خائفهم، ويشفي جريحهم ومريضهم، ويرحم شهداءهم، ويفك أسر أسراهم، ويرد عنهم كيد المعتدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





