
فتوى الجهل في نازلة غـ.ـزة
د. سعيد بن ناصر الغامدي
تلخيص المشكلة
خرج كلامٌ يشبه الفتوى من أحد الملتحين، ليس فيه علمٌ ولا ورع، وإنما فيه اجتراءٌ على دين الله في نازلة عظيمة، وتزويرٌ لجهد قومٍ رابطوا وصبروا.
مضمون القول
زعم الرجل أن العدو المحتل لم يقصف المرابطين في غزة بالطائرات لضيق المساحة، وأن ما نشره المرابطون عبارة عن ألعاب إلكترونية ودعايات إعلامية مخادعة.
وبهذا القول زيَّف جهد الذين أعدّوا ما استطاعوا من قوة، وواجهوا حصارًا خانقًا امتد أكثر من خمسة عشر عامًا، ثم زاد المفتري فوصفهم بالتزييف والكذب، واعترف بأنه يكرههم وسيبقى يحذر منهم.
ثمرة هذا القول
أثار ردودًا واسعة، وانقسم الناس في الجملة إلى قسمين:
معارضون له، وهم أكثر الأمة وسوادها.
ومؤيدون له، وهم قلة؛ أكثرهم جهلة أو مبتدعة يستعملون لحاهم لترويج أفيون طاعة الحكام بطريقة تفضي إلى «عبادة الحكام»، أو أتباع أجهزةٍ ينفعها انتشار مثل هذا الكلام.
ومن ثمراته أيضًا أنه كشف المسافة الهائلة بين فئتين في الأمة: فئة تتوق إلى العزة والنهضة والتمكين لدين الإسلام وأهله ونفض أسباب الوهن والذلة، وفئة يتدينون بالاصطفاف مع من يعوّق الأمة ويخذّلها، ويوالي عدوها، ويعبث بمجتمعاتها أخلاقًا وتعليمًا ودينًا.
من مفاصل هذه القضية
الاجتراء على الفتاوى والنوازل من قبل الجهلة.
وبرهان جهله من فم صاحب القول نفسه؛ فقد أنكر ما هو معلوم مشهور، مدوَّن ومصوَّر.
فهو بين احتمالين: إما جاهل، ولا تصح فتوى جاهل، وإما عالم بما حصل وقال عكسه؛ فيكون صاحب هوى ومستبطن بدعة حملته على هذا الكذب المبين. فقوله مردود.
جريمة الفتوى بلا علم
ويدخل فيها هذا المتحدث ومن يدافع عنه لعصبية أو بغضاء لمن يعاديهم من المسلمين، أو لأجرة دنيوية، مادية أو معنوية، ينالها بالدفاع عنه، وهذا عين ما نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
ولا خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا في حرمة استفتاء الجهلة وأصحاب الأهواء، حزبية كانت أو مذهبية أو سياسية أو أمنية.
ولا خلاف في أنه لا يُستفتى أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ، وإن تظاهروا باتباعها أو اشتهروا بهيئات خارجية معينة.
ولست أعني هنا سوى الجهلة والمتعصبة، من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان.
وقد رأى رجلٌ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: «استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم». وقال: «ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق».
قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومدَّ باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة.
وهو بين أهل العلم منكر أو غريب، ليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابًا بإحسان.
يَمُدُّونَ لِلْإِفْتَاءِ بَاعًا قَصِيرَةً وَأَكْثَرُهُمْ عِنْدَ الْفَتَاوَى يُكَذْلِكُ
قومٌ حرَّفوا دين العدل والحق والاستقامة، فجعلوه أداةً في جيب الحاكم؛ فوالوا على ذلك وعادوا، وتمددوا في البغي على نبلاء الأمة وفضلائها، وتجاوزوا، وزادوا فرح العدو الحربي في فلسطين بأقوالهم، فكتب في مدحهم.
وغضب أهل العلم والإيمان من أقوالهم وأفعالهم، فردوا عليهم، واحتضنتهم أنظمة الولاة الخونة، أعداء الله ورسوله وشريعته؛ فمكَّنت لهم، وآوتهم، وحمتهم، وأغدقت عليهم.
فخسف الله بهم في خوض الجهالة، فهم فيه يخوضون، وخُسف معهم بأقوام من المستضعفين في الفهم والعلم، لعلهم ينجون؛ لأنهم من المغلق عليهم، من المقلدة المحضة، الذين لا يجدون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا.




