
خطبة الشيخ فتحي الرباعي
نقد التقصير وقرار الإعفاء من منبره
لم تكن خطبة الجمعة الأخيرة للشيخ فتحي الرباعي، إمام جامع السلام بصفاقس مجرد كلمات عابرة من على منبر مسجد، بل تحولت إلى قضية رأي عام أعادت طرح سؤال قديم ومتجدد في المجتمعات الإسلامية: هل يقتصر دور الإمام والخطيب على الوعظ في العبادات فقط، أم أن منبر الجمعة يحمل مسؤولية الحديث عن هموم الناس وآلامهم وأزماتهم؟
ففي الوقت الذي يعيش فيه المواطن التونسي ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متزايدة، من ارتفاع الأسعار وصعوبة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خرج الشيخ فتحي الرباعي في خطبته منتقدًا تقصير بعض المسؤولين في القيام بواجباتهم، ومطالبًا بأن تكون الأولويات موجهة إلى معالجة مشاكل الناس بدل الانشغال بما لا يخفف عنهم معاناتهم، وبدل توجيه أموال الدولة نحو المهرجانات والفعاليات الترفيهية والرياضية.
منبر الجمعة وقضايا الأمة
منذ صدر الإسلام، لم يكن المسجد مكانًا للعبادة فقط، بل كان مدرسة لتوجيه المجتمع ومناقشة قضاياه الكبرى. فقد كان النبي ﷺ يخاطب الناس بما يصلح دينهم ودنياهم، ويعالج مشاكل المجتمع، ويحذر من الظلم والتقصير وضياع الأمانة.
ولا يمكن للإمام أن يكون منفصلًا عن واقع الناس، وأن الحديث عن الفقر والغلاء والفساد الإداري وتقصير المسؤولين يدخل ضمن وظيفة النصيحة العامة، خصوصًا عندما يشعر المواطن بأن صوته لا يصل إلى أصحاب القرار.
فالخطيب الذي يرى معاناة الناس لا يملك أن يكتفي بالحديث عن القضايا النظرية والفقهية والأخلاقية بعيدًا عن جراح المجتمع اليومية.
الخطبة التي تسببت بإعفاء الشيخ
بعد خطبة الشيخ فتحي الرباعي الجمعة الماضية 24 يوليو 2026 تم إعفاء الشيخ من الإمامة، وذلك بسبب انتقاده تقصير المسؤولين في أداء واجباتهم مع تفاقم الأزمات المعيشية التي يعيشها المجتمع، في الوقت الذي تُنفق فيه أموال الدولة على المهرجانات والفعاليات الترفيهية والرياضية,
وهذا الإعفاء ليس إلا تضييقًا على حرية الإمام في أداء واجبه الدعوي والنصيحة للمجتمع، والإشكال كان في تناول خطبة الجمعة للشأن العام وانتقادها لأداء المسؤولين، فبعض الجهات لا ترغب في سماع خطاب يكشف التقصير أو يضع المسؤول أمام مسؤولياته.
العودة إلى المنبر
لم يستمر الإعفاء طويلًا، إذ أعلن الشيخ فتحي الرباعي لاحقًا أن المظلمة التي تعرض لها قد رُفعت، وهكذا عاد الشيخ إلى منبره،لكن القضية تركت خلفها أسئلة أكبر من شخص الإمام نفسه؛ هل يُسمح للخطيب بأن يتحدث عن قضايا الناس الحقيقية؟، وهل يصبح نقد التقصير الإداري والسياسات العامة خروجًا عن دور الإمام أم أن من واجب العلماء تذكير المسؤولين بواجباتهم كما يذكرون عامة الناس بواجباتهم؟
بين صمت بعض المنابر وجرأة أخرى
ما حدث كشف عن حاجة المجتمع إلى خطاب ديني يقترب من الناس، لا يكتفي بالحديث عن الأخلاق الفردية، بل يفتح ملفات الظلم الاجتماعي والفساد والتقصير في خدمة المواطنين، فالمسؤول ليس فوق النقد، بل هو صاحب أمانة ومسؤولية، وقد قال النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، وتذكير أصحاب القرار بواجباتهم لا ينبغي أن يُنظر إليه كخصومة سياسية، بل كجزء من وظيفة العلماء في النصح والأمر بالمعروف والدعوة إلى الإصلاح.
قضية إمام أم قضية منبر؟
حادثة الشيخ فتحي الرباعي ليست مجرد خلاف حول خطبة جمعة، بل هي نقاش حول مكانة المنبر في المجتمع؛ هل يكون مساحة للحديث عن الواقع أم يظل محصورًا في دائرة الوعظ التقليدي؟، فالناس لا يريدون من العلماء أن يعزلوا أنفسهم عن آلامهم، كما أن المسؤولية تقتضي من أصحاب القرار تقبل النقد والنصيحة.
وبينما عاد الشيخ فتحي الرباعي إلى منبره، بقي السؤال قائمًا؛ هل أصبح صوت الإمام الذي يتحدث عن معاناة الناس مصدر إزعاج، أم أنه يقوم بالدور الذي انتظره منه المجتمع؟




