مقالات

إذا لم تكن هذه حرباً دينية فماذا وكيف تكون؟

مع الدعوات لاقتحام المسجد الأقصى
إذا لم تكن هذه حرباً دينية فماذا وكيف تكون؟

الشيخ كمال خطيب

كان أساس وصلب رسالة ودعوة الإسلام أن الحرية مكفولة للبشر، وأن لكل إنسان الحق في أن يعتنق ما يحب وأن يترك ما يكره، وليس للإسلام أن يفرض على أحد أن يكون دينه ومعتقده هو الإسلام والدخول فيه واعتناقه.

ومع أن النبي ﷺ قد بدأ دعوته بين مشركين يعبدون الأوثان ويتعصبون لها، مع أن الوثنية في حقيقتها سقوط بالكرامة الإنسانية واستخفاف بالفكر البشري، وأنها جديرة بألا تُحترم، وأنها نكرة لا تستحق الحياة، ومع ذلك فقد نبّه الله تعالى رسوله ﷺ إلى ألا يضيق صدره بما يراه من مظاهر عبادتها، وألا يجنح إلى عنف مع من يمارسها: {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} [45 سورة ق]، أي إنك يا رسول الله لست حاكمًا مستبدًا تبسط سطوتك على الناس وتجعل مكانتك بينهم مبنية على قانون صارم تغلبهم على إرادتهم. وقال سبحانه: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر} [21-22 سورة الغاشية]، {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [29 سورة الكهف]. وقال سبحانه: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ} [48 سورة الشورى]، أي إننا لم نرسلك لتراقبهم وتحصي عليهم أنفاسهم فيما يقولون ويفعلون، فما عليك إلا دعوتهم وبلاغهم، وحسابهم على الله تعالى.

إن الدعوة إلى الله في منطلقنا وفهمنا الإسلامي تعني بكل وضوح وبساطة أن نعرض مبادئ ديننا على الناس ونوصلها إليهم بأحسن وألطف أسلوب، ثم يكون لهؤلاء الحق والحرية أن يقبلوا ما عُرض عليهم أو يرفضوه. قال سبحانه: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} [15 سورة الشورى]. ولا يكون قتال هؤلاء إلا عندما يحاول ملك أو زعيم أن يمنع المسلمين من الوصول إلى هؤلاء لعرض رسالة الإسلام عليهم، فإذا كان المسلمون قد استطاعوا الوصول لتبليغ الدعوة ولم يُحل بينهم وبين ذلك، فلا حاجة للقتال، والمسلمون ليسوا مكلفين بأكثر من ذلك.

حدث ولا حرج

لقد انطلقت الدعوة الإسلامية بإعلان حرية التدين والتعبد دون إكراه ولا إجبار: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [256 سورة البقرة]. نزل هذا الإعلان في الوقت الذي كانت فيه الأديان والرسالات السابقة تضنّ وتبخل بهذه الحرية على المخالفين، ليس في الدين فقط، وإنما في المذهب بين أتباع الدين الواحد.

ها هم مشركو العرب، فليس فقط أنهم لم يسمحوا لرسول الله ﷺ بالدعوة إلى الله، ولا حتى بمجرد الاستماع إليه ولما جاء به، ولكنهم فعلوا أكثر من ذلك، {فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} [9 سورة إبراهيم]. لقد وصل بهم الأمر إلى حد الغضب الشديد والحنق من مجرد سماع من يدعوهم إلى الله سبحانه، فكانوا من شدة غضبهم يعضون على أناملهم كما يفعل بعض من يتناهى بهم الغضب الشديد. لقد وصل بهم الأمر إلى حد أن يضعوا في آذانهم الكُرسُف “القطن” لضمان ألا يصل إلى أسماعهم شيء مما كان يقوله رسول الله ﷺ، في حالة من تغييب العقل واحتقار حق الإنسان في أن يسمع وحقه في أن يقبل أو يرفض ما يسمعه، كما ورد في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي.

وماذا فعل اليهود بعيسى بن مريم، وكان منهم، لمجرد أنه جاء بما أراد أن يصحح به ما اعوجّ من رسالة موسى عليه السلام، فعادوه وقاتلوه وشتموا، ورموا أمه مريم بكل المثالب والبذاءات، مع علمهم بأنها بنت أحد صالحيهم، بل وخير بيوتهم: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [28 سورة مريم]. ثم ما لبثوا أن حاولوا قتله عليه السلام، مساندين بذلك الرومان الوثنيين يومئذ، فكانت وشاية يهوذا الإسخريوطي عليه، وكان من تلاميذ المسيح عليه السلام، فنجاه الله منهم، {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [157 سورة النساء].

وهم اليهود أنفسهم الذين هربوا من بيوتهم داخل الدولة الرومانية بعد أن اعتنقوا المسيحية، وسكنوا الصحراء شمال المدينة المنورة خوفًا من بطش الرومان، وطمعًا بأن يكون منهم نبي آخر الزمان الذي سيظهر في يثرب، وليكون على يديه خلاصهم من ظلم الرومان لهم.

وحدث ولا حرج عن الدولة الرومانية التي تدين بالمذهب الكاثوليكي، وكيف أرهقت وعذبت أهل مصر الأقباط لأنهم كانوا يدينون بالمذهب الأرثوذكسي المسيحي، فقد صب عليهم هرقل جام غضبه، وصدرت الأوامر باعتقال البطريرك المصري القبطي الذي اختفى عن الأعين خوفًا من بطش إخوة الدين. أما أخوه الكاهن بنيامين، وكان مُسنًّا بدنيًا، فقد أمسكوا به وحرقوه بالنار حيًا. لعل تنظيم داعش قد تعلم من المسيحيين الرومان حرق البشر أحياء، فلم يكونوا هم السابقين، وإنما كانوا اللاحقين. فلما أبى الكاهن بنيامين أن يغير معتقده ومذهبه من الأرثوذكسي إلى الكاثوليكي، رغم تعذيبه بالنار، فإنهم ألقوا به في البحر ليموت غرقًا.

أما أخوه البطريرك، فقد ظل مختبئًا حتى كان الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص، فلما سمع بوصول الفاتحين الجدد وانتصارهم على الرومان، أرسل البطريرك إلى عمرو بن العاص الذي أعطاه الأمان، فخرج من مخبئه وعاد ليرأس رعيته وأهل دينه، وأن يعيش في مصر وفق معتقده دون إكراه على اعتناق الإسلام، بل إن عمرو بن العاص أعطاه مالًا يرمم به الكنائس التي كان الرومان المسيحيون الكاثوليك قد أحرقوها وخربوها ونهبوا مقدراتها.

مسلمون وبكل فخر

إن سلوك المسلمين مع من خالفوهم في الدين والمعتقد مما يبقى درة في جبين التاريخ، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أرسل عمرو بن العاص إلى مصر، وزوده ليس فقط بالرجال، بل بالوصايا في كيفية أن يتعامل بأخلاق الإسلام مع أهلها النصارى. إنه عمر نفسه الذي لما وصل القدس فاتحًا، وأعطى الأمان لأهلها النصارى، وكتب العهدة العمرية العظيمة بينه وبين بطريركها صفرونيوس، ثم إنه رفض أن يصلي في كنيسة القيامة خشية أن يأتي يوم ليقول مسلم: إن عمر قد صلى هنا، إذن هي لنا.

إن سلوك عمر كان من هدي وتربية رسوله ﷺ الذي لما جاءه وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة، فسألوه أين يؤدون صلاتهم الخاصة بهم، فسمح لهم النبي ﷺ أن يؤدوها في طرف مسجده ﷺ.

إنه رسول الله ﷺ لما وصل إلى المدينة المنورة، وكانت تسكنها بعض قبائل اليهود، بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع، فأقام معهم معاهدة حسن جوار، أساسها وعمادها أن لكل إنسان الحق في أن يدين بالدين الذي يريد دون حرج، وأن المسلمين واليهود شركاء في الدفاع عن المدينة المنورة ضد أي عدو خارجي يريد لأهلها شرًا وسوءًا.

ورغم أن هذه المعاهدة كانت عادلة ولطيفة، إلا أنهم لاحقًا لم يلتزموا ببنودها، ومالت أنفسهم للشر والنيل من المسلمين، وبعد معركة بدر كان شعراؤهم يرثون قتلى كفار قريش ويقللون من قيمة نصر بدر، بل إنهم كانوا يهزؤون برسول الله ﷺ، وكذلك فعلوا يوم الخندق، وقد نقضوا العهد وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، وكان ذلك يحصل والرسول ﷺ يحتمل ويصبر حتى طفح الصاع، وبلغ السيل الزبى عندما حاولوا كشف عورة امرأة مسلمة كانت في سوق الذهب الذي يمتلكونه، ثم محاولتهم اغتيال وقتل رسول الله ﷺ بإلقاء حجر على رأسه من فوق أحد البيوت.

وخلال عيشهم المشترك في المدينة، فقد كان من طرف رسول الله ﷺ كل سلوك إنساني مارسه هو وعلّم أصحابه أن يمارسوه، فيوم مرت جنازة أمام رسول الله ﷺ، وكان الرسول قاعدًا، فوقف، فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال ﷺ: “أليست نفسًا خلقها الله؟”

وروى الإمام البخاري أن عبد الله بن عمرو، وقد ذُبحت في بيته شاة، فقال: “أهديتم لجارنا اليهودي منها؟ قالوا: لا، قال: اهدوا إليه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.

الحملات الصليبية الجديدة

إن الذي كان من رسول الله ﷺ، ومن عمر بن الخطاب، ومن عمرو بن العاص، في تعاملهم مع اليهود والنصارى، إنما هو من صلب تعاليم الإسلام ورسالته، وإن التاريخ الإسلامي تاريخ نظيف وطاهر وإنساني، وإنه لم يعرف الحروب الدينية أبدًا، وأن أوروبا هي صاحبة التاريخ الأسود، وهي السباقة في وضع أسس الحروب الدينية القائمة على أساس الفوقية والاستعلاء في الدين واللون والعرق، بينما كانت تعاليم الإسلام تقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [13 سورة الحجرات]. بينما كانت تعاليم الإسلام في قوله ﷺ: “يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى”.

إنها أوروبا صاحبة السبق في الحروب الدينية الصليبية، والتي استمرت قريبًا من مئتي سنة، وكانت على عشر موجات وحملات، بلغت ذروتها باحتلال مسجدنا الأقصى سنة 1099 وارتكاب مجزرة في ساحاته، قتلوا فيها سبعين ألفًا من المسلمين ممن احتموا فيه، ثم منعوا فيه الأذان، ورفعوا الصلبان على مآذنه، وجعلوه إسطبلًا لخيولهم.

تلك الأخلاق الدينية القاسية والظالمة قابلتها أخلاق المسلمين في تعاملهم مع نفس أولئك الأشرار حين وقعوا في أسر صلاح الدين الأيوبي، وانتصاره عليهم، ومعاملتهم أحسن معاملة، كما هي أخلاق الإسلام.

ملكنا فكـان العـــدل منا سجية            فلمــا ملكتم سـال بالـدم أبطح
وأحللتم قتل الأسارى وطالمــا            غدونا على الأسرى نمن ونصفح
فحسبكــم هــذا التفـــاوت بيننا           فكــل إنـــاء بالــذي فيـه ينضـح

إنه تاريخ أوروبا الأسود الصليبي الطائفي العنصري، فيه شوّهت سماحة وإنسانية ورسالة سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وقد زعموا أنهم أنصاره والسائرون على دربه، حتى قال أحمد شوقي رحمه الله مخاطبًا عيسى بن مريم:

يا حامل الآلام عن هذا الورى            كثرت عليهم باسمك الآلام

إنها أوروبا، وإنه الغرب صاحب التاريخ الأسود الطائفي، وقد سالت الدماء بين المختلفين في المذهب بين أبناء المسيحية الواحدة، كما حصل بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا، حيث قُتل في ليلة واحدة أربعون ألفًا من البروتستانت. وفي روما، عاصمة الكاثوليكية، سُكّت عملة نقدية منقوش عليها بافتخار تاريخ تلك المجزرة، وكان ذلك سنة 1572، وقد أقيمت الاحتفالات في روما، وأرسل البابا الثالث رسالة مباركة وتهنئة للملك شارل التاسع، ملك فرنسا، تقديرًا على ما قام به من قتل وذبح البروتستانت. وما حصل بين البروتستانت والكاثوليك في إيرلندا، حيث عانى الكاثوليك الأقلية الأمرين من ظلم الأكثرية البروتستانتية.

وأما الحرب العالمية الأولى، فقد قُتل فيها أكثر من عشرة ملايين، والثانية فقد قُتل فيها ما يقارب الستين مليونًا، وخلال الحرب العالمية الثانية كانت المحرقة النازية ضد اليهود الذين لم يُقتلوا إلا لكونهم يهودًا، حيث لم يكن للمسلمين في ذلك ناقة ولا بعير.

وما يجري من حرب منذ ثلاث سنوات بين روسيا وأوكرانيا، رغم أن كليهما يدين بالمذهب الأرثوذكسي، وقد قام بطريرك موسكو الكبير بمباركة بوتين والدعاء له بالتوفيق والنصر في هذه الحرب ضد إخوة في المذهب. وهكذا فعل بطريرك موسكو كيريل حين أرسل جيشه لقتل الشعب السوري سنة 2015.

إنها أوروبا، وإنه الغرب الظالم، تقوده اليوم أمريكا التي تدعي محاربة التطرف الديني، بينما هي من تقوده في هذا الزمان ضد المسلمين، إذ ينطبق عليها قول المثل: “رمتني بدائها وانسلت”.

إنها أمريكا التي تجدد الآن الحملات الصليبية، وإن كان ذلك بأسماء مختلفة. وكيف لا، ووزير حرب أمريكا بيتر هيغست هو صاحب كتاب “الحملة الصليبية الأمريكية” الذي أصدره مطلع العام 2024، وهو الذي نقش على جسده آيات من الإنجيل، زاعمًا أنها للسيد المسيح عليه السلام: “ما جئت لألقي سلامًا على الأرض بل سيفًا”، وهو الذي نقش على جسده الصليب المقدس، شعار الحروب الصليبية الأولى.

وكيف يمكن أن نفسر تصريح نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” الذي قال قبل أسبوع إنه يشعر أن المسيح الدجال موجود بيننا، وأن ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط يمهد لظهوره وبداية أحداث آخر الزمان.

وهل أدل على أن أمريكا تخوض ضد أمتنا حربًا دينية من أنه، وفي مثل هذا اليوم 11/9/2001، وإن وقع الهجوم على برجي التجارة في نيويورك، الهجوم الذي أدنّاه ورفضناه نحن المسلمين، إلا أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، وما إن خرج من مخبئه وقبل أن تتبين هوية الفاعلين، فإنه صرح قائلًا: “إنها حرب الصليب”.

إنهم يريدون بناء مجدهم على حساب جثث وأشلاء أبنائنا ومقدرات شعوبنا باسم تعاليم المسيح، والمسيح وأمه عليهما السلام منهم براء، بينما يقول المؤرخ الفرنسي المشهور هنري دي كاستريه: “إن من أسباب انهيار الدولة الإسلامية تسامحها المفرط مع المخالفين لها”.

خلّوا عيونكم على الأقصى

وإذا كان هذا هو تاريخ ديننا مع من يخالفون المعتقد والرأي، سواء كانوا أهل كتاب، يهودًا ونصارى، أو حتى مع من كانوا كفارًا يعبدون الصنم، فكيف وبماذا يمكننا وصف من يعلنون حروبًا دينية سافرة على شعوبنا لمجرد هويتها الإسلامية وعلى مقدساتنا؟

كيف يمكننا وصف استمرار الدعوات لاقتحام وتدنيس حرمة المسجد الأقصى المبارك خلال فترة الأعياد اليهودية، التي سيبدأ أولها مساء اليوم الجمعة، وهو عيد رأس السنة العبرية الجديدة، حيث الدعوات غير المسبوقة لاقتحامه وممارسة الشعائر والطقوس الدينية فيه، ضاربين بعرض الحائط كونه المسجد الثالث قدسية، ليس عند 15 مليون فلسطيني ولا 500 مليون عربي، وإنما هو مقدس وله مكانته في قلوب أكثر من ملياري مسلم في العالم.

إن ما شهدناه في الأشهر والسنوات القليلة الماضية من مظاهر تهويد المسجد الأقصى والدعوات للاستعداد لبناء الهيكل الثالث على أنقاضه، حيث يتحدث عن ذلك كبار الحاخامات ووزراء في حكومات إسرائيل، فإذا لم تكن هذه هي الحرب الدينية، فماذا وكيف ستكون إذن؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى