مقالات

مباهلة بيزنطية يقودها أهل البدعة والفرقة

مباهلة بيزنطية يقودها أهل البدعة والفرقة

د. سعيد بن ناصر الغامدي

نصُّ المباهلة الذي نُشر عن المباهِل وأتباعه يشتمل على خللٍ شرعيٍّ ظاهر، إذ يقولون: (اللهم إني أشهد أنك تعلم كفر فلان)، وهذه عبارةٌ باطلةٌ في تركيبها، ضالَّةٌ في مضمونها، جاهلةٌ في ذاتها؛ فلا يصح أن يشهد أحدٌ على علم الله سبحانه، فإن علمه محيطٌ بكل شيء، ولا يحيط أحدٌ بعلمه، وإنما يشهد الإنسان على ما يعلمه هو من نفسه، أو على ما حصل من الوقائع.

ولهذا حذَّر العلماء من إطلاق عباراتٍ من قبيل: (يعلم الله أني فعلت كذا، أو قلت كذا، أو حصل كذا) إذا لم يكن القائل على يقينٍ مما يقول؛ لأن ذلك يتضمن نسبة أمرٍ إلى علم الله بغير ما هو عليه، وهو بابٌ خطيرٌ يتضمن القول على الله بغير علم.

وكذلك قول المباهِل: (إني أشهد أن الله يعلم كفر فلان) هو شهادةٌ منه، لا على ما يراه من حال هذا المعيَّن، بل شهادةٌ على علم الله الذي لا يعلمه سواه، وفي ذلك عدوانٌ عظيم؛ لأن المباهِل لا يعرف علم الله تعالى في هذا الشخص، فإن كان علم الله على خلاف ما قاله فقد افترى على الله الكذب، وكفى به إثمًا مبينًا.

وعلى هذا الخلل الشرعي بُني المسلك كله؛ فلم يكتفِ المعتدي وأصحابه بالمجازفة في تكفير أعلامٍ من المسلمين، حتى أضافوا إليها الدعوة إلى المباهلة؛ فكأن التكفير لم يكن عندهم جرمًا عظيمًا، فأتبعوه بالملاعنة عليه، في دوامةٍ من التهور لا تحترم حيًّا ولا ميتًا، ولا تستند إلى عقلٍ رجيح، ولا إلى نقلٍ صحيح، ولا إلى مراعاةٍ لمصلحة الأمة.

وليس هذا الذي جرى إلا احترافًا للفشل، وإتقانًا لصناعة الفرقة، وصرفًا لهمم الشباب إلى التنقيب في تراث الأموات ومحاكمتهم بأحكامٍ لم يقل بها أحدٌ من أهل العلم المعتبرين، مع إلغاء شروط إنفاذ الأحكام وموانعها.

واستعادةٌ للمعركة السبئية التي تُختلق فيها عداواتٌ بين أبناء الملة، مع تجاهل العدو الحقيقي الذي يستأصل الأمة، وتغافلٍ عن المنافقين العابثين بالدين والدنيا والقيم، الذين يمضون تحت ألوية دعاة الفرقة آمنين، غيرَ ملتفتٍ إليهم.

وما أغنى الأمة عن مثل هذه المتاهات، وما أحوجها إلى جمع الكلمة على الثغور الحقيقية، بدل تشتيتها عند قبور العلماء، وإحياء خصوماتٍ لا تزيد المسلمين إلا ضعفًا.

وما هذه الممارسات إلا شواهدُ على جهلٍ مركب، وغرورٍ متعاظم، تعبث به نفوسٌ صغيرة خرجت عن ميزان العقل، وهدي الشرع، وفقه المصالح العظمى للمسلمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى