
كرة القدم وصناعة الأصنام الحديثة
د. محمد إلهامي
الناس عبدوا أصنامًا من حجارة يصنعونها بأيديهم، ويأكلونها إن جاعوا، لكنهم لا يقبلون شتمها ولا إهانتها، ويعتبرون التعرض لها إهانة عظيمة لهم ولآبائهم وأجدادهم.
لماذا؟ لأن الأمر تكرر فتقرر فاستقر، فصار عادةً وتقليدًا راسخًا، وصار مجرد التعرض له تهديدًا لنظام الحياة والأفكار والمصالح!
كرة القدم أيضًا هكذا.
هي ليست أفيون الشعوب فحسب، بل هي الوسيلة التي تكونت حولها عادات وتقاليد ومصالح وأفكار، وتعلقت بها أحلام وأمانٍ وطموحات!
محاولات التوضيح المتكررة بأنها عبث ستجد من المقاومة مثل ما وجدته فكرة توضيح أن الأصنام حجارة لا تنفع ولا تضر!
مجموعة من المليونيرات يلعبون الكرة بلا أي فائدة تعود على البلد ولا على المتفرج، بل هي وسيلة من يحكم البلد بالقهر والفقر لتخدير المسحوقين، ومن المسحوقين من يتعاطاها وهو يعرف فعلًا أنها مخدر ومسكن، ولكنه، في ظل الألم العام الشامل، يتعاطاها كنوع من حب النسيان وحب الفرح، ولو كان موهومًا.
ربما يُعذر المرء عموم الناس، أما من لا يُعذرون فأولئك الذين يُفترض بهم أن يكونوا الأطباء المعالجين، أو على الأقل الفئة التي تدرك كيف تجري الأمور وكيف يُتلاعب بالشعوب!
من عجز عن هدم الصنم في النفوس، فلا يعجز عن شتمه وبيان حقيقته، فكيف يكون داعية هدم الأصنام ممن يمسح على رؤوس الناس وقلوبهم في حفلة عبادته؟!
ولئن ساءني تعاطي الناس مخدرات كأس العالم، فلا ريب أنه يسرني أنهم، حتى وهم في سكرتهم، ينفعلون كأمة واحدة، ويُشهدون الناس على فشل مخططات التقسيم والتمزيق الوطنية!!
وهو دليل على أن الأمة ليست غائبة ولا غافلة، ولكنها عاجزة محبوسة؛ فما إن يتاح لها باب لتنفيس مشاعرها والتعبير عن ذاتها، إلا أعلنت فيه عن هويتها وانتمائها، حتى لو كان هذا الباب، لشدة سطوة القمع والعجز، هو فحسب باب اللهو واللعب، أو باب السكرة والغفلة!
وأكاد أجزم أن كثيرًا من هذه الجماهير التي تبدو غافلة ومخدرة وتحت سكرة الكرة، لو فُتح لها باب الجد في إنقاذ نفسها وإنهاض البلد ورفعة الأمة، لرأيتهم ينصرفون عن اللعب والملاعب إلى الجد والعمل.
ولكن، ماذا بوسع من قُهِر وعجز، ولم يُترك له سوى باب اللهو ليفجر فيه طاقة انتمائه، أن يفعل غير ذلك؟!
وليس في كلامي هذا تسويغًا ولا تبريرًا، وإنما هو قراءة وتفسير، وينبغي أن يحتفظ الخطاب الدعوي بموقفه، وأن يحافظ على تتفيه شأن الكرة، وإدانة الاهتمام بها والخضوع لسطوتها، والتلذذ بلهوها، والانشغال بها عن معالي الأمور، لا سيما في زمن الضعف والعجز هذا، حيث تحتاج الأمة إلى كل جهد وكل طاقة. فهذا باب، وذلك باب!




