مقالات مختارة

بطولة الضمير وكأس العدل

بطولة الضمير وكأس العدل

أ.د. جمال عبد الستار

استطاعت المنظومة الدولية أن تجعل من كرة القدم لغةً عالميةً تتقنها الشعوب كافة، وقضيةً تستأثر باهتمام الأمم جميعًا، وتعصُّبًا يستولي على المشاعر، وانتماءاتٍ هامشيةً تتشبث بها الجماهير، بل وانتصاراتٍ رمزيةً تكتفي بها بعض الأنظمة.

وفي الوقت نفسه، لم تصبح الإنسانية لغةً مشتركةً بين البشر، ولم تغدُ حرية الإنسان وكرامته قضيةً جامعة، ولم يصبح احترام المقدسات وحرية التعبد حقًّا مصونًا، ولم يعد العدل قيمةً يتسابق الناس إلى إقامتها؛ حتى عمَّ الفساد، واستشرى الاستبداد، وامتدَّ ظلُّهما على أنحاء الأرض.

يا للمفارقة!

أن تتوحد البشرية حول لعبة، وتختلف حول القيم. وأن تحتشد الملايين خلف راية فريق، بينما تتراجع عن نصرة المظلوم وحماية الإنسان.

فما أحوج العالم اليوم إلى بطولةٍ للضمير، وكأسٍ للعدل، ومنافسةٍ في صناعة الخير؛ فذلك هو الانتصار الحقيقي الذي يستحق أن تحتفل به الإنسانية كلها.

أمةٌ تحوَّل مفهوم النصر والهزيمة عندها من ميدان الجهاد، وإقامة الدين، وإعلاء كلمة الله، وحماية مقدساتها، إلى ميدان الملاعب واللاعبين وكرة القدم، تحتاج إلى وقفة مراجعة، لا إلى مزيدٍ من التصفيق.

حتى أصبحنا نسمع دعاء العلماء لفوز اللاعبين، وسجود الشكر لمن يضع الكرة في الشباك، بينما تخبو حرارة الرسالة في القلوب.

ليس العيب في رياضةٍ تُمارَس، وإنما في أمةٍ تحتشد للكرة أكثر مما تحتشد لقضاياها، وتفرح بهدفٍ في شباك الخصم أكثر مما تفرح بنصر الحق.

فمن يوقظ القوم من غفلتهم؟ ومن ينبِّه حملة الرسالة من سكرتهم؟

إن الأمم لا تنهض بما تتسلى به، وإنما تنهض بما تؤمن به وتضحي من أجله.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى