متابعات

مؤتمر بباريس عن الإسلام السياسي في سياق الثورات العربية

مؤتمر بباريس عن الإسلام السياسي في سياق الثورات العربية

نظّم المركز الفرنسي للدراسات العربية والتطوير بباريس ندوة تفاعلية بعنوان “الإسلام السياسي في سياق الربيع العربي”. شارك  في الندوة التي انعقدت أول أمس السبت 30 آذار (مارس) المنقضي مجموعة من المفكرين والباحثين والأساتذة والناشطين السياسيين. وحضر اللقاء عدد من المسؤولين السياسيين والأكاديميين والناشطين من مختلف المشارب الفكرية والسياسية.

وركز المشاركون على مجموعة من المحاور الأساسية التي توزعت حولها المداخلات سواء من قبل المحاضرين أم من قبل الجمهور المتفاعل مع محاور الندوة، وهي: مفهوم الإسلام السياسي وخصائصه وحركاته في سياق الربيع العربي، ثم حركات الإسلام السياسي في المنظور الغربي، وأخيرا مستقبل الإسلام السياسي مع تجدد الحراك الشعبي في الجزائر والسودان.

وركز محمد الحمداوي مدير المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية بالمغرب ونائب رئيس جماعة العدل والإحسان المغربية، على دور الحركات الإسلامية في تحقيق التوافق الوطني عبر مجموعة من الشروط والمقولات. أما إبراهيم أومنصور المستشار في العلاقات الدولية والباحث بمركز العلاقات الدولية الاستراتيحية الفرنسي فقد قدم مقاربة تحليلية لفترة التسعينيات في الجزائر وعلاقة الدولة بالجماعات الإسلامية. وقدم ماجد الخطيب الأمين العام لحزب البناء الوطني الديمقراطي السوري مداخلة عن استشراف مصير الإسلام السياسي في سوريا. وركزت مداخلة محمد هنيد الأستاذ المحاضر بجامعة السوربون على الإسلام السياسي الآخر أو المسكوت عنه في الإعلام مثل التيار المدخلي في ليبيا ومصر.

واختار المنظمون للندوة إطارا تفاعليا مع الجمهور والحضور بشكل يجعل من العرض النظري مندرجا في إطار المشاركة بين المتدخل والحضور ولا يقتصر على الإلقاء الأحادي فقط. وقد كان من ضمن الحضور مختصون في مقاربة الإسلام السياسي وحركاته. وشارك في فعاليات المؤتمر وزراء ورجال دولة مارسوا العمل السياسي ممثلين عن هذه الحركات وكانت لهم مداخلات نوعية ساهمت في توضيح هذه المقولة والغموض الذي يكتنفها وخاصة حول توظيفها من قبل الأنظمة العربية أو من قبل القوى الدولية.

وتمحورت القضايا التي ناقشها الحاضرون حول التوظيف السياسي لمقولة الإسلام السياسي إذ ركز المحاضرون منذ البداية على أن التسمية نفسها لا تعكس الواقع ويشوبها كثير من الغموض لأنها ليست تسمية محلية بل هي ترجمة حرفية لتسميات غربية واقترح المتدخلون تسمية “السياسة من منظور إسلامي” مثلا. كما أشار كثيرون إلى أن الحقل الدلالي الذي يغطيه المصطلح شاسع جدا ومعقد لأنه يشمل طيفا واسعا من المفاهيم والرؤى والأطروحات والتجارب السياسية المتباينة التي توضع في قالب واحد يلغي خصوصيتها ولا يعتبر السياق الذي نشأت فيه وتطورت عبره.

مداخلة السعودية

استأثر التوظيف الإعلامي الغربي والعربي لمقولة الإسلام السياسي بجزء كبير من المداخلات التي رأت فيه انتقائية ظاهرة، حيث يعمد الخطاب الإعلامي الرسمي عربيا وغربيا إلى حصر المفهوم في جماعات بعينها دون سواها، إذ يكاد المتقبل يحصر مقولة الإسلام السياسي في جماعة الإخوان المسلمين ويلغي من المشهد بقية الحركات السياسية الأخرى التي تعمل وتتحرك تحت نفس السقف. فتيار المداخلة مثلا الذي دعم الانقلاب على الثورات العربية واصطف إلى جانب القوى الانقلابية في مصر وفي ليبيا خاصة يكاد يكون غائبا عن المشهد الإعلامي العربي والغربي. فهذا التيار السياسي الإسلامي الذي نشأ في السعودية خلال حرب الخليج الأولى وأفتى بجواز الاستعانة بالقوات الأمريكية لغزو العراق تحوّل اليوم بفضل الدعم الخليجي إلى أحد أخطر أقطاب العنف والتكفير والغلو في مناطق النزاع العربية.

التجربة الجزائرية

وركزت مداخلة إبراهيم أومنصور على قراءة نقدية لدور الحركات الإسلامية في الجزائر خلال التسعينيات، وكيف تحولت المطالب الشعبية إلى حركات عنف خطيرة بعد الانقلاب على المسار الانتخابي. وقد حاولت هذه المقاربة تفكيك الأخطاء التي وقعت فيها الجماعات الإسلامية الجزائرية خلال حقبة التسعينيات وما تسببت فيه هذه الأخطاء من نتائج كارثية على البلد ودخوله دوامة العنف التي لا تزال عالقة في الأذهان. كما أكد أومنصور أيضا على أن التجربة الجزائرية اليوم على وعي تام بهذه المخاطر وهو ما يفسر الطابع السلمي الذي طغى على الحراك الجزائري.

إسلاميو سوريا

سعت مقاربة ماجد الخطيب إلى محاولة تأصيل نشأة التيار الإسلامي في سوريا منذ بدايات القرن الماضي وصولا إلى اليوم مؤكدا على أن سياق الثورة السورية مثل امتحانا عسيرا لهذه الحركات التي لم تنجح في تجاوز خلافاتها البينية من أجل إنجاح الثورة. كما أن اختراق النظام للتنظيمات الاسلامية والعنف الذي استعمل ضدها منذ مذبحة حماه قد ساهم بقدر كبير في تشكيل وعي هذه الجماعات وفي تحديد حركتها ومساراتها. وقد أكد المتدخل على أن قراءة تاريخ الحركات الإسلامية شرط أساسي لفهم مسار تطورها والمآلات التي بلغتها اليوم.

التجربة المغربية

استأثرت شروط مساهمة الحركات الإسلامية في الوحدة الوطنية باهتمام محمد الحمداوي، الذي أكد أولا على سلمية الحركات الإسلامية في المغرب وعلى طابعها المدني الذي يعمل وفق القانون والمؤسسات التي تفرضها منظومة القوانين المغربية. كما أشار إلى أن أهم شروط العمل السياسي مهما كانت مرجعيته إسلامية أو غيرها إنما تتمثل في ضرورة الفصل بين المرجعية الايديولوجية ذات الطابع الثابت وبين الممارسة السياسية التي يحكمها سياق متغير. هذا الشرط هو الكفيل في نظر الحمداوي بتفادي الصدامات التي سقطت ضحيتها الأحزاب السياسية العربية والتي استفاد منها النظام الرسمي العربي بشكل كبير.

وتطرق المؤتمرون إلى جملة من القضايا ذات الصلة وخاصة ما تعلق منها بالحركات الجهادية التي غطت تقريبا على الحركات الاسلامية المدنية والتي تحولت إلى أداة في يد القوى المعادية للثورات وساهمت بعد ذلك في تأجيج العنف والاقتتال بشكل سمح لقوات النظام بالتدخل العسكري المسلح. كما أشار المتدخلون إلى غياب تصنيف الدول والأنظمة ذات الخلفية الدينية ضمن مفهوم الإسلام السياسي لأن دولا مثل إيران والسعودية والمغرب مثلا هي دول تمارس فيها الأنظمة الحكم بغطاء ديني مما يجعلها تدخل في إطار الدلالة التي يغطيها المصطلح رغم أن الإعلام العربي والغربي لا يشير إلى ذلك. وهو ما يؤكد على التوظيف السياسي للمصطلح وتوجيهه نحو مجموعات بعينها دون غيرها بشكل يجعل منه ضحية التوازنات والعلاقات والمصالح بين الدول والقوى الإقليمية.

واختتم المحاضرون المؤتمر بالدعوة إلى مراجعة المفاهيم والرؤى المتعلقة بالحركات والدول التي تغطيها التسمية خاصة إثر الضرر الكبير الذي أصاب المجتمعات العربية بعد أن صار المصطلح سلاحا يشهر في وجه المخالفين والمعارضين لشيطنتهم ولتبرير سياسات القمع التي ينتهجها النظام الرسمي العربي ضدهم. وليس أدل على ذلك من ربط المصطلح بالعنف وكذلك بالإرهاب بشكل أدى إلى نتائج كارثية على المنطقة وشعوبها بشكل يجعل من إعادة قراءة الظاهرة وإخراجها من سياق التجاذبات والصراعات السياسية أمرا حتميا.

(المصدر: عربي21)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى