أخبار ومتابعات

رحيل الدكتور عدنان محمد زرزور: أحد أعلام الفكر الإسلامي والدراسات القرآنية

رحيل الدكتور عدنان محمد زرزور … أحد أعلام الفكر الإسلامي والدراسات القرآنية

رحل الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، أحد أبرز الباحثين والمفكرين السوريين المعاصرين في علوم القرآن والتفسير والثقافة الإسلامية، بعد مسيرة علمية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين عدد من الجامعات العربية، وترك عشرات المؤلفات والتحقيقات والدراسات التي تناولت القرآن الكريم وعلومه، والسنة النبوية، والعقيدة، والفكر والثقافة الإسلامية وقضايا التجديد.

وتوفي في المنامة عن عمر ناهز 87 عامًا، وووري الثرى في مقبرة المحرق في مملكة البحرين، وكان أشبه بـ”مؤسسة معرفية متنقلة”، وباحث كرّس حياته لخدمة القرآن وعلومه والتحقيق العلمي.

من دمشق بدأت الرحلة

ولد الدكتور عدنان محمد زرزور في دمشق عام 1939، ونشأ في بيئة علمية اهتمت بالعلوم العربية والشرعية. وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس الجمعية الغراء بدمشق، وكان معهدها الإعدادي والثانوي يعرف بـ”معهد العلوم الشرعية”، ثم حصل بعد الثانوية الشرعية على الثانوية العامة في القسم الأدبي.

ودرس زرزور الشريعة والحقوق في دمشق، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة دمشق في يونيو/حزيران 1960، وكان أول خريج في الكلية يحصل على الليسانس بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف الثانية، قبل أن يتجه بصورة كاملة إلى المسار العلمي والشرعي.

وبدأ حياته المهنية مدرسًا في المدارس السورية، وعمل في بعض المحافظات، كما تولى إدارة ثانوية فيق الرسمية في الجولان، ثم عُين معيدًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وتفرغ في مرحلة من حياته للعمل في موسوعة الفقه الإسلامي.

القاهرة ومرحلة التكوين العلمي

في مطلع عام 1964 أوفد زرزور إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة لاستكمال الدراسات العليا، وهناك اتجه إلى الدراسات القرآنية والتراثية.

وكان موضوع رسالته للماجستير تحقيق ودراسة كتاب “متشابه القرآن” للقاضي عبد الجبار، وهو مشروع علمي كبير تجاوز في صورته المحققة مئات الصفحات واستغرق منه سنوات من العمل والبحث.

ثم أنجز أطروحته للدكتوراه حول الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن، وناقشها سنة 1969، وكان من بين كبار العلماء المشاركين في مناقشته الشيخ محمد أبو زهرة.

وقد نقل معهد المخطوطات العربية عن ابنته الدكتورة أسماء عدنان زرزور حديثها عن الجهد الذي بذله والدها في تحقيق متشابه القرآن، كما وثق المعهد جانبًا من ذكرياته وصلته بالتراث والمخطوطات وبالحياة العلمية في مصر.

مسيرة بين جامعات عربية

بعد عودته إلى سوريا، عمل زرزور في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ودرّس في مجالات العقيدة والأديان والتفسير والحديث والثقافة الإسلامية، كما شارك في التدريس بقسم اللغة العربية في كلية الآداب.

ثم انتقلت تجربته الأكاديمية خارج سوريا، فعمل في عدد من الجامعات العربية، بينها جامعة الإمارات العربية المتحدة، حيث تولى مهام أكاديمية وإدارية، من بينها رئاسة قسم الدراسات الإسلامية، كما عمل لفترة عميدًا لكلية الآداب وعميدًا للدراسات العليا والبحث العلمي بالإنابة.

وعمل كذلك محاضرًا في الجامعة الأردنية، ثم انتقل إلى جامعة قطر أستاذًا في قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، وتولى رئاسة قسم التفسير والحديث، قبل أن يلتحق بـجامعة البحرين أستاذًا في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية الآداب منذ مطلع العام الجامعي 2001-2002.

وخلال تلك العقود، كوّن زرزور شبكة واسعة من العلاقات العلمية والأكاديمية، وشارك في الإشراف على رسائل جامعية وتحكيم الأبحاث والكتب العلمية في جامعات ومؤسسات عربية متعددة.

وشارك في تحكيم مئات الأبحاث والكتب في مجالات التفسير وعلوم القرآن والحديث والعقيدة والأديان والثقافة الإسلامية، كما شارك في أعمال علمية مرتبطة بعدد من الجوائز والمؤسسات الأكاديمية.

القرآن وعلومه في قلب مشروعه

احتلت علوم القرآن والتفسير المساحة الأكبر في مشروع عدنان زرزور العلمي؛ فلم يتعامل معها كتخصص أكاديمي منفصل، وإنما كمدخل لفهم الشريعة والثقافة الإسلامية وبناء الرؤية الفكرية للمسلم المعاصر.

واهتم بمناهج المفسرين، وأصول التفسير، والتفسير بالمأثور، ومناهج استنباط الأحكام، والعلاقة بين اللغة والأصول والنص القرآني، إلى جانب تحقيق النصوص التراثية ذات الصلة بالتفسير وعلم الكلام.

كما كان من الباحثين الذين جمعوا في كتاباتهم بين التراث والفكر المعاصر، وحاولوا تقديم الثقافة الإسلامية داخل الجامعات في صورة منهج معرفي متكامل، وتشير دراسات منشورة عن تاريخ تدريس الثقافة الإسلامية إلى الدور الذي قام به زرزور في تطوير هذا المجال بعد جيل من رواد الفكر الإسلامي السوري، ومنهم أستاذه الدكتور محمد المبارك.

مؤلفات وتحقيقات واسعة

خلف الدكتور زرزور إنتاجًا علميًا متنوعًا في التأليف والتحقيق، وقد أعيد جمع أعماله المتعلقة بالتفسير وعلوم القرآن والحديث والسنة في مجموعة من اثني عشر مجلدًا، تضم ثمانية كتب من تأليفه وأربعة أعمال محققة، فيما ضمت مجموعة أخرى من أعماله موضوعات الثقافة والحضارة والفكر والعقيدة والأعلام وحقوق الإنسان والفكر المعاصر.

وكانت تحقيقاته للنصوص التراثية جزءًا أساسيًا من مشروعه، ولا سيما الأعمال المرتبطة بالقرآن ومدارس التفسير القديمة، الأمر الذي جعل اسمه حاضرًا لدى الباحثين في الدراسات القرآنية والمعتزلة وتاريخ التفسير.

حضور في الفكر الإسلامي والثقافة

لم يقتصر اهتمام زرزور على الدراسات القرآنية الصرفة، بل امتد إلى الفكر الإسلامي وقضايا الحضارة والثقافة والتجديد، وناقش في مؤلفاته علاقة الإسلام بالواقع المعاصر، والتحديات الفكرية التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية، وقضايا الهوية والثقافة والعلمانية والقومية.

وكان يؤكد في مشروعه على ضرورة الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والعودة إلى المصادر الإسلامية مع التعامل الواعي مع أسئلة العصر ومناهجه الحديثة، بعيدًا عن الجمود من جهة وعن القطيعة مع التراث من جهة أخرى.

وحظيت دراساته ومؤلفاته بحضور في البرامج الجامعية والبحوث الأكاديمية، كما استُشهد بآرائه في عدد كبير من الدراسات المتعلقة بالتفسير والثقافة الإسلامية والفكر والحضارة.

تكريم أكاديمي ومسيرة في التحكيم

وحصل زرزور خلال مسيرته على عدد من صور التكريم العلمي، ومن أبرز ما ذكرته سيرته حصوله على جائزة السلطان حسن بلقية عام 1996، التي يشرف عليها مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، تقديرًا لإنتاجه العلمي في الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه.

كما شارك في تأسيس ودعم أنشطة وجوائز ثقافية وعلمية، وأسهم في تقييم أبحاث ومشروعات أكاديمية، فضلًا عن مشاركته في أعمال التحكيم والترقية العلمية لجامعات ومؤسسات عربية متعددة.

عالم ترك وراءه مكتبة ومشروعًا

برحيل الدكتور عدنان محمد زرزور، يفقد الوسط العلمي والأكاديمي والفكري العربي واحدًا من الأسماء التي ربطت بين الجامعة والكتاب والمخطوط والتراث والفكر المعاصر.

فمن دمشق إلى القاهرة، ومن جامعات سوريا والأردن والإمارات وقطر وصولًا إلى البحرين، امتدت مسيرته التعليمية والبحثية لعقود، وأنتج خلالها مكتبة كبيرة من المؤلفات والتحقيقات، وشارك في تكوين طلاب وباحثين، وتحكيم مئات الأعمال العلمية.

ولم يكن حضور زرزور مقتصرًا على كتاب بعينه أو تخصص واحد، بل توزع بين القرآن والتفسير والحديث والعقيدة والثقافة والفكر والحضارة، وهو ما يفسر اتساع دائرة النعي التي رافقت إعلان وفاته وتعدد الأوصاف التي أطلقت عليه في كلمات الرثاء، من عالم القرآن والمفكر الإسلامي إلى الباحث والمحقق والأستاذ الجامعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى