
لمحات من سيرة الإمام محمد بن علي السنوسي رحمه الله
رحلته إلى المشرق
د. علي محمد الصلابي
كان التفكير عند ابن السنوسي للسفر إلى مكة طبيعياً، فهو من ناحية لابد أنه تاقت نفسه إلى بيت الله الحرام، وحلم طويلاً بالعيش في الأراضي المقدسة، وقضاء فريضة الحج. كما أنه رأى في الإقامة بمكة فرصة للقاء كبار علماء العالم الإسلامي، وقد استقرت في نفسه نصيحة أحد شيوخه؛ إذ قال له: «إن الارتحال المستمر صعب؛ فإذا أردت أن تستزيد من العلم فما عليك إلا السفر إلى مكة حيث يلتقي جميع علماء المسلمين» (الدجاني، ص 59) بالإضافة إلى التعرف على الشعوب الإسلامية عن قريب.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن ابن السنوسي قبل أن يسافر إلى المشرق رجع إلى بلده مستغانم، وفيها قام بإتمام أول زواج له؛ إذ بنى بإحدى بنات عمومته، ثم نشب بينه وبين أقاربه الأدنين خلاف حول أملاكه، واحتكم للقضاء، فحكم له بالأملاك والريع ولأقاربه بالسجن، فتنازل عن الريع وطلب إخلاء سبيلهم، فكان له ذلك. ثم إنه بعد ذلك صفى أملاكه وانتقل إلى جهة قسنطينة، وجاء عند عرب اسمهم أولاد نايل كانوا في جنوب شرق قسنطينة، فبنى عندهم زاوية، ومارس هناك الوعظ والتعليم والإرشاد.
وقرر ابن السنوسي بعد ذلك الارتحال إلى مكة، وعرض على زوجته أن ترافقه فلم ترغب في ذلك، فرأى أن يطلقها لعلمه بطول المدة التي يرغب فيها بالانقطاع عن بلده. (الدجاني، ص 58)، وولد له من زواجه الأول طفل توفي وهو صغير، ثم ماتت أمه بعد ذلك (ابن علي، 1/13).
وغادر ابن السنوسي الجزائر ودخل تونس وقابس وجامع الزيتونة، واستفاد من شيوخها واستفاد الطلاب منه، وطلب منه التدريس ولبى الطلب، ثم واصل سيره ودخل طرابلس الغرب، وكان ذلك في حكم يوسف القرمانلي الذي كان مستقلاً عن الدولة العثمانية، فأكرم نزله، ومكث في مدينة طرابلس وضواحيها مدة للوعظ والإرشاد والتعليم ونفع العباد، ولم يترك بها مسجداً معروفاً إلا ألقى فيه دروساً، وتعلق به آل المنتصر وأصبحوا فيما بعد هم النائبين عنه في طرابلس، وسافر إلى زليطن للوعظ والإرشاد والدعوة، واستطاع أن يكسب لدعوته أنصاراً من مصراتة وزليطن وطرابلس. ومن أشهر الأسر التي أصبحت من ركائز الدعوة السنوسية فيما بعد: آل المحجوب، وآل الأشهب، وآل الدردني، وآل العيساوي، وآل الغزالي، وآل الهوني، وآل الزناتي، وساعده على تعلق الناس به خلق كريم، وطلعة بهية، وقبول من رب العالمين (ابن علي، 1/15، 16، 17).
ونستطيع أن نحدد تاريخ دخول ابن السنوسي طرابلس الغرب من حديث حفيده أحمد الشريف؛ الذي تحدث عن اجتماع جده بأحد مريديه وهو عمران بن بركة: «فكان اجتماعه به أثناء مروره عليهم قادماً من المغرب إلى المشرق سنة ثمان وثلاثين بعد المئتين والألف في بلده زليطن بغرب طرابلس الغرب» (الدجاني، ص 59).
ومن خلال مروره على طول الساحل الإفريقي تعرف علـى أحوال مسلمي المغرب وكوَّن فكرة عن أوضاعهم، وأتاحت له تلك الرحلات التعرف على أناس كثيرين وعلى أماكن كثيرة، وقد استفاد من هذا التعارف فيما بعد عند عودته من الحجاز، وكـان من طبيعة ابن السنوسي أن يوطـد علاقاتـه بمن يتعرف عليهم، ووثق صلته بأشخاص كثيرين، ونجح في كسب قلوب الكثيرين حتى إن رجلاً كعمران بن بركة كان يريد مرافقة ابن السنوسي، ولكنه طلب منه التريُّث والانتظار حتى يرسل له (الدجاني، ص 60).
وواصل ابن السنوسي سيره ودخل برقة، وقبل وصوله إلى مدينة إجدابية مر على نجع شيوخ المغاربة الشيخ علي لطيوش، فأكرمه وقام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة، ورافقه إلى إجدابية وجهزه إلى أوجلة، ولم يمر ببنغازي ولا الساحل، وتعرف على الشيخ عمر بوحوا الأوجلي وكان في رفقته عبد له، وعبد الله التواتي، واستمر في رحلته مع الصحراء بوساطة القوافل حتى وصل القاهرة (ابن علي، /15-21).




