جند الله أم جند حفتر؟.. قصة ميليشيات المداخلة في ليبيا

جند الله أم جند حفتر؟.. قصة ميليشيات المداخلة في ليبيا

إعداد محمد فتوح

يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه، وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.

يُسلط التحقيق الضوء كذلك على أهم المليشيات المدخلية، وتوزيعها الجغرافي، وقادته العسكريين، ومساحات التنسيق والتدريب العسكري بين المداخلة، وحجم انتشارهم الجغرافي. ويعرّج كذلك على إحدى المساحات الهامة التي تتصل بنمط الحياة الاجتماعية التي أسسها المداخلة في الداخل الليبي. وفي نهاية التحقيق، نسرد التأثير “الميليشيوي” للمداخلة، بما تبعه من اغتيال لأهم الدعاة الشرعيين والعلماء الذين قُتلوا نتيجة عمليات نفذها مداخلة في ليبيا.

اعتمدنا في هذا الرصد المطوّل على عدد كبير من المقابلات الميدانية، والشهادات الشخصية، والتي لم نعرض أسماءها حرصا على سلامتها، نظرا لخطورة الوضع في الداخل الليبي.

ما قبل الثورة.. القذافي وسياسية الاحتواء

“يدعو التيار المدخلي إلى عدم مساءلة الحكومات، حتى تلك التي تلجأ للعنف المتطرف وغير المبرر ضد رعاياها طالما أنها لا ترتكب أعمال كفر واضحة”

(أندرو ماكغريغور)

الرئيس الليبي السابق “معمر القذافي” (رويترز)

طوال فترة حكم العقيد مُعمر القذافي الطويلة، والتي امتدت لاثنين وأربعين عاما، هي الأطول في تاريخ البلاد، لم يكن ثَمَّة منافذ للحريات الدينية أو السياسية في الفضاء العام الليبي. فقد كان “الكتاب الأخضر” الذي خلّفه القذافي هو المرجع الأوحد، وبمنزلة الدستور الجامع للأيديولوجيا الوطنية على امتداد أراضي ليبيا الشاسعة، واستطاع القذافي بذلك، “أن يقضي على كل الحركات والتيارات الثقافية، وشكَّل نظاما واحدا يعبِّر عن فكره وتصوراته” [1].

ومع إحكام القبضة الأمنية، جُففت الساحة الليبية من التيارات الإسلامية بصورة شبه تامة، ولم يتبق سوى بعض الوجود الإسلامي “الخفيف” وغير المؤثر في المساجد، وهو الوجود الذي لم يخرج طوال فترة اشتغاله عن أعين المخابرات الليبية. حيث لم يكن ممكنا لأي خطيب أو داعية أن يتجرأ بممارسة أي نشاط لا تقبل به الدولة، وهو ما جعل الفصائل الإسلامية، بمختلف تحزّباتها، [أ] تختار مُرغمة أن تنغلق على نفسها. وهو الأمر الذي امتد ليطال السلوك اليومي للأفراد، مُفضّلين إخفاء “إسلاميتهم” خوفا من الملاحقات الأمنية والسجون، والتي امتلأت بالإسلاميين وقادتهم.

وفق هذا التضييق المشدّد؛ لم تسمح السلطات الليبية بأي نشاط إسلامي أو غير إسلامي خارج قبضتها، ورؤية العقيد مُعمر، وكتابه الأخضر الذي يمكن وصفه بما عبّرت عنه شاهدة عيان ل”ميدان” بأنها فترة “اللون الواحد، والطيف الواحد، والتوجه الواحد، والقائد الواحد، بل إن الطريف أيضا أن العَلم الليبي لم يكن ملونا أيضا” [ب].

علم ليبيا القديم ذو اللون الأخضر يرفعه موالون لـ “معمر القذافي” (رويترز)

مثّل التيار السلفي العام، في تلك الحقبة، باعتباره توجّها مستهدفا تطاله حملات القمع التي نالت أطياف اللون الإسلامي -تعبيرا عن أنماط التدين والرؤى السياسية- على امتداد رؤاه وتصوراته، حيث تعرض السلفيون للقمع -كغيرهم- قبل ثورة فبراير، وقد كانت الحكومة تحظر أيَّ شكل من أشكال النشاط الديني غير المألوف. حيث تعامل النظام مع أي “جماعة” خارجة عن إطاره، باعتبارها عدوّا محتملا، مما عبّر حينها عن عدم معرفة وتنبّه للفروقات، ليس بين الإسلاميين فقط، وإنما داخل التيار السلفي ذاته، إلا أن ذلك لم يستمر لنهاية حقبة القذافي، حيث تنبهت السُّلطات الليبية عبر بعض قادتها بالفعل لتلك التباينات، مقررةً الاستفادة من المداخلة تحديدا، باعتبارهم التيار الأنسب لمجابهة التيارات الإسلامية الأخرى، وترويضها.

ففي السنوات الأخيرة التي سبقت الثورة – بين 2003 و 2010 – أرادت الدولة الليبية إجراء خطوات “إصلاحية” بهدف مواكبة التطلعات الدوليّة لفتح هامش المشاركة السياسية ضمن سياق دولي دعت فيه أمريكا لـ “ترسيخ الديمقراطية” في الشرق الأوسط، والتي تنامت -تحديدا- بعد غزو أميركا للعراق. تزامنت هذه الإصلاحات مع مصلحة داخلية لتمرير مشروع “ليبيا الغد” والذي سعى عبره القذافي لإنفاذ صفقة التوريث لابنه الأكبر سيف القذافي، وهو ما اضطر النظام إلى خوض مشروع مُصالحة مع عدد من السجناء الإسلاميين، وإلزامهم بالتراجع عن معارضة النظام، مقابل حصولهم على جزء من حريتهم، بإخراجهم من السجن.

وسط تلك التغيرات، جاء دور التعاون مع المداخلة، والذين لعبوا دورا بارزا -بحسب شهادة ناشطين لـ”ميدان” على هذه الحقبة-، لتُعد هذه الفترة، باعتبارها إحدى المراحل الهامة في التعاون بين الدولة والتيار السلفي المدخلي [ج]. حينها، ارتأى نظام القذافي، أن إتاحة مساحة من الحرية المضبوطة للمداخلة، وتوفير الرعاية والدعم لهم، سيمثل حائط صد في مواجهة من يرغبون في تجاوز الحدود التي تفرضها السلطة، أو أولئك الراغبين في التعرض لها من باقي التيارات الإسلامية. وبالفعل، أصبح المداخلة، وبصورة فعلية، أحد أسلحة القذافي لمواجهة التيارات الإسلامية، والتي استخدمها ما بين عامين 2006 -2007 وحتى بداية الثورة [2].

في ذلك الوقت؛ لعب الساعدي القذافي، نجل معمر، دور حلقة الوصل بين المداخلة والسلطة، حيث شكل الساعدي، المحطة الرئيسية التي أرست قواعد تصالح النظام الليبي مع الفكر المدخلي، حيث تبنى الساعدي فكر المدخلية دينيا، آخذا على عاتقه مهمة رعايته والتمكين له ونشره في الدولة. وقد مثّل تحول الساعدي لفكر المداخلة مفاجأة، و التي ما زالت الشكوك تدور حول مآربه الحقيقية، إذ ودون مقدمّات، تحول نجل القذافي إلى “سلفي مدخلي”، حيث أطال لحيته، وحفّ شاربه، وقَصّر إزاره، وبدأ بنفسه مهمة الإشراف ورعاية نشاط المداخلة، ولتُوزّع كُتب وأشرطة المداخلة بالتنسيق مع الأمن الليبي، وقد برز دعم الساعدي القذافي بتصريحه الذي أدلاه في إحدى المقابلات التلفزيونية بقوله إن “الدعوة السلفية المدخلية أُعطيت الضوء الأخضر لأنها كانت مغيّبة، وكانت عليها قيود، وأنه يلتقي بهم يوميا” [3].

هذا التحول والتقارب من السُّلطة سيجعل حضور المداخلة في الفضاء الليبي لافتا، حتى قبل الثورة، حيث شهدت الساحة الدينية حينها صراعات علنية بين الزوايا الصوفية والتي تُمثّل الصيغة الدينية التقليدية، والمتجذّرة تاريخيا في ليبيا، وبين المداخلة من جهة أخرى. وهنا، يجدر التنويه، أن عاملا هاما ساهم في تعزيز حضور التيار السلفي المدخلي على المستوى الشعبي، حيث تم استقدام بعض الدعاة ذوي الشعبية الكبيرة من مصر والسعودية تحت رعاية معمر القذافي وأبنائه في سياق تنامي المد السلفي بعمومه على الساحة الدعوية الإعلامية في مصر والسعودية، وقد كان على رأسهم محمد حسان ومحمد الزغبي ومحمد العريفي وآخرون [د]. وهي الشعبية التي ستمتد ليكون لها تأثير فاعل في المشهد السياسي والديني اللاحق لما بعد الثورة.

    

المداخلة والوقوف ضد ثورة 17 فبراير

يمكن القول ودون الخوض في كثير من التفاصيل في هذا الصدد، إن المجتمع الليبي لم يتأثر بصورة كبيرة بالعلمانية، أو بإزاحة الدين -الإسلامي- من الفضاء العام تحديدا، مما جعل الشعب الليبي “محافظا” إلى حد كبير، ومُقدِّرا لعلماء الدين المحليين، وقليل الخِصام معهم، الأمر الذي جعل العديد من أبنائه يستجيب للمشاركة في ثورة 17 فبراير/شباط بناء على فتاوى علماء دين محليين لهم مكانة سابقة في المجتمع الليبي، وكان على الرأس منهم الشيخ صادق الغرياني [هـ]، والذي أفتى بوجوب المشاركة رجالا ونساء ضد القذافي “والجهاد ضد طغيان كتائبه” [4].

استجاب عدد كبير من الليبيين لفتوى الغرياني، والذي سيصبح رمزا شعبيا ومفتيا للبلاد عقب نجاح الثورة، وسيتحول في الوقت ذاته عند المداخلة إلى ممثل للخوارج، وتابع للمبتدعة. ونتيجة للعداء التاريخي بين القذافي والتيارات الإسلامية، فقد انخرط غالبية الإسلاميين مع القبائل للمشاركة في الثورة، كجماعة الإخوان المسلمين، وشيوخ الجماعة الإسلامية المقاتلة، إلى جانب عموم السلفيين، باستثناء المداخلة، لكن الأمر الذي يتقاطع في عموم المشهد الليبي، هو تأثير المشيخة الدينية على السلوك الشعبي، سواء تمثل في التيار المشارك بالثورة، أو لدى التيار المضاد كالمداخلة، إلا أن هذا التأثير لا يلغي بالتأكيد العوامل الداخلية التي ساهمت في تشكيل المواقف الفردية والجماعية إزاء الأحداث السياسية المتعاقبة في المشهد الليبي.

مع بداية الثورة، وجد نظام القذافي الفرصة سانحة لاستدعاء ورقة المداخلة من جديد، واستخدامها في إفشال الحراك الثوري. ليخرج الساعدي القذافي بهيئته المدخلية في لقاء على قناة العربية يتحدث “كطالب علم سلفي” عن تحريم المشاركة في الثورة ووجوب الطاعة لوليّ الأمر، وقد استطاع الساعدي القذافي -نجل معمر- أن يتحصل على فتوى تحرم الخروج على والده من علماء دين سعوديين، وهو ما جعل المداخلة -بدورهم- يفتون أتباعهم بعدم الانخراط في الثورة ولزوم منازلهم [5].

انخرط بعض رموز المداخلة في التعاون المباشر مع النظام، والدفاع عنه، والتحذير من علماء الثورة، حيث قام الشيخ المدخلي “محمد الأنقر” بالرد على الشيخ صادق الغرياني، واصفا فتواه ضد القذافي بالباطلة، وأن هذا المنهج هو منهج “الإخوان المفلسين” [6] وبحسب شهادة ثوار ل”ميدان” كانوا على احتكاك بالحالة الإسلامية قبل الثورة فإن “الأنقر كان يُفتي بالتعاون مع الأمن، والإبلاغ عن شيوخ وخطباء المساجد المعارضين للنظام حينها”.

أما “مجدي حفالة”، أحد الوجوه المدخلية البارزة والمعروف بـ “أبو مصعب”، فقد استصدر منه النظام فتوى بلزوم البيت وتحريم الخروج على الحاكم، وقد بثَّ “حفالة” فتواه عبر القنوات التابعة للنظام. وهو ذاته الرجل الذي تغير موقفه عقب انتصار الثورة، وذلك بعدما شنّت جموع شعبية سهام نقدها لـ “حفالة” واصفين إياه بالخائن، ليخرج “أبو مصعب” في تسجيل صوتي لاحق، مُصرِّحا أنه أفتى بحرمة الخروج على القذافي تحت التهديد!

انتشرت فتاوى المداخلة بصورة واسعة، نظرا لدعم النظام الليبي، والذي سخّر لهم كافة وسائل الإعلام الحكومي، بما فيها من برامج تلفزيونية وحوارية. لم يكتف النظام بوسائل الإعلام، ليرسل رسائل نصية -بحسب شهادة لـ”ميدان“- عبر شركتي الاتصالات “المدار وليبيانا” التي يمتلكها “محمد القذافي” نجل معمر القذافي، والتي حملت مضامين تروج لفتاوى المداخلة، بطاعة وليّ الأمر، وتنفير من علماء السوء الذين أيّدوا الثورة!

  (فيديو للمداخلة في ثورة ليبيا يؤيدون القذافي ويتهمون الثوار بالخوارج)

إلا أن انتكاسة الثورة لم تقف عائقا أمام تمدد المداخلة الفعلي على الأرض، فبعد هزّة الثورة، وفي شهادة لأحد النشاطات الليبيات لـ”ميدان“، فقد أكدت أنه “عقب الثورة، استفاد الكثيرون من مكسب الحريّة الذي انتزعهُ الثوارُ عبر ثورتهم الدامية، وعلى الرغم من أن المداخلة كانوا منبوذين شعبيا في عديد المناطق الليبية، يلمزهم الناس بأنهم “مناصرون للنظام القديم”، فقد استفادوا من مكسب الحرية الذي أتاحته الثورة استفادة قصوى لم يتح لها مثيل في عهد القذافي، حيث بدأوا في افتتاح مكتبات خاصة، ومدارس السلفية الابتدائية، والمعاهد الشرعية على الطراز المدخلي، ومراكز العلاج بالرقية، الأمر الذي مثّل حالة دينية غريبة على المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه المالكية والتصوّف.”

بالإضافة لما سبق، فقد أضاف “طالب علم” ليبي شارك في الثورة لـ”ميدان” قائلا: “استولى المداخلة بالقوة، والعنف، على عدد من منابر المساجد، وتغلغلوا في المناطق النائية والبعيدة، والتي يحظى أهلُها بتعليم متدنٍّ مع ضعف في الحال الاقتصاديّ. أما هيئة الأوقاف الإسلامية، فقد استمات المداخلة للسيطرة عليها، وتطور بهم الحال مبكِّرا إلى تشكيل جماعات مسلحة صغيرة تثيرُ الشغب تجاه من تتعارض معهم المصالح بصورة مباشرة.”

أما عن الكيفية فيذكر شهود شرعيون (فاعلين في المجال الديني) لـ”ميدان” كانوا شاهدين على هذه الحقبة، كان المداخلة “يقتحمون مكاتب الأوقاف لتمرير سياستهم ويهددون باستخدام القوة إن لم يُستجب لمطالبهم، لقد تحول المداخلة إلى متوحشين، لا في خطابهم فحسب، بل وفي سلوكياتهم الدينية”. وتقاطعت الأحاديث من قبل الشهود لـ “ميدان” بقولهم: “بدأ الناسُ يسمعون بين الفترة والأخرى عن جماعة من أصحاب “اللحى والإزار” يهجمون على خطيب من خطباء المساجد وينزلونه من على المنبر وينصِّبون إماما من عندهم، لأن هذا الخطيب مُبتدع يريد أن يلبس على الناس في شؤون دينهم” [و].

النظر لفاعلية المداخلة وتأثيرهم الميداني وتكتيكاتهم في التمدد في الداخل الليبي لا يمنحنا صورة واضحة حول الأسباب التي تقف وراء هذا الزخم الذي اكتسبه المداخلة

    

بالإضافة لعملهم على الأرض، نشُط المداخلة كذلك على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأوا ينشرون “الفتاوى السلفية”. وبحسب شهادات ميدانية من الداخل الليبي في هذه الفترة لـ “ميدان“: “بدأ التيار المدخلي يستعيد نفسه شيئا فشيئا، من خلال جهود عملية مستمرة تمثّلت في مجموعة من الخطب والدروس في المساجد، وعبر مواقع التواصل، وعقد حوارات ولقاءات ونقاشات، وقد تمركزوا في مناطق معينة اكتسحوا مساجدها، وبدأوا يلبسون على الناس انطلاقا من منابرهم، ولاقت مساجدهم إقبالا من عموم الناس، إذ لم يميّز الناس بينهم وبين غيرهم من الإسلاميين.”

إلا أن النظر لفاعلية المداخلة وتأثيرهم الميداني وتكتيكاتهم في التمدد في الداخل الليبي لا يمنحنا صورة واضحة حول الأسباب التي تقف وراء هذا الزخم الذي اكتسبه المداخلة، سواء بالمقدرة المالية، أو التأثير الرمزي الذي يعمل على التعبئة، مصطحبين معهم تصورا دينيا مصحوبا بحشد “مَشيخي” للتأثير على قطاع من الجماهير، وهنا، فإننا اتجهنا للبحث وراء الفاعليين الخارجيين الداعمين لهذا التيار، ويأتي على رأس هؤلاء الداعمين، المملكة السعودية.

المداخلة.. صُنع في السعودية ونُفّذ في ليبيا

مع نجاح الثورة الليبية، وقتل القذافي في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول لعام الثورة نفسه 2011، ظهرت ممارسات المداخلة مدفوعة بالخوف الذي مثّله غياب نظام القذافي، وهو ما جعلهم يتكتّلون في مجموعات منظمة، وسيكون لهذه الكُتل أكبر الأثر في عملية الكرامة برعاية اللواء المتقاعد خليفة حفتر والانقلاب على ثورة 17 فبراير. وبحسب شهود على هذه الفترة لـ”ميدان“: “بدأ المداخلة يراسلون شيوخَهم في السعودية ومصر طلبا للمشورة فيما ينبغي الإقدام عليه في هذا الوضع الجديد، وقد انتابهم خوف شديد، ولّده اكتساح التيارات الإسلامية الأخرى التي شاركت في الثورة”.

وبذلك، تحوّل المداخلة، والذين كانوا يحرّمون المشاركة السياسية قبل الثورة، إلى أكبر داعم سياسي ضد الإسلاميين في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة 17 فبراير، حيث صدرت فتوى من ربيع المدخلي يعتبر الإخوان أضر على الإسلام من العلمانيين، وعلى السلفيين المداخلة ألا ينتخبوهم أو ينتخبوا من يُمثّلهم، وجاء في فتواه: “الإخوان يلبسون لباس الإسلام وهم أشد على السلفيين من اليهود والنصارى، داعش تربت في إيران، وهم فصيل من فصائل الإخوان المسلمين، وهم أشد الأحزاب على السلفيين يكفرونهم ويقتلونهم”.

يكمل الشهود ل”ميدان“، أنه وفي أول استحقاق سياسيّ بعد الثورة، والذي تمثّل في “انتخابات المؤتمر الوطني”، سافر عدد من رجالاتهم للقاء ربيع المدخلي ومحمد المدخلي لاستفتائهما في حكم المشاركة في الانتخابات، وما يجب عليهم فعله إزاء ما أسموه “تمدد الجماعات المقاتلة والإخوان”. وهو ما جعل المدخلي يفتي بحشد الناس للتصويت في الانتخابات ضد الإسلاميين، وأن ذلك “نصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين؛ أخطر الفِرق على الإسلام!”. وتحوّل الأمر عند المداخلة من منع معارضة الحاكم أو مجرد الاعتراض عليه سياسيا، إلى الفتوى بوجوب المشاركة السياسية لإسقاط الإسلاميين إذا وصلوا هم للحكم، وهو ما يتسق مع أصولهم العقَديّة في نظرتهم للإسلاميين والتعامل معهم [7].

كان هذا أول ظهور للمداخلة في المشهد الليبي ضد الإسلاميين، بيد أنه لن يكون الأخير. فبعد إعلان خليفة حفتر في 2014 عن عملية الكرامة، ظهرت فتوى أخرى للمدخلي يؤيد فيها القتال بصف حفتر، حيث يقول المدخلي: “على السلفيين في ليبيا النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم، وإذا هجم الإخوان على بنغازي، وقد هدد المسمَّى بالصادق الغرياني المعتز بسيد قطب، فعلى السلفيين أن يلتفوا لصدِّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكِّنوا الإخوان من بنغازي” [8].

تتابعَ بعدها باضطراد ظهور شيوخ المداخلة على الفضائيات وتأييدهم لعملية حفتر، حتى وصل الأمر لظهور محمد المدخلي – وهو أحد شيوخ المداخلة المشهورين في العالم، والذين تحمسوا لحفتر واعتبره خليفة السيسي، ثم بات بينه وبين ربيع المدخلي مناوشات وخلافات لاحقا –  خرج محمد المدخلي، على إحدى القنوات الفضائية التي أعلن عبرها سروره وتأييده لعملية حفتر العسكرية، ودعا الله بأن ينصره ويوفقه، وقال: “نحن مسرورون بحركة حفتر، ونسأل الله أن ينصره بدون سفك دماء كثيرة! ونطالب السيسي وحفتر بتحكيم الشريعة الإسلامية، حتى يعلم الناس أن الشريعة ليست حكرا على الإخوان المسلمين”.

(توجيه ربيع المدخلي للسلفيين فى ليبيا بأن يكونوا تحت راية حفتر في القتال)

لم تكن فتوى المداخلة فيما يتصل بالإخوان المسلمين شاذةً عن سابقاتها، لكنها جاءت تعبيرا عن منطلق “عقدي” يرى المداخلة وفقا له، من يخالفونهم من الإسلاميين بوصفهم “مبتدعة فاسقين”، وأنهم أخطر على الإسلام من أعدائه، وأخطر من اليهود والنصارى -كما وصف الشيخ المدخلي بن غلبون-، وهو ما سيُفسِّر -لاحقا- الفتاوى المدخلية في الدعوة للقتال مع حفتر ضد الإسلاميين، ووسمهم بالخوارج والمُفسدين.

فمنذ 16 مايو/أيار 2014، وحين أعلن خليفة حفتر “عملية الكرامة” أو “كرامة ليبيا”، والتي قضت بحل وتجميد عمل المؤتمر الوطني الليبي المنتخب، ومعلنا توليه شؤون البلاد عقب بعد الثورة. عمليّةٌ عارضها علماء دين ليبيون -وعلى الرأس منهم صادق الغرياني- وفصائل ثورية وزعامات عشائرية باعتبارها فعلا انقلابيا على إرادة الشعب الليبي. ومع رفض عدد من الزعامات الدينية لعملية حفتر؛ وجد “المشير” ضالته في المداخلة، فمنذ ذلك التوقيت نشطت كتائب تابعة للسلفية المدخلية للقتال في صفوف حفتر رسميا، بعد وسم كل مخالف لهم -لا سيما من الإسلاميين- بالخوارج التكفيريين.

جاءت الفتوى من ربيع المدخلي شخصيا، بالدعوة للقتال في صفوف حفتر، معتبرا حفتر وليّ أمر يجب طاعته ضد الخوارج من الإخوان، وكانت هذه الفتوى هي النواة التي شُكّلت على إثرها أولى الكتائب المدخلية المُسلَّحة التي قاتلت مع حفتر ضد ثوار بنغازي [ز]. نشط المداخلة كذلك على المنتديات الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، حاملين معهم سيلا من التسجيلات الشخصية لربيع المدخلي، والتي يحث فيها على القتال تحت راية حفتر، وقتل الخوارج، أي أولئك الذين خالفوا خليفة حفتر في رأي سياسي وعلى الرأس منهم أعداؤه الألداء “الإخوان المسلمون”.

من هنا، وبفعل الفتاوى الدينية، امتشق المداخلة السلاح في حرب مقدسة بعقيدة دينية، إلا أن المفارقة ستتمثل في أن المداخلة، سيقتلون في حربهم الدينية تلك، من يشتبهون في انتمائه للإسلاميين. وهكذا، فإن كل من يخالف المداخلة في التصور داخل الدين نفسه؛ مصيره الوسم بالبدعة واعتباره من الخوارج، ومن ثم الزج به في السجن أو تصفيته مباشرة.

مليشيات المدخلية.. شبيحة بِلحى!

“الكثير يسألني هل ننضم إلى جيش حفتر؟

وأقول: إذا كان حفتر عنده قوة، فليفعل كما فعل السيسي، يعتقل الرؤوس الكبار، يُدخلهم السجن حتى يمشي الشعب وراءه بكل راحة وهدوء!”

(محمد المدخلي في مداخلة تلفزيونية)

بعد تحوّل فضاء الفتاوى فيما يتصل بالشأن الليبي باتجاه شرعنة ممارسة المداخلة للقتل، تحول المداخلة -في وقت قصير- إلى قوة ضاربة لها ثِقلها على الأرض. ففي دراسة أعدها معهد كارنيغي عن الوضع في ليبيا بعنوان “وداعا للهدوء؟!” [9]، اعتبر فريدريك ويري -الباحث بمعهد كارنيغي- أن المداخلة مؤهّلون ليصبحوا إحدى أهم القوى العسكرية في الداخل الليبي، وذلك منذ عام 2016. وهو ما تحقق بالفعل، حيث تورط عدد من رموز المداخلة في عمليات وُصفت بالإجرامية ضد الليبيين، وشابهت بعض ممارستهم ممارسات تنظيم الدولة “داعش” من تصفيات خارج القانون، وقتل بالشُّبهة، بالإضافة إلى عمليات اغتيال، وسيطرة على سجون داخلية. ومن هنا، ومع اتساع رقعة التسليح للمداخلة على الجغرافيا الليبية، فقد تشكلت قوى تتوزع شرقا وغربا، نستعرض فيما يلي أبرز قادتها ومناطق تمركزها.

خريطة المداخلة في ليبيا

المداخلة في المنطقة الغربية

في غرب ليبيا، والتي لم يبسط خليفة حفتر قبضته عليها حتى الآن، تقبع أهم وحدة قتال مدخلية وهي “قوات الردع الخاصة بطرابلس”، حيث تُعد “قوات الردع الخاصة” أقوى قوات المداخلة في ليبيا، وهي الأهم من نوعها في طرابلس، وذلك بعدما تغلبت هذه القوات في معاركها مع خصومها من الإسلاميين في الغرب وحلفائهم، وذلك لأسباب عدة من بينها ضعف الدعم وكثرة الخلافات، والسياسات الدولية المتباينة حول طرابلس.

يمكن القول، إن قوات الردع تمثّل حالة خاصة من المداخلة. فعلى المستوى الرسمي، لم تُعلن قوات الردع انضمامها إلى قوات حفتر كما باقي المداخلة، إلا أنه وفي الوقت ذاته لم تقاتل قوات الردع المدخلية بشكل جماعي في التصدي لهجوم خليفة حفتر الأخير على طرابلس. وذلك على الرغم من أن فِرقًا صغيرة من مداخلة الردع شاركت في صد الهجوم على طرابلس، وإن لم يكن ذلك الموقف الرسمي والعام لهم.

وتشير التسريبات والمعطيات -بحسب فاعلين من طرابلس ل”ميدان“- أن هناك انقساما داخليا بينهم، وهذا الانقسام لم يكن وليد الأحداث الجارية، بل له إرث قديم، حيث ينطلق المداخلة من منطلق ديني -كما وضّحنا سابقا- مفاده أن المداخلة يوالون من تغلب عليهم، ويقاتلون تحت راية من مَلَك السلاح. وعليه، ولأسباب ترتبط بعدم سيطرة حفتر على طرابلس، فإن المداخلة في طرابلس لم يُدينوا له ظاهرا بالولاء الكامل، لكن، في الوقت نفسه، فإنه لا يروق للمداخلة في طرابلس التعاون مع الإسلاميين المُتمركزين في طرابلس، حيث يعدُّونهم من الخوارج، وهو ما يجعلهم -بحسب تقديرات- أقرب إلى حفتر إذا ما دخلت قواته إلى طرابلس، أو في حال تمكُّنه من استمالتهم إليه بأي طريقة أخرى.

واللافت للنظر، أن عددا من خطباء المداخلة في طرابلس بحسب شهادات لـ “ميدان“، خطبوا في صلوات الجمعة خُطبًا تدعو الناس للتسليم لحفتر، بحجة أن الطرف المدافع عن طرابلس “إخوان ومُقاتلة وخوارج” وهو ما أحدث غضبًا شعبيًّا عارمًا تجاه المداخلة، الأمر الذي انعكس على المظاهرات التي خرجت في طرابلس، والتي حملت شعارات ضد المداخلة بوضوح وبصورة مُكرّرة. وهو ما يجعل الردع ذات دور محتمل في مواجهة ثوار طرابلس والإسلاميين، وهو دور قريب -في الوقت ذاته- من حفتر في قابل الأيام، ذلك مع التأكيد أنها لم تعلن -حتى الآن- انضمامها الرسمي لقواته النظامية، على غرار مداخلة الشرق، والذين يُعدّون القوة الأهم لحفتر في الشرق.

ورغم عدم تورطهم المباشر في الصراع الدائر بين قوات حفتر وقوات الوفاق، فقد تورط عدد من أعضاء الردع في ممارسات خطف واغتيال ضد مخالفيهم من الإسلاميين والثوار، وكان على الرأس من هذه الجرائم حادثة قتل الدكتور نادر العمراني، وهو ما جعل أهل طرابلس يهتفون في جنازته “مالكية مالكية .. لا نريدها مدخلية”. كما أن المداخلة يديرون سجن “معيتيقة” في طرابلس، والذي يُحتجز فيه عدد من الثوار الليبيين، والعلماء المخالفين لحفتر.

تكثر الشكوك حول جهات تمويل “قوات الردع الخاصة”، والتي يُعتقد أنها خليجية، حيث يسمهم أهل طرابلس بـ”الجالية السعودية”، نتيجة لكثرة المدارس والمعاهد العلمية التي ينُشئها المداخلة بين يوم وليلة. وبحسب مصادر لـ “ميدان” من قلب طرابلس [ح] فإن قوات  الردع تستفيد من عدد من رجال الأعمال الليبيين الذين لهم مصلحة اقتصادية في التحالف مع هذه القوة، إذ تؤمِّن قوات الردع تجارتهم وتسمح لهم بالتمدد والانتفاع عبر صلاحيات لا تُعطى لغيرهم. وأبرز هؤلاء الداعمين والممولين الذين لهم صِلات بالمداخلة هم: عبد الرحمن قاجة، وهو تاجر في سوق الذهب والعملة، وعبد الحكيم المصري، وهو من مُلّاك شركة الأجنحة للطيران، والشيخ القريب من المداخلة عبد الرؤوف كارة، وأيمن الساعدي.

المداخلة في الشرق..

يقبع الشرق كله تحت سيطرة المداخلة، وهو الأمر الذي عَنى عدم استطاعة أي من سكان تلك المناطق لإظهار المخالفة لهم، نتيجة لسيطرة الفصائل الموالية لحفتر على المنطقة الشرقية كلها، وقد امتاز مداخلة الشرق بشراسة وإجرام مع مخالفيهم، ويعد “محمود الورفلي” أو كما يُعرف بـ”قائد الإعدامات”، وهو المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية. باعتباره أحد  أهم رموزهم الميدانيين.

انضم الورفلي للمداخلة عام 2015، وقاد كتيبة من المداخلة ضمن صاعقة بنغازي، كما قاد كتيبة النداء التي أُنشئت في بنغازي. وقد برز الورفلي كأحد أكثر المداخلة وحشية بتفضيله للتصفية الجسدية خارج نطاق القانون، كما لا يتورع الورفلي عن نشر فيديوهات على حسابه لعمليات تصفية جسدية طالت أسرى من مخالفيه. كما نشر الورفلي على حسابه الخاص في “فيسبوك” تسجيلا مصورا يظهر فيه -مع زملائه- في سيارة تحمل شعارا عسكريا تحت اسم “القوات الخاصة الليبية، الصاعقة والمظلات”، ويرددون نصوصا دينية توجب قتل “الخوارج” قبل أن يطلق الرصاص على أسير كان يقف رافعا يديه أمامه، في مشهد يُماثل في طريقة إخراجه ما يقوم به تنظيم الدولة، المعروف بـ”داعش” من قتل علني وإعدامات ميدانية بالهيئة ذاتها.

كما قامت القوات التابعة للورفلي بقتل أسرى مدنيين كانوا محاصرين طيلة مدة تزيد عن شهر، داخل عمارات بحي قنفودة، وقاموا بحرق عدد من المدنيين، مع نشر مقاطع مرئية للجثث المتفحمة، مشهدٌ صاحبه سباب وشتائم وعبارات تشفٍّ، وكان من بين المقتولين 20 امرأة، وطفل عمره عام ونصف [10].

محمود الورفلي مع خليفة حفتر (مواقع التواصل)

أثارت أفعال الورفلي، والذي كثيرا ما ظهر بجوار خليفة حفتر، سخط المنظمات الحقوقية العالمية والمجتمع الدولي، فضلا عن الداخل الليبي، مما اضطر محكمة الجنايات الدولية إلى إدراجه كمجرم حرب، وطالبت حفتر بتسليمه للعدالة [11]. إلا أن حفتر لم يستطع إقصاءه، فضلا عن تسليمه، نظرا لنفوذه وقوته العسكرية في الشرق الليبي، الأمر الذي يفسر القوة والمكانة التي يتمتع بها الورفلي وسط رجاله في الشرق، وفي بنغازي بالأخص.

في الشرق أيضا، توجد “كتيبة التوحيد السلفية”، والتي تعرف كذلك بـ”كتائب الميار” والتي يُشرف عليها “أشرف الميار” أو مفتي حفتر كما يُلقبونه، وهو أحد أهم المرجعيات المدخلية في الشرق. كتيبة الميار تشكّلت بعد فتوى ربيع المدخلي للمداخلة في بنغازي بأن يتصدّوا للثوار، المتمثّلين في مجلس شورى بنغازي، وكثيرا ما تستخدم هذه الكتيبة نصوصا شرعية في حربها ضد الثوار، فكل المخالفين لحفتر هم خوارج، فـ “طوبى لمن قتلهم وقتلوه”.

وقد ظهر الميار في عدد من الوسائل الإعلامية، مُحذّرا مخالفي حفتر بأنه لن تأخذه شفقة بهم، ولن يستجيب لآبائهم إن طلبوا منهم العفو عن أبنائهم، إذ إنهم -بحسب الميار- خوارج من الإخوان المسلمين، وهم شرّ من اليهود والنصارى.

كما يُعتبر الميار من المقربين لشيوخ التيار المدخلي بالسعودية، حيث استضاف وأمّن مجيء أبرز شيوخ هذا التيار إلى ليبيا، وعلى رأسهم الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي، والذي زار غالبية المدن التي سيطر عليها حفتر، بغرض زيادة التأييد والحشد في صفوف الشباب لقوات حفتر، وما زال العتيبي ينشط بالفتاوى في الداخل الليبي عبر دروسه ومحاضراته التي تُبث عبر الإنترنت. [12].

صورة لأشرف الميار مع خليفة حفتر (مواقع التواصل)

أما في جنوب شرق ليبيا، وتحديدا في مدينة الكُفرة تنتشر “كتيبة سُبل السلام” السلفية المدخلية التي تعمل على مواجهة التشاديين المتسللين إلى البلاد، مع أخبار محلية عن اتجار بعض أعضائها في البشر كما ينتشر في جنوب ليبيا، ويقف على رأس هذه الكتيبة عبد الرحمن الكيلاني.

لعبت الكتيبة دورا محوريا في إحداث أول شرخ عملي مباشر بين الصوفية والمدخلية في ليبيا، وذلك حينما نبشت قبر الإمام السنوسي، ووالد الملك إدريس السنوسي حيث كان الإمام السنوسي هو المؤسس للطريقة التي ينتمي إليها عمر المختار.

“الذئاب المدخلية المنفردة”

بجانب الكتائب المدخلية المنظّمة، ينتشر عدد كبير من شرعيي المداخلة، ويظهر بعضهم في الإعلام للتبرير لحفتر باعتباره وليّ أمر يجب القتال في صفه وطاعته ضد التكفيريين، ومن هؤلاء عبد الفتاح بن غلبون، الشهير بالشيخ طابونة. يتخذ بن غلبون في مقاطعه نهجا يسعى عبره لإضفاء صفات “شرعية” على قادة الانقلاب، فيسمي “حفتر” بسماحة الوالد حفظه الله، وهو الوصف الذي يظهر تأثره بوضوح تجاه المداخلة في السعودية، ويسمي “عقيلة صالح” بسماحة الأب رعاه الله.

ومن القادة العسكريين للمداخلة، الملازم أحمد عبد الرزاق غرور الحاسي آمر فرقة القبض الخاصة والذي اتُّهم بارتكاب جرائم حرب وقتل خارج القانون، وقد أدت معارضته لعدد من عمليات حفتر لاستدعائه في قاعدته في المرج، ثم قتله، وقد اتُّهم الحاسي سابقا في عدد من عمليات الاختطاف، وتصفيات لعدد من العسكريين والسياسيين [12]، أبرزها اختطاف وكيل وزير الخارجية حسن الصغير، ووكيل وزارة الدفاع مسعود أرحومة، وتصفية الملازم علي بو عمران العرفي، ومحاولة الاعتداء على العقيد المهدي البرغثي وزير دفاع حكومة الوفاق، واقتحام مزرعة العقيد فرج البرعصي [ط].

ومن قادة المداخلة العسكريين كذلك، المدخلي قجة الفاخري، والذي انتمى للمداخلة قبل عقد من الزمان، وهو الذي يُلقب بالشيخ “قجة”، وقد كان من دعاة طاعة وليّ الأمر إبان حكم معمر القذافي. ومع صعود حفتر أصبح الفاخري آمر قوة سلوق، ثم قاد مذبحة الأبيار، والتي قتل فيها 38 مواطنا مدنيا واستيقظ أهل البلدة على جثثهم بعدما أُلقيت في الشوارع وبين مجمعات القمامة، قبل أن يُلقى القبض عليه على إثر هذه المذبحة المروعة.

المدخلية في ليبيا.. حلقات التدخل الخارجي

“بيد أن المقابلات التي أجريتُها في طرابلس ومصراتة وسرت وبنغازي والبيضاء تكشف تململا عميقا في أوساط ضباط من الجيش الوطني الليبي أو قادة ميدانيين أو مسؤولين في وزارة الداخلية لدى الطرفَين إزاء النفوذ المتنامي للتيار المدخلي وأهدافه الخفية”

(فريدريك ويري – باحث في منطقة الشرق الأوسط)

نظرا لأن ليبيا لم تعرف الجيش النظامي المتماسك بمعناه المتداول في أدبيات العلوم العسكرية، فقد ألغى معمر القذافي عام 1991 وزارة الدفاع بالكلية، مستعيضا عنها بكتائب سماها الكتائب الثورية، والتي جمعها من قبائل موالية له أو مليشيات مرتزقة، ومع بقاء الجيش بصورته الظاهرية، إلا أنه بقي ضعيفا، وقد استمر هذا الحال حتى إعادة تشكيل وزارة دفاع ليبية مرة ثانية بعد الثورة في عام 2011 [13]، وهو ما سينعكس على قوات خليفة حفتر وطبيعتها بعد عملية الكرامة في 2014.

إذ تتألف قوات حفتر من تكتلات غير متجانسة تحت اسم “كرامة ليبيا”، ويربط كل تكتل من هذه التكتلات مجموعة من الولاءات أو القرابات العشائرية أو المليشيات المسلحة [9]، وتتمثل هذه التكتلات في بقايا من الجيش الليبي أو قوات من القبائل الموالية لحفتر، بالإضافة إلى عدد من المرتزقة، وهو ما سهل دمج المداخلة بوصفهم قوات تابعة لجهاز الأمن الداخلي في صورة مليشيات مُدربة وذات انتماءات متجانسة. ومنذ 2016 تقوم القوات المسلحة الليبية بدمج المداخلة في صفوفها، حتى تم بالفعل إدماج عدد كبير من كتائب المداخلة ضمن وحدات الكرامة التابعة لحفتر، لا سيما قوات الصاعقة. وهو التيار الذي يتأثر -كما ذكرنا- ويرتبط بولاءات ضمنية تتصل بالسعودية، وهو ما جعل عددا من المُراقبين يعتبرون المداخلة في قوات الكرامة ما هم إلا امتداد لفكر ديني خارجي، وسعودي بالأساس. فقد تم تشكيل منظومته الفكرية والفقهية خارج ليبيا، وتأتيه الفتاوى بصورة يومية على هيئة تسجيلات تُبث على صفحات التواصل الاجتماعي من قادة المداخلة حول العالم، مثل ربيع المدخلي وسعيد رسلان وغيرهم.

ومن هنا، يُمثّل الفضاء الديني السعودي في صورته المدخلية باعتباره ذا حضور كبير في الساحة الليبية. فالصراع في ليبيا تغذّيه أطراف دولية بدعم مخابراتي وعسكري، من قواعد وقوات إماراتية ومصرية وفرنسية، الثلاثي الذي عاون خليفة حفتر على السيطرة على الشرق، بالإضافة إلى مليشيات روسيّة مؤخرا [10].

ولا يتوقف الأمر مع المداخلة على حد الاستعانة بالفتاوى والمال السعودي وحسب، حيث تدربت فرق من المداخلة على أيدي قوات مصرية. ففي عدد من الفيديوهات المُسربة من مواقع تدريبية للمداخلة [14]، كانت التدريبات بإشراف ضباط مصريين قاموا بالإشراف على تدريب المداخلة في بنغازي، وكانت هتافات المداخلة “جيش السيسي في بنغازي ضد التكفيري الغازي.. جيش السيسي في بنغازي جيش السنة والقرآن”! وقد أفاد شهود عيان من طرابلس لـ “ميدان” أن فِرقا تابعة لقوات الردع الخاصة المدخلية بطرابلس تلقت تدريبات على يد قوات أجنبية كذلك.

حرب على الجميع

لا ينتهي دور المداخلة في المشهد الليبي عند حضورهم العسكري وفضاء الفتوى المُشكِّل له، وإنما يتمدد المداخلة إلى الفضاء الاجتماعي العام. فقد مُنح المداخلة سلطات واسعة في تسيير الشؤون الدينية في ليبيا مثل المساجد، والأوقاف الإسلامية، ولم يعد يجرؤ أي إمام أو داعية ليبي على مخالفة الفكر المدخلي في الأراضي التي تقع تحت سيطرتهم، وإلا وُسِم بأنه من الخوارج أو المبتدعة.

يقول موسى سالم، وهو داعية مدخلي: “تنتشر مساجدنا في ليبيا أكثر من أي دولة عربية أخرى، وأغلب مساجد ليبيا يقوم عليها دعاتنا!”. ومنذ بدايات الثورة، عمل المداخلة على إنشاء مكتبات دينية على نمط معين، لم يعرفها الفضاء الديني الليبي من قبل، مثل مكتبة مالك والهداية والرشد، والتي تعمل على توزيع كتب المداخلة، بالإضافة إلى مراكز للعلاج بالرُّقية، ومراكز لتحفيظ القرآن، وعدد كبير من المدارس التي تحت إشرافهم مباشرة، وتُخرج أجيالا على عقيدتهم.

ففي طرابلس وحدها خمس مدارس سلفية مدخلية للصغار بدعم سعودي، بينما بلغت مدارسهم ما يقارب العشرين مدرسة على الأراضي الليبية، وقد أثارت جدلا كبيرا حول تمويلها ومناهج تعليمها [15]. وتعتبر هذه المدارس محاضن فكرية للمداخلة، ولا يُمكن لأي أحد أن يتم قبوله في مثل هذه المدارس. حيث يتحدث أحد مدرسي مدرسة “أبناء النبلاء” حول إمكانية قبول تلميذ أو تلميذة يعد أهليهم غير مداخلة في المدرسة، بقوله إن: “هذا الأمر تنظر فيه إدارة المدرسة”.

لكن الأمر لا يتوقف عند المحاضن الاجتماعية التي أنشأها المداخلة، فقد تجاوز ذلك أيضا حتى بلغت سيطرة المداخلة الدينية درجة كبيرة من التعنت مع أي مخالف لهم. وبحسب شهادة عيان لـ”ميدان” -وقد كان مدخليا ثم تركهم-: “عامة المجتمع الليبي يرفض هؤلاء، فهم ذراع حفتر الديني والعسكري، وإن تمكّنوا فلن يُبقوا من مُخالفيهم أثرا”، ويواصل: “يكثر الاعتداء على الخطباء بالقوة أو سجنهم إذا لم يسايروا رؤيتهم الدينية”. وقد تعددت هذه الحوادث والاعتداءات مثل اختفاء الشيخ إدريس الطويل، رئيس مكتب الأوقاف بمدينة شحات بعدما سيطر مداخلة على المدينة، قبل أن يتم العثور عليه في سجن قرنادة الذي يُسيطرعليه مداخلة.

بمعنى آخر، ليس على الإنسان سوى أن يُخالف المداخلة حتى يُرمى بالخوارج أو يُتّهم البدعة، ثم يصير عِرضه مستباحا لأي أذى قد يناله. فواحدة من تلك التهم كفيلة بأن تُبقي الإنسان في السجن بضع سنين ولا يجرؤ أحد على التعاطف معه، إن لم يتم قتله مباشرة، حتى وإن كان الإنسان سلفيا.

بين المداخلة والصوفية

تَمثّل أول شرخ أحدثه المداخلة في الفضاء الديني في ظاهرة “تفجير” الأضرحة ونبش القبور، والعداء مع الصوفية في ليبيا، مع عدم اعتبار المكانة التاريخية للصوفية في ليبيا، لا سيما الحركة السنوسية، باعتبارها حركة دينية موغلة في القدم في الداخل الليبي.

نظر المداخلة إلى السنوسية كونهم مبتدعة، يجب قمعهم وتخليص الناس من بدعهم، وهو ما لاقى استياء في الأوساط الشعبية، لمكانة الحركة السنوسية في نفوس الليبيين، والتي ينتسب لها أعلام في مقاومة الاستعمار مثل عمر المختار ومنهم الملك السنوسي الذي انقلب عليه معمر القذافي! [16]

لم يكتف المداخلة بنبش قبور الصوفية، بل قامت كتيبة “سُبل السلام” المدخلية في مدينة الكفرة “بتفجير” مقام محمد المهدي السنوسي نفسه والد الملك الليبي إدريس السنوسي [17]. وقد جاء هذا الحادث في أعقاب اعتداءات مماثلة على التراث الصوفي الليبي، مثل إضرام النار في زاوية الشيخة راضية في ذكرى المولد النبوي، وهو مسجد أثري صوفي في طرابلس يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، ودُمِّرَ مسجد تاريخي آخر في العاصمة لأنه صوفي [18]. كما قامت القوات التابعة للواء خليفة حفتر بخطف ما يقرب من 20 صوفيا في بنغازي، وعلى رأسهم مدير مؤسسة “الطارق” الشبابية للتنمية والتطوير، عبد المطلوب السرحاني [19].

وقد دعا المجلس الأعلى للتصوف السني في ليبيا إلى إصدار بيان يجعل المداخلة والدواعش عملة واحدة قائلا: “إن أصحاب الفكر المدخلي بحملهم السلاح وتكفيرهم لمخالفيهم لا يختلفون عن الدواعش”، كما طالب بنزع السلاح عنهم، والوقوف ضد الأفكار الدينية المستوردة [20].

تفجير قبر الإمام السنوسي (مواقع التواصل)

بحد السيف!

لم يلبث أن تحوّل المداخلة إلى فزاعة، فتهمة واحدة من مدخلي كفيلة بأن تلصق بك وسم المُجون أو الفسق أو الخوارج، ومن ثم الإرسال إلى السجن أو الخطف أو القتل برصاصة في الرأس. وحاول المداخلة أن يفرضوا على المجتمع الليبي طقسا اجتماعيا معينا، وتعددت الوقائع على ذلك. ففي 28 مارس/آذار 2016 قامت قوات مدخلية من كتيبة التوحيد السلفية المعروفة باسم الكتيبة 210 مشاة، باعتقال 3 من الشباب نظموا احتفالية يوم الأرض في المدينة، حيث اعتبرها عبد الفتاح بن غلبون -أحد شرعيي المداخلة- أحد أشكال البدع الماسونية غير الإسلامية، ووصفها بالفجور والعصيان وأنها لم تُراعِ دماء الشهداء [21].

كما عمل المداخلة على إجبار المسؤولين باتجاه فرض تشريعات تخضع لرؤيتهم الفقهية، فقد أصدر عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان؛ في فبراير/شباط 2017 قرارا بحظر سفر السيدات بدون محرم استجابة لرغبتهم، بيد أن هذا القرار تم التراجع عنه بسبب حملات الرفض والاستهجان على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي يناير/كانون الثاني 2018 صادر المداخلة كتبا فيها روايات لنجيب محفوظ، وأعمالا لنيتشه، وباولو كويلو، بزعم محاربة الغزو الثقافي! وبحسب شهادات ميدانية لـ”ميدان” فقد أقام المداخلة سلطة رقابية على المواطنين في عدد من المواطن سموها “شرطة الآداب” ببنغازي، كما أنشأ المداخلة قوات لحفظ الآداب العامة، وأخرى لمكافحة الجريمة، وهو ما أتاح لهم تمددا اجتماعيا وسط الناس، كما برزت كتائب في مصراتة، مثل كتيبة مكافحة الجريمة والتي قادها ميلاد الصويعي وأنور سويسي.

امتدت يد المداخلة كذلك إلى الفضاء السيبراني، حيث يؤكد الناشط الحقوقي وعضو جمعية بلادي طارق لملوم بأنه: “تم رصد عشرات الشكاوى من عائلات قُتل أبناؤها وهُجّرت من بيوتها في بنغازي على يد مسلحين يتبعون كتيبة التوحيد السلفية تحديدا، بسبب انتقاداتهم للكتيبة وحفتر على مواقع التواصل” [22].

وبحسب تقرير بعنوان “منشورات قاتلة” نشره موقع العربي الجديد فإن “مداخلة بنغازي يراقبون شبكات التواصل الاجتماعي خاصة موقع “فيسبوك” لرصد أنشطة معارضيهم الذين يصفونهم بالخوارج، الأمر الذي أودى بحياة 10 من الناشطين في المنطقة الشرقية (بنغازي والبيضاء والمرج)، بينما تم اختطاف 6 آخرين عبر منتسبي كتيبة التوحيد السلفية الموالية لحفتر، وتم إطلاق سراحهم لاحقا في عمليات تبادل بين جماعات متحاربة في بنغازي، أو عبر وساطات وضغوط قبلية”.

في سجون المداخلة

“سجون المنطقة الشرقية، خاصة سجني “الكويفية” في بنغازي و”قرنادة” في مدينة شحات يعتبران الأسوأ على مستوى معاملة السجينات والانتهاكات الحاصلة.

وتُدار معظم السجون في شرق البلاد وغربها من قِبل (الفرقة المدخلية المتشددة)”

 (جمعة العمامي – رئيس منظمة التضامن الليبية لحقوق الإنسان)

نظرا لكون المداخلة ينطلقون من تصورات دينية يعتقدون أنها الحق المطلق، فإن هذا يعمل على منحهم ميلا مضاعفا للتنكيل بخصومهم باعتبارهم مخالفين للدين، وهو ما دفعهم للانتقام من المخالفين بصورة بشعة. فقد رصدت منظمة التضامن لحقوق الإنسان الليبية 32 جريمة قتل تحت التعذيب وقعت منذ النصف الثاني من العام 2014 بشرق ليبيا، بعد خطف معارضين، وقد بات الأمر في تزايد مطرد تجاه مواطنين مخالفين لخليفة حفتر عملياته العسكرية في مدينة بنغازي، حسب تقرير المنظمة.

ووفقا لتقرير أعدّه خبراء الأمم المتحدة في ليبيا، ومن شهادات واقعية لـ”ميدان” في الداخل الليبي، فإن أفرادا وعائلات تعدُّ مستهدفة على الدوام، وهي تحديدا، تلك التي ينتمي أفرادها إلى جماعات ثورية أو جماعات إسلامية مسلحة وكذلك الصوفية. وليس الأمر قتلا لخلاف سياسي، وإنما قتل باسم الدين لأُناس لم يعتنقوا الفكر المدخلي!. وبحسب شهادة أدلى بها أحد الثوار فإن المداخلة يطلقون على مخالفيهم غير المقاتلين لحفتر اسم “الخوارج القعدة”، وهم عندهم مستحقون التنكيل كذلك مثل المقاتلين، وقد تعرض هذا الشاب للأذى رغم أنه لم يشترك في قتال من قبل، وإنما كان الأمر عدم رضى عن انقلاب حفتر [م].

ووصف أحد المسجونين القدامى في سجون المداخلة لـ”ميدان” معاملتهم للمسجونين في هذه السجون بقوله: “كنا نظن أنهم سيجعلون السجن هيئة للخير والإصلاح، لكنهم إذا استولوا على سجن انتهكوا الحرمات والحدود وظلموا وأفسدوا!”، ويضيف الشاهد: “لم يكن هناك تعذيب في السجن، حتى أتى إليه مداخلة”.

وبحسب تقرير مفوضية الأمم المتحدة بعنوان “تجاوزات خلف القضبان: الاحتجاز التعسفي وغير القانوني في ليبيا” [23] فإن مليشيات حفتر “تحتجز آلاف الرجال والنساء والأطفال بشكل تعسفي ومطول ودون مسوغ قانوني، حيث يعرّضونهم للتعذيب وغيره من ضروب الانتهاكات والتجاوزات ضد حقوق الإنسان. وقلما يُتاح للضحايا سبل الانتصاف القضائية أو التعويضات، وقد لا يتوفر لهم ذلك، فيما يفلت أفراد المجموعات المسلحة تماما من العقاب”.

وتُقدّر أعداد المحتجزين بنحو 6500 شخص على الأقل في السجون الرسمية، لكن السجون الأبرز في الانتهاكات يديرها مداخلة بشكل حصريّ، مثل سجن “معيتيقة” الأكبر في طرابلس حيث يبلغ عدد المحتجزين فيه نحو 2600 فرد بين رجل وامرأة وطفل، والذي يسيطر عليه قوات الردع التابعة للمداخلة في طرابلس، وفي الشرق يقع سجن قِرْنادة سيئ السمعة، والذي يسيطر عليه مداخلة كذلك.

وقد تعرض عدد من السجناء للقتل في سجون يسيطر عليها مداخلة، “فعلى سبيل المثال، وبحسب تقرير الأمم المتحدة، وفي سجن “معيتيقة”، عُثر على رجل في الخمسينيات من عمره ميتا بعد أربعة أيام من استدعائه للاستجواب في يوليو/تموز 2017، ووصلت 35 جثة تحمل علامات التعذيب إلى مستشفيات طرابلس”.

وبحسب مصادر ميدانية حصل عليها “ميدان” من شباب ثوار تعرضوا لانتهاكات داخل سجون قرنادة يقول: “كنا أربعة، وحطونا في السيارة بين شتم وسب. بقينا 4 أيام في تعذيب وأمور منقدرش نوصفها لك إلا لو تذكرتها، في السجون الملابس قميئة وكان هناك شخص اسمه (ع.ع) مدخلي كانت كلمته تمشي على مأمور السجن، ولم يكن على لسانهم سوى أنتم إرهابيون إخوان، شاركتم في الثورة”.

وفي سجون المداخلة، تتعرض النساء لعدد من الانتهاكات على يد قوات مدخلية، فبحسب تقرير الأمم المتحدة، فقد تعرض عدد من المسجونات للتعذيب ولانتهاكات عديدة مثل الضرب والجلد وجذب الشعر والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي في مركز الاحتجاز! وفي تقرير آخر أعدته شبكة الجزيرة بعنوان “كُن في سجون حفتر” [24] فقد تعرضت عشرات القصص إلى الانتهاكات في سجون المداخلة، وبحسب التقرير -أيضا- فإن معظم السجون في شرق البلاد وغربها تُدار من قِبل “الفرقة المدخلية المتشددة”، كما أن جميع أقسام مكافحة الجريمة يديرها أصحاب “الفكر المدخلي”.

تذكر إحدى النساء المعتقلات لدى المداخلة في كتيبة التوحيد السلفية ببنغازي: “واجهت من سجانيها الجدد ما لم يخطر لي على بال، تم تقييدي بسلاسل ووضعي في غرفة مظلمة تماما وضربي بالعصي وبالأحذية على وجهي، ما زالت آثارها باقية. وجردوني من ملابسي لكنهم لم يلمسوني، وكنت أسمع صراخا لمعتقلات بجواري من شدة التعذيب”. وأخرى احتجزوها وطفليها رهائن لمدة عام ليُسلم زوجها نفسه، وقد كان مقاتلا في صفوف “مجلس شورى ثوار بنغازي”.

نادر العمراني ورفاقه.. قتل العلماء على الطريقة المدخلية

“المدخلية يدعون أنهم يُناصرون التوحيد ويعملون بالكتاب والسنة وهم يقاتلون تحت راية حفتر، عملاء المخابرات السعودية هم من قتلوا الشيخ نادر العمراني رحمة الله عليه.

قتلوا عشرات -بل ربما مئات- من العلماء والدعاة ومحفظي القرآن في بني غازي!”

(الشيخ صادق الغرياني – مفتي ليبيا)

“مالكية مالكية.. ما نبغوها مدخلية”

كان هذا الهتاف هو الهتاف الذي صاحب جنازة الشيخ نادر العمراني، نائب المفتي وأستاذ الحديث البارز، قبل أن يقوم مدخلي تابع لقوات الردع الخاصة بطرابلس بتصفيته وهو ذاهب لصلاة الفجر!

عُرف العمراني بجديته العلمية، فحصل على الليسانس والماجستير والدكتوراه بامتياز، ونشط في تعليم الحديث والتدريس، وتولى إدارة فروع وزارة الأوقاف بعد الثورة، وعُرف عنه موقفه الموالي للثورة ودعم الثوار، والشجاعة في الحق وانتقاد ممارسات المداخلة ووصفها بأنها ليست الإسلام الصحيح.

خُطف الشيخ العمراني من قِبل مجهولين في أكتوبر/تشرين الأول 2016 ليُعلن قتله بعد شهر على يد أحد المداخلة بعد خطفه وهو في طريقه إلى صلاة الفجر بدعوى أنه من الخوارج المعارضين لوليّ الأمر. اعترف المدخلي الذي قام بهذه العملية أنه تم التنسيق لها مع عدد من المداخلة قبل ثلاثة أشهر، وقد افتى لهم بهذه الفتوى أحد الطلبة الذين حضروا دروس محمد سعيد رسلان، المدخلي المصري، وهو ما لاقى استنكارا من جهات علمية ودعوية على مستوى العالم [25].

كما تعرض عدد من المشايخ والدعاة للانتهاكات على أيدي المداخلة، منهم الشيخ مراد القماطي في طرابلس، والشيخ ظافر الثابت خطيب مسجد مصعب بن عمير بعدما انتقد المداخلة في خطبة، فتم اعتقاله ولفقوا له تهمة كيدية “اغتصاب طفل” عمره عشر سنوات، حيث تعرض للتعذيب والقتل المعنوي إعلاميا وعلى مواقع التواصل، ثم تم إطلاق سراحه بعد براءته لكن بعدما لم يعد له صوت.

وتم اعتقال عدد كبير من طلبة العلم المعادين لحفتر في طرابلس بالغرب على يد قوات الردع، ثم تداعت الأنباء أنهم قد قُتلوا ومات بعضهم بسبب المرض في سجون المداخلة التي تتخذ كتيبة الردع من منطقة سوق الجمعة ومطار معيتيقة مركزا لعملياتها باسم محاربة تهريب المخدرات، بينما تقوم باعتقال أي ليبي من التوجه الإسلامي والدعاة ذوي الميول لثوار 17 فبراير، أو إيداعهم في سجنها “سجن معيتيقة”. ولا يُستثنى من ذلك أحد، حتى ناشطو حقوق الإنسان، وحركة المجتمع المدني، والأكاديميون والمثقفون، يتعرضون للاضطهاد والتهديد، والاعتقال، ويخافون المجاهرة بانتقاد تصرفات المداخلة الإجرامية خوفا من الاختفاء والاختطاف.

وبحسب مصادر أمنية في طرابلس فإن “أي شخص مطلوب من طرف حكومة الكرامة يتم إلقاء القبض عليه في طرابلس من طرف كتيبة الردع التي يديرها عبد الرؤوف كاره، وأن منظومة المطلوبين للكرامة متصلة مباشرة بجماعة كاره”. أما في الشرق فإن الشيوخ والخطباء كانوا يُقتلون بالجملة وتُرمى جثثهم في مكبات القمامة بعد سيطرة المداخلة على الشرق. فقد تم قتل محمد باكير الملقب بالنحلة، وقد ورد اسمه في تقرير الأمم المتحدة، وقد مات تحت التعذيب عند قوة مكافحة الجريمة في مصراتة.

وممن قتلهم المداخلة كان الشيخ نبيل ساطي، وهو من رموز ثورة فبراير، وقد كان الخطيب في ساحة المحكمة في بنغازي أثناء مظاهرات الثورة في 2011، وقد اغتاله مداخلة الشرق في بنغازي. واعتقل المداخلة طالب علم صغيرا عمره 14 سنة واسمه وائل المالكي، ولا يُعلم عنه شيء منذ اعتقاله. وقُتل كذلك الشيخ عبد الهادي العريبي إمام مسجد نور الرحمن بحي الزاوية ببنغازي ومساعده الشيخ أحمد سيدي، وقد اختُطفا بعد صلاة الفجر وبعدها عُثر على جثتيهما.

وقُتل الشيخ عبد الرحمن الدلح، وهو إمام وخطيب ومحفظ القرآن بمسجد الخندق ببنغازي، وقد اعتُقل من بيته بالليل وبعد أيام وُجدت جثته على قارعة الطريق. وكذلك الشيخ محمد الصبيحي إمام وخطيب ومحفظ بمسجد الحليس، حاز الماجستير من القاهرة، وبعد رجوعه اختُطف من بيته ووُجد مقتولا بعدها. والشيخ سليم بعيو، وهو إمام ومحفظ القرآن بمسجد سودة بنت زمعة. والشيخ منصور البرعصي، وهو صاحب جهد للإصلاح بين مكونات الثوار وقوات الصاعقة ببنغازي، اغتيل وهو خارج لصلاة الفجر في سيارته.

والشيخ محمد بوشعالة، وهو من كبار محفظي القرآن ببنغازي، وقد طُرد من بيته وأحرق البيت بعد ذلك، فتوفي الشيخ متأثرا مما جرى له. والشيخ عبد السلام صويد، والشيخ موسى البرعصي اختُطف في البيضاء وقُتل ومثّلوا بجثته.

خاتمة

كانت هذه بعض الدماء التي أسالها المداخلة في ليبيا، والحوادث التي اقترفوها، مع ضعف في العلم الديني وضحالة ثقافية لا تخفى. ولا يدري أحد على وجه اليقين ما الذي ستشهده ليبيا في الأيام القادمة، لكن استشرافنا أن المداخلة سينقسم بعضهم على بعض بعد فترة من الزمان -كما هي عادتهم-، إذ إن منهجهم لا يسمح بالاستمرار والتماسك مدة طويلة، كما سيلعب المداخلة دورا عابرا للقارات والبلدان، إذ أصبحوا بما مثلوه في ليبيا (واليمن كذلك) حالة يمكن استغلالها ودعمها في بلدان أخرى لها ظروف مشابهة.

__________________________________________

الهوامش

أ- بحسب دراسة “الحركات الإسلامية الحديثة في ليبيا: منطلقاتها – قياداتها – تجاربها – مآلاتها” لمحمود النّاكوع فإن أبرز التيارات الإسلامية التي وُجدت في الفضاء الليبي إبان عصر القذافي وتم تهميشها هي:

–         الإخوان المسلمون.

–         حزب التحرير الإسلامي.

–         جماعة التبليغ والدعوة.

–         الجماعة الإسلامية المقاتلة.

–         حركة التجمع الإسلامي.

–         بعض التمظهرات السلفية.

https://www.goodreads.com/book/show/15709727

ب- من تصريحات خاصة لـ “ميدان” أدلت بها إحدى الناشطات الليبيات ذات التوجه الإسلامي.

ج- أفاد بهذا بعض الإسلاميين الذين عاصروا هذه الحقبة، واستطاع “ميدان” الحصول على شهادتهم، ورأى البعض أن هذا كان بتأثير من المخابرات المصرية نفسها، إذ قامت بلفت الانتباه لإمكانية استخدام المداخلة في ليبيا وأنهم تيار سلفي مسالم تماما تجاه الحكومات.

د- تزامن هذا مع ظاهرة القنوات السلفية في مصر، وانتشار التيار السلفي بوجه عام قبيل الثورات، وقبل أن يستدعي القذافي رموزا من سلفية مهادنة للدولة في حفلات القرآن، مثل محمد حسان، ومحمد العريفي، ومحمد الزغبي، وآخرين، ويمكن مراجعة بعض هذه الفيديوهات.

محمد حسان في حفل القرآن ويمدح عائشة القذافي.

محمد الزغبي يعدد مدائح القذافي.

محمد العريفي يمدح القذافي

مع التنبيه إلى أن محمد حسان والزغبي والعريفي لا يمكن تصنيفهم مداخلة بالمعنى التقليدي، بل إن المداخلة يُبدّعونهم، لكن محل الشاهد هنا هو الحضور السلفي في المشهد الليبي العام في هذا الوقت، كما زار بعض الدعاة المحسوبون على الإخوان ليبيا في الوقت ذاته وعلى الرأس منهم الشيخ يوسف القرضاوي والذي حرص القذافي على الظهور بجانبه، والداعية المصري صفوت حجازي.

هـ – فقيه مالكي ليبي، له مكانة كبيرة في الفقه المالكي، وكان من أهم الرموز الدينية التي دعت لثورة 17 فبراير، وعُيّن مفتيا لليبيا بعد الثورة.

و- الكلام بنصه لإحدى الناشطات الإسلاميات في شهادتها على ممارسات المداخلة في فترة ما بعد الثورة.

ز- كانت هذه الكتيبة مسماة بالتوحيد السلفية وقادها المدخلي أشرف الميار، وسيأتي التعريف به قريبا.

ح- مصادر ميدانية من طرابلس لـ “ميدان“.

ط – نذكر هنا عددا من المداخلة، مقاتلين وشرعيين، قُتل بعضهم في معارك سابقة، ولم نحبذ ذكرهم في متن التحقيق تجنبا للاستطراد، لكن لم نجد من ذكرهم بُدّا من باب التوثيق وأمانة، فمن هؤلاء:

العقيد المدخلي كمال بازازة وقد قُتل، وكان يترأس قسم الشؤون الإسلامية في مديرية أمن بنغازي، وعز الدين الترهوني من كتيبة التوحيد وقد قُتل في معارك سوق الحوت ببنغازي، وأحمد بن علي الفيتوري رئيس لجنة التحري والقبض في بنغازي التابعة لقيادة عصابات حفتر، وقد قُتل في تفجير مسجد بيعة الرضوان، وخالد بن رجب الفرجاني من قبيلة الفرجان قُتل في سرت خلال معارك البنيان المرصوص، وكتيبة 604 في سِرت، وكتيبة اليرموك في مصراتة.

  

وبجانب هؤلاء العسكريين فهناك عدد من شرعيي المداخلة يُحرّضون على قتال الثوار باسم الخوارج، لكنهم لم يقاتلوا بأنفسهم، ومن قياداتهم يوسف بن فارس بن عمر الليبي المكنى بأبي عبد الرحمن المكي، والذي يوصف بنزيل مكة، وهو من المقربين لربيع المدخلي.

وفواز المدخلي وقد زار المواقع العسكرية بضواحي مدينة درنة في شهر فبراير/شباط عام 2018 ووصف أهل المدينة بالخوارج، وتوعدهم باقتحامها وقتلهم إن لم يسلموا أنفسهم وأسلحتهم لقوات حفتر “أذلاء وأنوفهم راغمة في التراب، وإلا فليس لهم منا إلا القتل”، وقد حث في شريط له على اقتحام مدينة درنة بالقوة.

وقد زار مدن شرق ليبيا السعودي أسامة عطايا العتيبي المقرب من ربيع المدخلي في شهر فبراير/شباط 2017، وألقى دروسا لحث شباب شرق ليبيا على التطوع لمواصلة دعم حفتر في قتاله ضد ثوار بنغازي ودرنة، وخطب خطبة الجمعة في مدينة أجدابيا، وصرح بعد الزيارة لقناة ليبيا الحدث “إن علاقته بشباب المداخلة وطيدة قائلا: “كانوا يتواصلون معي منذ نحو 20 سنة بالأسئلة والاستفتاءات والدروس، ويواظبون على الاستفادة منها”.

ي- نكّل حفتر بكل الذين كانوا يعاملونه بالندية حتى تنفرد له الساحة، حتى وإن كانوا رفاقه بالأمس، كما فعل مع العقيد فرج برعصي، والذي انشق عنه وأيّد حكومة الوفاق، فشن هجوما على بيته تسبب في قتل شخص وإصابة ثلاثة داخل بيته وأدى هذا الهجوم إلى بتر ساقه وسرقة أمواله.

وتكرر هذا مع آخرين مثل العقيد منصور المزيني والفريق سليمان محمود العبيدي والعقيد المهدي البرغثي.

للمزيد: هنا

ك- أقامت أبو ظبي قاعدة عسكرية بالقرب من مدينة المَرج مزودة بطائرات وطائرات بدون طيار وصواريخ متطورة، وتبعد هذه القاعدة 100 كيلومتر فقط من بنغازي و500 كم عن قاعدة عسكرية مصرية أُقيمت بالقرب من واحة سيوة بالتنسيق مع الإمارات وقوات فرنسية لدعم قوات حفتر في الشرق الليبي.

كما قامت قوات تابعة للإمارات وقوات تابعة للجيش المصري بضربات جوية على الأراضي الليبية، وأصدرت وزارة الدفاع المصرية بيانا بأن العمليات المصرية كانت صدا لهجمات إرهابية على مصر. وعلى إثر هذه الضربات الجوية تمكن حفتر في الشرق الليبي من قصف قوات ثوار فجر ليبيا ومجلس شورى ثوار بنغازي!

للمزيد:

– قاعدة عسكرية إماراتية شرقي ليبيا

– وثائقي “الإمارات – وهم إسبرطة” من الدقيقة 26

– بيان وزارة الدفاع المصرية بشن عمليات عسكرية في شرق ليبيا 2017.

 تقرير الغارديان لعمليات 2014.

– وللمزيد حول عمليات الإمارات ومصر في ليبيا دراسة كارنيغي: الجيش المصري: العملاق المُستيقظ من سباته.

ل- وثائق حصلنا على نسخ منها.

م- الخوارج القعدة مصطلح يستخدمه المداخلة للدلالة على المخالفين للحكّام وإن لم يقاتلوا، ويعتبرونهم أشد فسادا من الخوارج المقاتلين.

(المصدر: ميدان الجزيرة)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى