مقالات المنتدى

بيان علماء فلسطين عن اليمن؛ فقه الأمة وعدالة الموقف

بيان علماء فلسطين عن اليمن
فقه الأمة وعدالة الموقف

د. وصفي عاشور أبو زيد

كتبتُ قبل أيام مقالًا بعنوان “اليمن وفلسطين.. عدالة لا تتجزأ“، في ظل ما أثارته التطورات اليمنية من استقطاب حاد، وما صاحبها من تراشق بالتهم وتخوين للمواقف، حتى كاد الخلاف في تقدير الوقائع والمآلات يتحول إلى امتحان للولاءات، لا إلى اجتهاد في نازلة مركبة تتداخل فيها الحقوقُ والمصالح والمفاسد.

وكان المعنى المركزي الذي أردتُ تقريره أن العدل مبدأ لا يتجزأ بتجزؤ الخرائط، وأن حرمة الدم لا تتبدل بتبدل الرايات، وأن نصرة قضية عادلة لا تمنح أحدًا حق الظلم في قضية أخرى، ففلسطين – على جلالة قدرها ومركزيتها في وجدان الأمة ووعيها الديني والحضاري – جزء عزيز من الأمة، لكنها ليست الأمة كلها، واليمن ليس هامشًا يمكن أن تنزف دماؤه إذا اقتضت حسابات السياسة ذلك، كما أن سورية والعراق وسائر بلاد المسلمين ليست ساحات ثانوية في جسد واحد لا تستقيم عافيته إذا نزف بعضه لينجو بعضه الآخر.

ثم صدر عن هيئة علماء فلسطين في 18 سبتمبر 2026م بيانٌ حول التطورات في اليمن: https://palscholar.org/?p=28657 فوجدتُ فيه تجسيدًا مؤسسيًّا لجملة من هذه المعاني، وأبعد من ذلك: وجدت فيه نموذجًا لكيف يمكن للعالم أن يتحرر من ضغط الجغرافيا، وللمؤسسة الشرعية أن ترتفع فوق استقطاب اللحظة، وللقضية الفلسطينية نفسها أن تؤكد مركزيتها في الأمة من غير أن تتحول هذه المركزية إلى حجاب يحجب آلام الآخرين.

ولعل أجمل ما في البيان أنه صدر عن هيئة تحمل اسم فلسطين، لكنها تكلمت في هذه اللحظة بلسان الأمة.

ميزان الشرع فوق حسابات الاصطفاف

لم يبدأ البيان بالسؤال الذي يفرضه الاستقطاب عادة: مع أي طرف نقف؟ ومن خدم فلسطين أكثر؟ ومن أضر بها؟ وإنما عاد خطوة إلى الوراء، إلى الأصل الذي ينبغي أن يحكم هذه الأسئلة كلها: ما حكم الله في الدماء والحرمات؟

فقرر البيان أن “دماء أبناء الشعب اليمني وأعراضهم وأموالهم وحرماتهم مصونة بحرمة الله تعالى“، وأن الاعتداء على المدنيين وقتل الأبرياء وترويع النساء والأطفال محرم “تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية ومن أي جهة صدر“.

وهذه العبارة الأخيرة هي التي تنقل الموقف من منطق المحاور إلى منطق الشريعة: “من أي جهة صدر“.

فالدم لا تتغير حرمته بهوية من يَسفكه، والظلم لا يفقد اسمه لأن فاعله وافقنا في قضية أخرى، والحق لا يصبح باطلًا لأن من نختلف معه هو الذي يطالب به، وهذا بعض مقتضى الأمر القرآني الجامع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وتقديم قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ بالغ الدلالة؛ لأن العدل في التصور القرآني عبادة قبل أن يكون موقفًا سياسيًّا، وتكليف قبل أن يكون مصلحة، ولذلك لا يجوز أن يصبح تابعًا لمقادير الحب والبغض، أو القرب والبعد، أو التحالف والخصومة.

ومن هنا يضع البيان يده على علة عميقة في كثير من خلافاتنا المعاصرة: أننا كثيرًا ما نبدأ من تحديد معسكرنا، ثم نبحث بعد ذلك عن الحكم الذي يلائم المعسكر؛ بينما المنهج الشرعي يبدأ بتحديد الميزان، ثم يزن به الجميع.

شرف الموقف لا يمنح صاحبه حصانة

وعلى هذا الأصل بنى البيان واحدًا من أدق معانيه وأجدرها بالتأمل؛ إذ لم يجحد لجماعة أنصار الله ما قامت به من أعمال مشروعة استهدفت الاحتلال الإسرائيلي وضغطت عليه نصرة لغزة، بل أثبت لها فضل ذلك صراحة، ثم وضع هذا الفضل في حدوده الشرعية فقال إن ذلك “يمنح صاحبها شرف ذلك الموقف وحده، ولا يمنحه حصانة شرعية ولا صكًّا مفتوحًا يبرر به ظلم أبناء اليمن أو استباحة دمائهم وحرماتهم“، وهذه عبارة تستحق أن تتجاوز مناسبة البيان لتصبح قاعدة في فقه المواقف: شرف الموقف لا يمنح صاحبه عصمة، كما أن الخطأ لا يمحو كل فضل سبقه.

وهنا تظهر الحاجة إلى استعادة ميزان بالغ الأهمية في النظر الشرعي: أن نفرق بين الفعل والفاعل، وبين أصل الحق وطريقة ممارسته، وبين مشروعية المقصد ومشروعية الوسيلة، فقد يصيب الإنسان في موقف ويخطئ في آخر، وقد يكون المقصد مشروعًا ثم تتلبس وسيلته بمحظور، وقد يثبت أصل الحق ولا تصح كل ممارسة تقع باسمه.

وهذا الميزان أدق وأعدل من ثقافة الاصطفاف التي لا تعرف إلا التزكية المطلقة أو الإدانة المطلقة، فنشكر لمن نصر فلسطين نصرته، ولا نبخسه فضل موقفه؛ لكننا لا نجعل نصرة فلسطين رصيدًا مفتوحًا تُخصم منه حقوق الآخرين، ولا صك غفران سياسيًّا أو شرعيًّا يُعطل أحكام الدماء والحرمات.

وإذا كان للشعب اليمني أصل الحق في رفع الظلم عنه والانتصار لدمائه وأرضه وحقوقه، كما قرر القرآن: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]، فإن ثبوت أصل الحق لا يعني أن كل وسيلة تمارس باسمه مشروعة، كما أن إنكار وسيلة محرمة لا يجوز أن يتحول إلى إنكار لأصل الحق نفسه، وبذلك تستقيم المعادلة: لا سلام يثبت الظلم، ولا مقاومة تستبيح الأبرياء.

شرع واحد لغزة واليمن

ثم يبلغ البيان ذروة منطقه في قوله: “فالشرع الذي يوجب مقاومة المحتل الصهيوني هو ذاته الذي يحرّم دم المسلم، والعدل الذي نطلبه لأهل غزة هو العدل نفسه الذي يجب أن نصونه لأهل اليمن“. وهنا لا نعود أمام موقف من حادثة يمنية فحسب، بل أمام سؤال يمس صدقية خطابنا الأخلاقي كله: هل نطلب العدل لأنفسنا لأنه عدل، أم نطلبه لأنه يخدم جماعتنا وقومنا وقضيتنا؟

إن كنا نغضب لدم الطفل في غزة لأن دم الإنسان حرام، ولأن قتل البريء جريمة، ولأن ترويع المدنيين عدوان، فلا يمكن أن تتغير هذه الأحكام إذا انتقل الطفل من غزة إلى صنعاء، أو انتقلت الأم الثكلى من خان يونس إلى مأرب أو تعز أو غيرهما من أرض اليمن؛ فالشرع واحد، والإنسان واحد، وحرمة الدم واحدة.

وهذا هو الذي يمنح القضية الفلسطينية قوتها الأخلاقية؛ لأنها ليست مطالبة بامتياز خاص للفلسطينيين، وإنما مطالبة بتطبيق قيم العدل والحرية وحرمة الإنسان عليهم كما يجب أن تطبق على غيرهم، أما إذا طالبنا العالم بمعيار لغزة، ثم رضينا بمعيار آخر عندما تقع المظلمة بعيدًا عنها، فإننا نضعف بأيدينا الحجة الأخلاقية التي نخاطب بها العالم.

فلسطين في قلب الأمة لا على حسابها

ومن هنا تأتي العبارة البالغة الدلالة في البيان: “لا تُنصر فلسطين بظلم اليمن“، كلمات قليلة، ولكن وراءها تصور كامل لموقع فلسطين في الأمة؛ ففلسطين قضية مركزية في وعي المسلمين، والقدس بعض هويتهم الحضارية، والمسجد الأقصى عقيدة وتاريخ وأمانة، وتحرير فلسطين من الاحتلال حق ثابت لا تسقطه موازين القوة ولا مرور الزمن، ولكن هذه المركزية لا تعني أن تستأثر فلسطين بالعدل كله، أو أن تتحول قداسة قضيتها إلى مسوغ للصمت عن مظلمة أخرى.

قلتُ في مقالتي السابقة، وأكررها هنا لأنها أصل في هذه المسألة: “فلسطين جزء عزيز من الأمة، لكنها ليست الأمة كلها“، وليس في هذه العبارة إنقاص لفلسطين، بل فيها صيانة لمكانتها؛ لأن فلسطين تكبر في ضمير الأمة بقدر ما تكون عنوانًا للعدل الذي يشمل الأمة كلها، لا قضية تنافس بقية الشعوب على آلامها وحقوقها.

ولا يصح أن يُطلب من اليمني أن يدفع من دمه وأمنه واقتصاده نصرة لفلسطين، ثم يقال له إذا سال دمه: إن الحديث عن مظلمتك يضر فلسطين، كما لا يقبل يمني حر أن يُظلم فلسطيني باسم مصلحة اليمن، إنها ليست مفاضلة بين دمين، وإنما وحدة حرمة ووحدة مصير ووحدة ضمير.

وقد صور النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك أبلغ تصوير بقوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى“، [أخرجه مسلم]. والجسد لا يعالج نزف عضو بإحداث نزف في عضو آخر، ولا يحمي قلبه بإهلاك أطرافه.

هيئةٌ لفلسطين.، وضميرٌ للأمة

وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الكبرى للبيان، فلو صدر الكلام نفسه عن علماء يمنيين لكان مفهومًا ومحمودًا، لكنه صدر عن هيئة علماء فلسطين في وقت تحتاج فيه فلسطين إلى كل صوت يناصرها، وكل قوة تضغط على الاحتلال، وكل موقف يخفف شيئًا من معاناة أهلها، وهذا هو الذي يمنح الموقف ثقله الأخلاقي.

كان الأسهل أن تنظر الهيئة إلى الأطراف اليمنية من نافذة فلسطينية ضيقة: ماذا قدم كل طرف لغزة؟ وكم ضغط على الاحتلال؟ وكان ممكنًا أن يصير مقدار خدمة فلسطين هو المعيار الذي توزن به سائر التصرفات، لكن الهيئة رفضت هذا المنطق، وقالت في خاتمة بيانها إن “ميزانها هو شرع الله وعدله، وأن الدم الحرام لا يتجزأ، وأن المظلوم يُنصر أيًّا كان، والظالم يُمنع من ظلمه أيًّا كان“.

وهنا يتجلى فقه الأمة في مقابل فقه القطر والمصلحة الجزئية؛ فالأمة ليست شعارًا نستدعيه عندما نريد من اليمني أن ينصر فلسطين، ثم نعيده إلى حدوده عندما يحتاج اليمني إلى كلمة حق من علماء فلسطين، والأُخوّة ليست طريقًا في اتجاه واحد، يعطي فيه بعض الأمة باستمرار، بينما يكتفي بعض آخر باستقبال النصرة.

لقد قال البيان لليمني، بمعناه قبل لفظه: إننا لا نراك مجرد قوة تضغط على عدونا، ولا ورقة في معركة فلسطين، ولا خزّانًا للتضحيات؛ بل نراك أخًا له من حرمة الدم والكرامة والحقوق ما نطلبه لأهلنا في غزة والقدس والضفة وسائر فلسطين، وهذا هو المعنى الحقيقي للأمة.

ماذا يسمع اليمني في بيان علماء فلسطين؟

ولهذا فإن آثار البيان لا ينبغي أن تقاس فقط بمقدار ما أثاره من قبول أو غضب في وسائل التواصل؛ فهناك أثر أعمق ينبغي التفكير فيه: ماذا يصنع هذا الموقف في وجدان اليمني تجاه فلسطين؟

لقد حمل كثيرٌ من اليمنيين فلسطين في وجدانهم، وتفاعلوا مع مأساتها، وبذلوا في نصرتها بأشكال مختلفة، وتحمل بلدهم آثارًا وتبعات مرتبطة بالصراع الإقليمي المتصل بها، وحين يسمع اليمني علماء فلسطين يقولون له إن دمه وماله وعرضه وحرماته مصونة، وإن نصرة غزة لا تعطي أحدًا حق الاعتداء عليه، فإن هذه الكلمة لا تنتصر لليمن وحده؛ وإنما تبني لفلسطين رصيدًا أخلاقيًّا جديدًا في قلب اليمن، فالوفاء يستدعي الوفاء.

ومن شأن موقفٍ كهذا أن يشد عزم اليمنيين في نصرة فلسطين، لا أن يصرفهم عنها؛ لأنهم يجدون في الطرف الفلسطيني من يقول لهم: نريد نصرتكم، لكننا لا نقبل ظلمكم باسمنا، ولا نريد لفلسطين أن تكون غطاء لمظلمة تقع عليكم.

وما أجمل أن تكون العلاقة بين قضايا الأمة على هذا النحو: لا مقايضة في الدماء، ولا ابتزاز بالمقدسات، ولا منافسة بين المظلوميات، وإنما تناصر متبادل يقوم على أصل جامع: اليمن لفلسطين، وفلسطين لليمن، وكلاهما للأمة، والأمة لهما جميعًا.

العدل أقوى حليف لفلسطين

لقد تعرض البيان لهجوم واسع في مناخ مشحون بالاستقطاب، وليس غريبًا أن يحدث ذلك؛ لأن الخطاب الذي يرفض الاصطفاف الكامل يغضب عادة أصحاب الاصطفافات المتقابلة جميعًا، لكن البيانات العلمية لا توزن بعدد المعجبين والغاضبين، وإنما توزن بميزان الشرع، واتساق المبادئ، وحفظ الحقوق، والقدرة على قول كلمة العدل عندما تكون كلفتها أكبر من الصمت.

وأحسب أن هيئة علماء فلسطين أحسنت في هذا البيان حين رفضت أن تجعل فلسطين استثناءً من أخلاقها، أو أن تجعل حاجة فلسطين إلى النصرة سببًا للصمت عما تراه ظلمًا لغير الفلسطينيين، بل إن هذا الموقف، في تقديري، نصرة لفلسطين نفسها.

ففلسطين لا تحتاج إلى ظلم أحد كي تنتصر، ولا تحتاج إلى إسكات مظلوم حتى تبقى قضيتها مركزية، ولا تحتاج إلى حصانة تمنح باسمها لهذا الطرف أو ذاك، إنها أقوى وأطهر من ذلك؛ لأنها قضية قامت في أصلها على طلب العدل ورفع الاحتلال وصيانة الإنسان والأرض والمقدسات.

وقد ختم البيان هذا المعنى بعبارة جديرة بأن تحفظ: “فقضية فلسطين أرفع من أن تُتخذ غطاءً لأي تجاوز على دماء المسلمين وحرماتهم“. نعم؛ فلسطين أرفع من ذلك.

وأجمل ما في هذا البيان أن علماء فلسطين لم يقولوا لليمنيين: انصروا قضيتنا فحسب؛ بل قالوا لهم، بلسان الموقف: قضيتكم العادلة تعنينا أيضًا، ودمكم حرام كما دمنا حرام، وكرامتكم ليست أقل من كرامتنا، والشرع الذي نستنصر به لفلسطين هو نفسه الذي نقف به مع المظلوم في اليمن.

وإذا كنتُ قد كتبتُ قبل أيام أن اليمن وفلسطين عدالة لا تتجزأ، فإن بيان هيئة علماء فلسطين قدّم شاهدًا عمليًّا على أن هذا المعنى يمكن أن ينتقل من المقال إلى الموقف، ومن اجتهاد الكاتب إلى خطاب المؤسسة، ومن حدود الجغرافيا إلى رحابة الأمة.

ولذلك فإن الشكر الذي يستحقه أصحاب هذا البيان ليس لأنهم انتصروا لليمن على حساب فلسطين، ولا لأنهم انتصروا لفلسطين على حساب اليمن؛ وإنما لأنهم رفضوا هذه الثنائية من أصلها، وانتصروا للعدل الذي يحتاجه اليمن، وللعدل الذي تحتاجه فلسطين، وللأمة التي لا يمكن أن تستعيد وحدتها ما دامت تجزئ دماء أبنائها ومظالمهم بحسب الخرائط والرايات والمصالح.

فإذا أردنا لفلسطين أن تبقى قضية الأمة، فعلينا أن نُبقي الأمة حاضرة في فلسطين؛ وإذا أردنا من اليمني أن يحمل جرح غزة في قلبه، فعلينا أن نحمل جرح اليمن في قلوبنا، فالعدل لا يُزاحم فلسطين؛ العدل هو الذي يجعل فلسطين جديرة بأن تسكن قلوب الأحرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى