
حفظ العقل والوعي من التضليل والتلاعب
د. وصفي عاشور أبو زيد
ليس أخطر ما يواجه العقل في الفضاء الرقمي أن يُحجب عنه الحق، بل أن يُقدَّم له الباطل في صورة الحقيقة، وأن يظن الإنسان أنه يُكوِّن قناعاته بحرية، بينما تُرتَّب أمامه المعلومات، وتُستثار عواطفه، ويُكرَّر عليه ما يُراد له أن يصدقه، حتى يألفه ويطمئن إليه!
إن حفظ العقل من المقاصد الضرورية للشريعة، ولا يقتصر على صيانته مما يُغيِّب الإدراك، بل يشمل رعاية قدرته على الفهم والتمييز والاستدلال، وحمايته من التبعية العمياء والتلاعب بالوعي.
فالعقل لا يؤدي رسالته بمجرد امتلاك المعلومات، وإنما بحسن النظر فيها، ومعرفة مصادرها، والقدرة على مراجعة الأحكام المبنية عليها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
ونقل الطبري عن قتادة في تفسيرها: «لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم».
إنها أمانة المعرفة قبل أمانة التعبير؛ فلا يصح أن نبني يقينًا على خبر لم نتحقق منه، أو ننسب إلى العلم ما ليس منه.
وتزداد المسؤولية في عالم تُسهم خوارزمياته في اختيار ما نشاهده، وقد تحاصرنا فيه الآراء المتشابهة، وتُصنع الصور والأصوات المقنعة، وتُستغل المخاوف والانفعالات لتوجيه القناعات.
وليست كل معلومة خاطئة تضليلًا متعمدًا، ولا كل خوارزمية أداة للتلاعب؛ وإنما الخطر حين تُستعمل هذه الوسائل لحجب الحقائق أو صناعة الوهم.
ومن دقائق الحكمة قول ابن عطاء الله السكندري: “ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة”.
وما أحوجنا إلى خلوة واعية نسترد فيها صفاء النظر، بعيدًا عن ضجيج المحتوى المتدفق، دون انقطاع عن المعرفة أو الناس!
فلا تجعل موافقة الخبر لهواك دليلَ صحته، ولا كثرةَ تداوله برهانَ صدقه.
وسِّع مصادر معرفتك، وفتِّش عن الدليل، وامنح عقلك وقتًا للتأمل قبل التصديق والحكم.
إن أخطر ما يُسلب منك رقميًّا ليس معلوماتك، بل استقلال عقلك؛ فاحذر أن يفكر غيرك نيابةً عنك، ثم يترك لك وهم أنك صاحب القرار.




