تقارير وإضاءات

ألمانيا وماضيها الاستعماري في إفريقيا

ألمانيا وماضيها الاستعماري في إفريقيا: جرائم منسية

باول شتارتسمان (1)

ترجمة: د. زهير سوكاح (2)

تقديم:

يُلقي هذا المقال النقدي الضوء على الظاهرة الاستعمارية الألمانية، ليس بوصفها مرحلة تاريخية انقضت، بل بالأساس من كونها تجسيدًا مرحليًا عن نمط تفكير جمعي، لا يزال حاضرًا في جوانب عدة ضمن الوضعية المجتمعية الراهنة في ألمانيا والمتمثلة بالأساس في العداء للآخر. وهذا ما يعكس أهمية هذا المقال، الذي يتموضع على النقيض من الرأي السائد في ألمانيا وخارجها عن “لا استعمارية” التاريخ الألماني، وهي فكرة نمطية كرست لها كتابات كثيرة من أبرزها كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد، الذي اعتبر فيه الوجود الألماني في “الشرق” وجودًا علميًا في مقابل الوجود الفرنسي-الإنجليزي الاستعماري الطابع.

نص المقال (3):

خلّفت الحملات العسكرية للقوات الألمانية الاستعمارية في شرق إفريقيا منذ قبل مئة سنة قُرى منهوبة وأراضي مدمّرة وأعدادًا لا تُحصى من القتلى. غير أنّ هذه الجرائم لا يتم تناولها اليوم على الصعيدين السياسي والمجتمعي إلاّ نادرًا، وأمّا المعالجة السياسية لهذه الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان فلم تُجرى إلى اليوم. بل على العكس من ذلك: إلى يومنا هذا لا تزال توجد نصب تذكارية وأسماء شوارع تكرم الجُناة، بينما تم نسيان الضحايا، فلماذا يصعب تحمل المسؤولية؟

العلاقات الراهنة بين ألمانيا وتنزانيا جيدة، والعديد من السياح الألمان يُثمنون في هذا البلد المطل على المحيط الهندي، شواطئه ومنتزهاته، كما أنّ هذا البلد الإفريقي هو شريك للجمهورية الاتحادية في مجال التعاون الاقتصادي. لكن يبدو أن التاريخ المشترك بينهما منسيٌ تقريبًا: فعندما زار الرئيس الألماني يواخيم غاوك تنزانيا في فبراير 2015 أعلن للصحافة أنه تمّ في الأحاديث الثنائية “إغلاق الصفحات القاتمة” بين البلدين، غير أنه أضاف في جملة مقتضبة بأنه على وَعي بالتاريخ العصيب. ومن بين الأحداث الأكثر قتامة نجد حرب “الماجي ماجي” (1905-1907) التي انتهجت فيها القوات الألمانية الاستعمارية على أرض دولة تنزانيا الحالية، سياسة الأرض المحروقة، ودفعت عن عمد بالآلاف من البشر إلى الموت جوعًا. ولا يمكن تصور أن يسافر مسؤول ألماني رفيع المستوى إلى الدول الأوروبية دونما أن يشير بشكل أوضح إلى أحداث صادمة مماثلة.

تظل إفريقيا دائما في نظر العديد من الناس كأرض مجهولة، وقلما تجد لها مكانًا في أجندة ألمانيا السياسية إلا من زاوية نظر اقتصادية وأمنية على الأكثر. وسياسيًا تُعتبر الدول الإفريقية عديمة الأهمية، كما أنه لا يتم أخدها بمحمل الجدية ويُنظر إليها كدول أزمات أزلية. يُضاف إلى هذا، وجود سياسة غربية تشد خناق اقتصاد دول الجنوب عبر قوانين تجارية. فنحن لا زلنا بعيدين كل البعد عن العلاقة المتكافئة المنشودة بين ألمانيا والدول الإفريقية.

صورتنا عن هذه القارة لا تزال تتشكّل من العديد من الأحكام المُسبقة عن هذه “البقعة السوداء من الأرض”، التي كلها بؤس وفوضى وحروب، وأيضًا من كليشيهات عن طبيعة عذراء وحيوانات برية وأناس بسطاء، أما الحقبة الاستعمارية فيتم الرفع من شأنها، حيث يُنظر إلى الاستعمار كما لو كانت له أيضًا جوانب إيجابية، فمُبشرون وباحثون وموظفون استعماريون قد تصرفوا لدوافع نبيلة، أيضًا أُعتبرت مدة الاستعمار الألماني قصيرة بشكل واضح، إضافة إلى هذا كانت القوى الاستعمارية الأوروبية الأخرى ستمارس نفس الجرائم، كما أن ألمانيا قد قامت بما فيه الكفاية في معالجتها للحقبة النازية. وتأرجحت طبيعة التعاطي مع هذه القضية غالبًا بين الأحكام المسبقة وعدم الاكتراث، وأحيانًا وصلت جزئيًا إلى حد المراجعة التاريخية.

أما اليوم وبالأخص في الدوائر اليمينية المحافظة فيحتشد رومنسيو الاستعمار، الذين يحيون ذكرى “مكاننا تحت الشمس”، وفي منتديات الإنترنت يلتقي المتحمسون للماضي العسكري للبحث عن نياشين ورايات قديمة لما تُسمى بـ “قوات الحماية”.

وفي هذا المشهد تلعب “جمعية مساعدة إفريقيا الجنوبية”(Hilfskomitee Südliches Afrika) دورا هامًا، فما يظهر وكأنه جمعية إنسانية ليس في الحقيقة إلا تجمعًا من اليمينين القدماء والجدد، أسسها في الأصل مجموعة من الداعمين لنظام الفصل العنصري الأبارتايد، ومن بين أعضائها نجد لحد الساعة مسؤولين من الحزب القومي الألماني  (NPD)بل وكذلك نواب من حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي (CSU) في البوندستاغ . وفي بعض الدوائر اليمينية توجد كذلك كتابات مماثلة وحلقات دراسية حول الماضي الاستعماري الألماني، وحملات جمع تبرعات من أجل دعم “الوجود الألماني” في إفريقيا. وربما تتم هنا المراجعة التاريخية بكل ببساطة ودون ازعاج، لأن الساسة والمجتمع المدني لا يكادون يهتمون بهذا الأمر. وبهذه الكيفية يسعى رومنسيو الاستعمار للوصول إلى أعظم قيمة لأنفسهم، وتظهر مواقفهم جزئيًا في سياسة المجالس البلدية، فمنذ عدة سنوات يحاول ناشطون من جماعة (Black Community) تغير إسم شارع في برلين، الذي يسمى حاليًا بشكل رسمي (Mohrenstraße) “شارع مورن” (4)، وستكون بمثابة إشارة ذات مغزى إذا لم يعد هنالك مكان بعد للتسميات العنصرية في الفضاء العام للعاصمة. غير أن مقاومة تغيير التسمية جاءت من قبل سكان محافظين يدّعون أن هذه التسمية ليست بعنصرية، وأيضًا باقي تسميات الشوارع، التي تُمجّد مجرمي استعمار سابقين تريد القاطنة البيضاء الغاضبة الإبقاء عليها. أما مشاعر ذوي الضحايا فهي بالنسبة لهم غير ذات أهمية، وقد خطّ هذا الموقف فرع حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي في الدائرة الانتخابية الوسطى للمدينة في راياته الدعائية: “ضد تغيير أسماء الشوارع في الحي الإفريقي”، هكذا ورد في شعارات الحملة الانتخابية للحزب في المدينة سنة 2011.

إلاّ أنّ الجدال الدائر حول التسميات الاستعمارية للشوراع، والذي أثارته مبادرات مدنية، قد أظهر تأثيره في مناطق داخل ألمانيا، حيث بدأ مواطنون وسياسيون بالاهتمام النقدي بالماضي الاستعماري، وكانت البداية على مستوى السياسة الخارجية في أغسطس سنة 2004 مع وزيرة التنمية الألمانية السابقة هايدماري فِتسورِيك-تسويل في ناميبيا؛ ففي كلمة لها طلبت العفو عن الجُرم الذي اقترفه الألمان قبل حوالي مئة سنة في مستعمرة “جنوب غرب إفريقيا” في حق “الهيريرو”، إلاّ أن الحكومة الاتحادية المكونة آنداك من تحالف الحزب الاشتراكي الديموقراطي والخُضر سرعان ما أعلنت أن هذه التصريحات لا تعبر إلا عن الرأي الشخصي للوزيرة، رافضة في نفس الوقت تقديم إعتذار رسمي.

إلى حد اليوم لا تزال المتاحف الألمانية تحتفظ بجماجم وعظام العديد من الأفارقة الذين قتلوا في المستعمرات. وإبان الحرب على الهيريرو (1904-1905) أجبر ضُباط ألمان نساء القتلى على نزع اللحم عن الجماجم بشظايا الزجاج، كي يتم إرسالها عبر البحر إلى ألمانيا من أجل أن يتمكن هناك ما يعرف بـ “باحثي العِرق” من دراستها. واليوم يُطالب أقارب الضحايا باسترجاعها، غير أن ممثليهم يتم صدهم جزئيًا عن ألمانيا، وأما البعثات الناميبية فتم تجاهلها من طرف الحكومة الاتحادية السابقة المكونة من تحالف الاتحاد المسيحي، والحزب الديمقراطي الحر.

منذ ذلك الحين تقدمت السياسة خطوة إلى الأمام نحو الاعتراف بالجرم الألماني، فوزارة الخارجية الألمانية لم تعد تتحاشى الاشارة إلى المجازر التي ارتكبتها قوات الاستعمار الألمانية في حربها ضد الهيريرو بتسميتها كما كانت فعلًا، أي إبادة جماعية. وقبل ذلك، وفي سنة 2012 تقدم فرانك فالتر شتاينماير، بصفته رئيس كتلة الحزب الاشتراكي في البرلمان الاتحادي بطلب من طرف المعارضة بتسمية صريحة للإبادة الجماعية بشكل رسمي، أيضًا أظهر اليساريون والخُضر مساندتهم للضحايا حيث قدموا طلبات مُماثلة لدى البرلمان. ونظريًا توجد في البرلمان أغلبية مكونة من حزب اليسار والحزب الاشتراكي الديموقراطي والخضر، تقف مع المعالجة السياسية للحقبة الاستعمارية، لكن عمليا تبقى القضية ألعوبة في يد المعارضة.

بفضل جهود النشطاء الناميبين بالأساس وداعميهم المحلين يتم في البلد بين الفينة والأخرى، على المستويين السياسي والإعلامي، التعاطي مع التاريخ الاستعماري في “جنوب غرب أفريقيا” (5). وعكس هذا فالعلاقات بين ألمانيا وتنزانيا تتسم بالهدوء نسبيًا على كلا الجانبين، وتراهن وزارة الخارجية على النبرة الهادئة في المعالجة التاريخية؛ فالسفير الألماني في تنزانيا يزور مراسم إحياء ذكرى ضحايا الاستعمار. أما وزارة الشؤون الخارجية فتدعم المشاريع البحثية حول هذه القضية، غير أن هذا لا يشكّل حافزًا نحو معالجة سياسية فعالة للحقبة الاستعمارية بدورها تُبدي الحكومة التنزانية اهتمامًا ضعيفًا بالتطرق إلى قضية التاريخ الاستعماري في المحادثات الثنائية، ويبدو أنه يتم تفادي المخاطرة بإلحاق الضرر بالتعاون الاقتصادي المشترك؛ فالبلد خاضع على أية حال لتبعية اقتصادية للجمهورية الاتحادية.

ولا يظهر هنا ذوي الضحايا ومطالبهم، مثل التعويض المباشر عن الضرر وإعادة الرفات البشري، بينما يتم طبعًا الاستشهاد بالثناء الذي تُظهره بعض القبائل التنزانية لمشاريع استعمارية مثل بناء المدارس، والسكك الحديدية. ومن البديهي أن بناء طريق سيّار لا يصلح أن يكون جوابًا على الجرائم النازية، غير أنه في النقاش الدائر حول التاريخ الاستعماري في إفريقيا تتم دائمًا الإشارة إلى مشاريع البنية التحتية الاستعمارية للتقليل من جسامة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الألمان.

ومن أجل إيجاد معالجة لائقة للتاريخ الاستعماري الألماني، يتعين بذل مجهودات في قطاعات متعددة على الصعيدين السياسي الداخلي والخارجي. أما على الصعيد الدبلوماسي فنتمنى أن تتحرك ألمانيا نحو المُصالحة بشكل فعّال، وأن تُبادر من تلقاء نفسها إلى التطرق إلى الجرائم الاستعمارية، فهذا أيضًا جزء لا يتجزأ من علاقة صداقة يظهر فيها كلا الطرفين بشكل متكافئ، ويطالب العديد من ذوي الضحايا بالدرجة الأولى باعتراف كاملًا بالجرم وباعتذار رسمي، وهنا لا يتعلق الأمر بالمال، بل بالإصغاء إلى المجموعات المتضررة ومراعاة رغبتهم في إعادة اصلاح الأمور،  وفي حالة المستعمرات السابقة خصوصًا وأيضًا فيما يتعلق بإفريقيا عمومًا يتعين حقيقة أن يكون الهدف هو حوار متكافئ يتجاوز إطار السياسة الاقتصادية والأمنية، ويكون مخالفًا للصورة التعميمية التي تكوّنت لدينا عن هذه القارة الجارة لنا.

على الصعيد السياسي الداخلي يتعين بذل المزيد، إذا أردنا الوصول إلى تعاط ذي مصداقية للماضي الاستعماري الألماني؛ فبعض الجمعيات المحلية التابعة للحزب الاشتراكي الديموقراطي تدعم سلفًا تغيير التسميات الاستعمارية للشوارع، كما تطالب منظمات المجتمع المدني مثل “برلين ما بعد استعمارية”

 (Berlin Postcolonial)و”مبادرة السود في ألمانيا” (Initiative Schwarze Menschen in (Deutschland بإقامة نصب تذكاري مركزي لضحايا الاستعمار، وذلك من أجل إيجاد وعي لدى المجتمع عن الإرث الألماني الجسيم في القارة الإفريقية، ويندرج  ضمن هذا أيضًا، إعطاء مساحة إضافية للحقبة الاستعمارية في الحصص المدرسية وشطب الصور النمطية الراهنة ذات الحمولة الاستعمارية والعنصرية من المصادر التعليمية أيضًا المتاحف الألمانية من جانبها مُطالبة بتوضيح مصدر العينات المعروضة لديها، وإرجاع القطع الثقافية المنهوبة من المستعمرات السابقة والرفات البشرية.

اقتراح النشطاء في هذا الصدد هو تحمل المسؤولية، ويمكن أن تُجسده مؤسسة على مستوى الاتحاد يكون هدفها المعالجة المجتمعية والسياسية للاستعمار، وسيكون هذا دفعة واضحة نحو التعايش في مجتمع الهجرة، ذلك أن العنصرية الراهنة تستمد جذورها من تصورات وكليشيهات الفترة الاستعمارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • 1- باحث ألماني في الدراسات الافريقية.
  • 2- باحث مغربي متخصص في الدراسات الألمانية.
  • 3- العنوان الأصلي للمقال:

Verdrängte Verbrechen.

Deutschland und seine Kolonialvergangenheit in Afrika

ونشر في المجلة الألمانية Neue Gesellschaft Frankfurter Hefte عدد مزدوج 1/2 سنة 2016.

  • 4- تعني مفردة “مور” (Mohr) بالألمانية كل شخص لون بشرته غير أبيض، وهي بالتالي مفردة عنصرية. (المترجم)
  • 5-الاسم القديم لدولة ناميبيا عندما كانت واقعة تحت سيطرة الاستعمار الألماني. (المترجم)

(المصدر: مركز نماء للبحوث والدراسات)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى