علماء من عصرنا

الشيخ سلمان الحسيني الندوي: مسيرة عالم جمع بين التعليم والدعوة والعمل المؤسسي

الشيخ سلمان الحسيني الندوي
مسيرة عالم جمع بين التعليم والدعوة والعمل المؤسسي

يُعدّ الشيخ سلمان الحسيني الندوي بن طاهر الحسيني الندوي، رحمه الله، من أبرز علماء شبه القارة الهندية في العصر الحديث، ومن الشخصيات العلمية والدعوية التي جمعت بين تدريس الحديث الشريف، والعمل المؤسسي، والاهتمام بقضايا التعليم الإسلامي، وحضور العلماء في الشأن العام.

برز اسمه داخل البيئة الندوية في لكناؤ، ثم امتد حضوره إلى دوائر أوسع في الهند والعالم الإسلامي، من خلال التدريس، والتأليف، وبناء المؤسسات التعليمية والدعوية، والمشاركة في المنابر العلمية والفكرية. وقد نعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه من كبار علماء الهند، وعضوًا في مجلس أمنائه، ورئيسًا لجامعة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد في لكناؤ.

النشأة والتكوين العلمي

وُلد الشيخ سلمان الحسيني الندوي عام 1954م في مدينة لكناؤ بالهند، ونشأ في بيئة علمية ودعوية وثيقة الصلة بندوة العلماء، وهي إحدى أهم المؤسسات الإسلامية التعليمية في الهند. تلقى تعليمه الأولي في إحدى المدارس التابعة للندوة، ثم أتم حفظ القرآن الكريم، والتحق بالمعهد الشرعي، قبل أن ينتقل إلى كلية الشريعة وأصول الدين في دار العلوم لندوة العلماء، حيث تخرج عام 1974م.

بعد ذلك واصل دراسته في قسم الحديث الشريف وعلومه، فنال الماجستير من ندوة العلماء عام 1976م، ثم التحق بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وتخصص في الحديث وعلومه، وحصل على درجة الماجستير بدرجة ممتازة عام 1980م.

ويُفهم تكوينه العلمي في ضوء المدرسة الندوية التي سعت منذ تأسيسها إلى الجمع بين الأصالة الشرعية والانفتاح التعليمي، مع عناية خاصة باللغة العربية وعلوم الشريعة. وقد تأثر الشيخ سلمان الندوي بالعلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي، كما ارتبط علميًا بالشيخ عبد الفتاح أبي غدة، إذ أُنجزت رسالته الجامعية في علم الجرح والتعديل تحت إشرافه.

المسار الأكاديمي والتربوي

بعد عودته إلى الهند، عمل الشيخ سلمان الندوي محاضرًا في قسم الحديث النبوي الشريف بدار العلوم التابعة لندوة العلماء، ثم أستاذًا فيه، ثم وكيلاً لكليتي الشريعة وأصول الدين. وخلال عقود من التدريس والتوجيه، خرّج أجيالًا من طلاب العلم، وأسهم في ترسيخ العناية بالسنة النبوية وعلوم الحديث في الدرس الشرعي المعاصر.

ولم يكن حضوره محصورًا في قاعة الدرس، بل امتد إلى العمل المؤسسي والإداري. فقد ارتبط اسمه بجمعية شباب الإسلام التي تأسست عام 1974م، وكان من أهدافها تقريب الفجوة بين خريجي المدارس الدينية وخريجي الجامعات، وتشجيع الشباب المسلم على المشاركة في العمل الاجتماعي والتعليمي والخيري.

كما أسهم عام 1975م في تأسيس مدرسة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد الإسلامية، التي تطورت لاحقًا إلى جامعة، وكان له دور في إنشاء مدارس دينية وعصرية، ومعاهد متخصصة في تعليم التكنولوجيا الحديثة لأبناء المسلمين، إلى جانب جهود خيرية في إقامة مرافق صحية وخدمية للفقراء والمحتاجين.

باني المؤسسات لا مجرد أستاذ تقليدي

تميّز الشيخ سلمان الحسيني الندوي بإيمانه بأن العلم لا يكتمل أثره إلا حين يتحول إلى مؤسسات. لذلك جمع بين التدريس والتأليف من جهة، وبين إنشاء المدارس والجامعات والمراكز الدعوية والخيرية من جهة أخرى.

ومن أبرز ملامح مشروعه المؤسسي عنايته بالشباب، وربطهم بقضايا الأمة، وتشجيعهم على الجمع بين العلم الشرعي والوعي الاجتماعي، وبين التكوين الديني والانفتاح على العلوم الحديثة. وقد عُرف بحضور قوي في قضايا المسلمين في الهند والعالم الإسلامي، واهتمام واضح بوحدة الأمة، وإحياء دور العلماء، والنهوض العلمي والحضاري للمسلمين.

الرؤية الفكرية والإصلاحية

ارتبط مشروع الشيخ سلمان الحسيني الندوي بفكرة مركزية مفادها أن التعليم الإسلامي ينبغي أن يبقى حيًا وفاعلًا، لا منغلقًا على ذاته. ومن هنا جاءت عنايته بإصلاح المناهج، وتطوير المؤسسات، وتوجيه الشباب، وربط التعليم الديني بحاجات المجتمع.

وقد عُرف باهتمامه بالتواصل بين العلماء والجمهور، وبين المؤسسات الدينية والفضاء المدني الأوسع. كما كان من دعاة النهوض العلمي والحضاري للأمة، وإعادة الاعتبار لدور العلماء في التربية والتوجيه، لا بوصفهم خطباء ووعاظًا فحسب، بل بوصفهم بناة وعي ومؤسسات.

وتكشف سيرته أن اهتمامه بالتعليم لم يكن نظريًا؛ فقد أنشأ مؤسسات، وشارك في إدارة أخرى، ودعم مسارات تعليمية تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم العصرية، مؤمنًا بأن خدمة الدين تشمل التعليم والدعوة والعمل الاجتماعي معًا.

الإنتاج العلمي والمؤلفات

ترك الشيخ سلمان الندوي آثارًا علمية نافعة باللغتين العربية والأردية، على الرغم من كثرة انشغاله بالتدريس والإدارة والعمل المؤسسي. وقد تنوع إنتاجه بين علوم الحديث، والفقه، والتفسير، والفكر الإسلامي، وقضايا التعليم. كما عُرف بعنايته بتراث العلماء والمصلحين في الهند، وبخاصة تراث العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي، فنقل إلى العربية عددًا من مؤلفاته وأسهم في تقريبها إلى القارئ العربي.

ومن أبرز آثاره ومؤلفاته ورسائله:

  • جمع ألفاظ الجرح والتعديل ودراستها من كتاب تهذيب التهذيب.
  • الأمانة في ضوء القرآن.
  • الإمام الدهلوي وآراؤه في التشريع الإسلامي.
  • التعريف الوجيز بكتب الحديث.
  • لمحة عن علم الجرح والتعديل.
  • مقدمة في أصول الحديث تحقيقًا وتعليقًا.
  • الفوز الكبير في أصول التفسير.
  • الفرائض السراجية.
  • العقد اللجيني.
  • الحوار في قضايا من الحديث النبوي الشريف.
  • الاجتهاد والتقليد.
  • المسوّى من أحاديث الموطأ.
  • المنهج التعليمي القرآني.
  • المصفّى شرح الموطأ.
  • بين أهل الرأي وأهل الحديث.
  • المدخل إلى دراسة جامع الترمذي.
  • دروس من الحديث النبوي الشريف.
  • مشايخ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
  • مذكراتي.
  • مشعال المصابيح شرح مشكاة المصابيح.

وتدل هذه العناوين على طبيعة مشروعه العلمي؛ فقد جمع بين التخصص الحديثي الدقيق، والعناية بالفقه وأصوله، وخدمة التراث، والتفكير في قضايا التعليم الإسلامي ومناهجه.

الوفاة والإرث

توفي الشيخ سلمان الحسيني الندوي في لكناؤ يوم الاثنين 29 يونيو 2026م، بعد مسيرة امتدت لعقود في التعليم والدعوة والتأليف وبناء المؤسسات. وقد ذكرت تغطيات هندية أنه توفي بعد مرض قصير، فيما نعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في اليوم نفسه، مشيدًا بخدمته للحديث النبوي، والتعليم الشرعي، وبناء المؤسسات العلمية والدعوية.

لقد كان الشيخ سلمان الندوي، رحمه الله، عالمًا ومحدثًا ومربيًا ومفكرًا إسلاميًا، جمع بين العلم والعمل، وبين التدريس والتأليف، وبين الدعوة وبناء المؤسسات. وسيبقى أثره حاضرًا في تلامذته، ومؤلفاته، والمؤسسات التي أسهم في بنائها، وفي الجدل الفكري الذي أحاط بسيرته بوصفه واحدًا من أبرز علماء الهند في العصر الحديث.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وطلابه، وعن السنة النبوية وخدمة المسلمين، خير الجزاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى