بيانات

بيان منتدى العلماء بشأن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

بيان صادر عن منتدى العلماء بشأن “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين”

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد؛

إنّ إقرار ما يُسمّى “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” يُعدّ جريمةً مركّبة الأركان، تجمع بين البغي السياسي، والانتهاك القانوني، والعدوان على الأمة الإسلامية، وهو تحوّل خطير في سياسات الاحتلال من مجرّد القهر والاعتقال مع التعذيب إلى تقنين القتل والإبادة تحت غطاءٍ تشريعيٍّ زائف، لا يمتّ إلى عدلٍ ولا إلى قانونٍ بصلة.

إنّ هذا التشريع الباطل يُصادم صراحةً أصلًا عظيمًا، وهو حرمة النفس الإنسانية، التي عظّمها الله تعالى وجعل الاعتداء عليها من أعظم الجرائم، كما أنّه يُناقض ما استقرّت عليه الشرائع السماوية والبشرية من صيانة الأسير، وحفظ حياته، ورعاية حقوقه، والسعي في فكاكه، لا التشفّي منه ولا التنكيل به.

وإنّنا نؤكد أنّ هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق العام لسياسات الاحتلال القائمة على القتل الممنهج، والتنكيل بالأسرى، بما يجعل الحديث عن “محاكمات” أو “إجراءات قانونية” مجرّد غطاءٍ شكليٍّ لشرعنة الجريمة، لا أكثر. وعليه، فإنّ أيّ تطبيقٍ لهذا القانون يُعدّ جريمة قتلٍ عمدٍ مكتملة الأركان، تُضاف إلى سجلّ الانتهاكات الجسيمة بحقّ الشعب الفلسطيني.

ويُحمّل منتدى العلماء المجتمع الدولي، بهيئاته ومنظماته، المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة تجاه هذا الانحدار الخطير، ويؤكد أنّ الصمت أو الاكتفاء ببيانات الإدانة الشكلية يُعدّ تواطؤًا غير مباشر، وإسهامًا في تمكين الظلم واستمراره. كما نُذكّر بأنّ حماية الأسرى ليست خيارًا سياسيًا، بل التزامٌ قانونيٌّ وأخلاقيٌّ تُقرّه كافة المواثيق الدولية، وفي مقدّمتها اتفاقيات جنيف.

وفي هذا السياق، فإنّنا ندعو العلماء والدعاة والمفكرين في العالم الإسلامي إلى الاضطلاع بدورهم التاريخي في إحياء قضيّة الأسرى إحياءً علميًّا راسخًا، يربطها بأصولها الشرعية ومقاصدها الكبرى، ويُعيدها إلى موقعها الصحيح في وعي الأمّة بوصفها قضيّةً عقديّةً وأخلاقيّةً، لا مجرّد ملفٍّ إنسانيٍّ عابر. كما نؤكد على ضرورة بناء خطابٍ منضبط، يُبيّن الأحكام الشرعية المتعلّقة بالأسرى، ويُحرّك في الأمّة واجب النصرة ضمن أطره المشروعة، ويُرسّخ معاني الأخوّة والتكافل والمسؤولية الجماعية.

كما ندعو إلى تفعيل كافة الوسائل المشروعة لنصرة الأسرى والدفاع عن حقوقهم، وبذل الجهود المنظّمة التي تُسهم في فضح هذه السياسات، والضغط من أجل وقفها.

ونؤكد في الوقت ذاته أنّ هذه السياسات القمعية، مهما بلغت شدّتها، لن تُفضي إلا إلى مزيدٍ من ترسيخ صمود الشعب الفلسطيني، وتعميق تمسّكه بحقوقه، إذ إنّ سنن التاريخ تشهد أنّ الظلم إذا اشتدّ كان إيذانًا بقرب زواله، وأنّ الشعوب التي تُبتلى تُصقل إرادتها، وتزداد ثباتًا وتمسّكًا بقضاياها.

كما نوجّه نداءً إلى شعوب الأمّة الإسلامية، بل إلى كلّ أحرار العالم، بضرورة التحرّك الواعي والمسؤول، واتخاذ مواقف عمليّة تُعبّر عن رفض هذا الانتهاك الجسيم، وتُسهم في كفّ العدوان، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقّه في الحياة، بعيدًا عن الازدواجية والمعايير الانتقائية التي أفقدت القانون الدولي هيبته ومصداقيته.

وختامًا، فإننا نؤكد على أنّ واجب الوقت يقتضي وحدة الصف، وتكامل الجهود، واستنهاض طاقات الأمّة في إطارٍ منضبطٍ يوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع، ويجعل من نصرة المظلومين واجبًا عمليًا لا شعارًا عاطفيًا.

نسأل الله تعالى أن يفكّ أسر الأسرى، وأن يحفظهم بعنايته، وأن يرفع عنهم الظلم، وأن يهيّئ للأمّة أمر رشدٍ تُعزّ فيه الحقوق، وتُصان فيه الكرامات، ويُدفع فيه العدوان، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى