
تحولات مجاز الحرب بين الماضي والحاضر
د. سعيد بن ناصر الغامدي
وصفَ العربُ الحربَ بالرحى التي تطحن ما بين حجريها، كما قال زهير بن أبي سلمى:
فتعرككم عركَ الرحى بثفالها
وتلقحْ كِشافًا ثم تنتج فتُتئمِ
فالحرب عند زهير تعرك كالرَّحى، وتبدأ شرورها، فتتلاقح سريعًا ثم تلد، ثم يتضاعف نتاجها.
غير أنّ مجاز الرحى — على دقته — ابنُ زمنه؛ حربُ الأمسِ كانت تطحنُ على مهلٍ بين حجرين، أمّا حربُ اليوم فمصنعٌ كامل الخطوط؛ تدخل الشعوبُ حبًّا، فتخرجُ خرائطُ مُعادَةَ التشكيل.
تمرّ عبر مطاحنِ النار، وعجّاناتِ الإعلام، وأفرانِ السياسة، ثم تُفرَزُ كما تُفرَزُ الأرغفة: هذا “صالحٌ للاستهلاك” وذاك “محروقٌ بلا أسف“.
وفي النسخة الحديثة من المجاز: لا تكتفي الحربُ بأن تعرك، بل تُعيدُ هندسةَ الأرض: تهدمُ دولًا، وتخلعُ زعامات، وتُفقِرُ شعوبًا، وتبذرُ الأوبئةَ والفوضى، وتقتلعُ أُممًا من جذورها، لتغرسَ مكانها أخرى.
فإذا كانت رحى زهير تُخرِج طحينًا، فإن رحى العصر تُخرِجُ عالَمًا جديدًا… لكنّه — في الغالب — أقلُّ رحمة وأكثر توحشاً وأوفر ظلماً وأضخم بغياً وأكثر نهماً! والضحية هي الإنسانية التائهة عن ربها والناسية لإنسانيتها..فياحسرة على العباد !!




