كتب وبحوث

مسقطات العقوبة التعزيرية في الفقه الإسلامي (الجزء الثاني)

اسم البحث: مسقطات العقوبة التعزيرية في الفقه الإسلامي.

إعداد: د. فيصل بن عبدالعزيز اليوسف.

———————

المطلب الثاني: أثر التوبة على العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي.

العقوبة التعزيرية لا تخلو من حالين:

فإما أن تكون حقاً لله – عز وجل -، وإما أن تكون حقاً للآدميين، وسنتكلم عن أثر التوبة على العقوبة التعزيرية وفقاً لهذا التقسيم.

أولاً: أن تكون العقوبة التعزيرية حقاً لله – عز وجل – كتعزير مفطر رمضان بلا عذر، وتارك الصلاة، ومن يحضر موائد الخمر والفسق، وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التعزير هنا يسقط بالتوبة [1].

قال القرافي عند كلامه عن الفرق الخامس بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير: أنَّ التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافاً [2].

وقال الخرشي: … ثم إن ما تمخض الحق فيه لله إذا جاء تائباً فإنه يسقط عنه التعزير…[3].

وجاء في حاشية ابن عابدين: قوله: التعزير لا يسقط بالتوبة لما مر أن الذمي إذا لزمه التعزير فأسلم لم يسقط عنه، لكن هذا مقيد بما إذا كان حقاً للعبد. أما ما وجب حقاً لله تعالى فإنه يسقط [4].

وذهب بعض الحنفية إلى أن التعزير لا يسقط بالتوبة، قال ابن نجيم: التعزير لا يسقط بالتوبة كالحد… [5].

وبهذا أخذ الحنابلة في أحد الوجهين عندهم، فقد نصوا على أن في تعزير شاهد الزور بعد توبته وجهين[6].

وذهب الحنابلة إلى أن التعزير الواجب لحق الله تعالى إذا تاب صاحبه فإن الأمر متروك لولي الأمر في ذلك.

قال ابن قدامة: … فإن جاء تائباً معترفاً يظهر منه الندم والإقلاع جاز ترك تعزيره؛ للخبر، وإن لم يكن كذلك، وجب تعزيره؛ لأنه أدب مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد[7].

ولم أرَ للشافعية فيما اطلعت عليه – كلامً عن أثر التوبة في إسقاط التعزير الواجب لحق الله تعالى، لكنهم ذكروا في أثر التوبة في إسقاط الحدود وجهين، ولعل تفصيلهم في الحدود ينطبق على التعازير[8].

الترجيح:

الراجح – والله أعلم – قبول توبة مستحق التعزير إذا كان لحق الله تعالى وسقوط عقوبته إذا صحت منه التوبة، وظهر منه الندم والعزم على عدم العودة، ويدل على ذلك إما مجيئه قبل القدرة عليه، وهذا أصدق دليل على صحة التوبة، أو ظهور علامات الصلاح عليه مدة تكفي للوثوق بتوبته.

وقد دل لهذا القول أدلة منها:

1- قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: 39).

2- قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى: 25).

وجه الاستدلال من الآيتين: أن الله تعالى امتن على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، وأنه تعالى من كرمه وحلمه يعفو ويصفح ويستر ويغفر[9].

3 – قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (آل عمران: 135-136).

وجه الاستدلال: أن الله تعالى بيَّن أن الإنسان إذا ظلم نفسه وصدر منه أعمال سيئة وندم وخاف من عقاب الله وذكر ربه وما توعد به العاصي ووعد به المتقي بادر بالتوبة والاستغفار مع إقلاعه عن الذنب وندمه عليه، فيجازيه الله – عز وجل – بالمغفرة لذنوبه[10]. وإذا زال عنه الذنب زال عنه العقاب[11].

4 – وقد أفرد الإمام البخاري – رحمه الله – في كتاب الحدود باباً خاصاً أسماه «باب من أصاب ذنباً دون الحد فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتياً»[12].

ثانياً: أن تكون العقوبة التعزيرية حقاً للعبد، كالشتم في حقه، أو السب والضرب بغير حق، ولا خلاف بين الفقهاء أن ما كان التعزير لحق العبد فلا أثر للتوبة فيه شأنه شأن القصاص وسائر حقوق الآدميين، فلا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو المعتدى عليه، فالحقوق الشخصية لا تسقط إلا إذا أسقطها أصحابها.

جاء في حاشية الدسوقي: قوله: إلا أن يجيء تائباً أشار بهذا إلى أن التعزير المتمحض لحق الله يسقط عن مستحقه إذا جاء تائباً بخلاف التعزير لحق الآدمي فإنه لا يسقط بذلك [13].

وقال ابن عابدين: قوله: التعزير لا يسقط بالتوبة لما مرَّ أن الذمي إذا لزمه التعزير فأسلم لم يسقط عنه لكن هذا مقيد بما إذا كان حق العبد… [14].

المطلب الثالث: أثر التوبة في العقوبة التعزيرية في النظام السعودي

انفرد النظام السعودي عن الأنظمة والقوانين الأخرى باعتبار التوبة أحد أسباب انقضاء الدعوى الجزائية العامة، إذ جاء في المادة الثانية والعشرين من نظام الإجراءات الجزائية: تنقضي الدعوى الجزائية العامة في إحدى الحالات الآتية:

1 – صدور حكم نهائي.

2 – عفو ولي الأمر فيما يدخله العفو.

3 – ما تكون التوبة فيه بضوابطها الشرعية مسقطة للعقوبة.

4 – وفاة المتهم.

ولا يمنع ذلك من الاستمرار في دعوى الحق الخاص [15].

ويلاحظ من خلال الفقرة 3 من المادة 22 أن نظام الإجراءات الجزائية، وكذا اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية[16] لم يقدما تفصيلات في موضوع التوبة، بل نص النظام على تقيد التوبة بالضوابط الشرعية وترك الأمر لاجتهاد القضاة حسب ما جاء في الفقه الإسلامي[17].

وهو أمر يتفق مع ما جاء في المادة الثامنة والأربعين من النظام الأساسي للحكم والتي نصت على: تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية، وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة [18].

ولم أقف فيما اطلعت عليه من الأنظمة على نص يدل على سقوط العقوبة بالتوبة، ولعله اكتفى بما ورد في نظام الإجراءات الجزائية واعتبره قاعدة عامة، إضافة لما سبق في المطلب الثاني من المبحث الثاني حيث ذكرنا في العفو أن الإمام إذا رأى بعد مجانبة هوى نفسه أنَّ المصلحة في العفو وإسقاط التعزير، أو علم انزجار الفاعل وندمه بدون العقوبة جاز له العفو عنها، فرتب العفو على التوبة.

المبحث الرابع: التقادم

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: تعريف التقادم لغةً واصطلاحاً:

التقادم لغة: قال الجوهري: قَدُمَ الشيء بالضم قِدَماً فهو قديم، وتقادم مثله…[19]، ويقال قَدُم الشيء قدماً أو قدامة: مضى على وجوده زمن طويل. فهو قديم، ويقال بأن القدم نقيض الحدوث. قَدُم يقدُم قِدَماً وقدامَة وهو قديم، وتقادم الشيء: قدم وطال أمره[20].

وأما في الاصطلاح فقد عُرِف التقادم بعدة تعريفات:

1- قيل هو: «مضي مدة معينة على وجوب أداء الحق، يمنع من سماع الدعوى أمام القاضي»[21].

2- وقيل هو: «مضي فترة معينة من الزمن على الحكم بالعقوبة دون أن تنفذ فيمتنع بمضي هذه الفترة تنفيذ العقوبة»[22].

3- وقيل هو: «تأخر إثبات الجريمة عند القاضي لفترة من الزمن، أو تأخر تنفيذ العقوبة بعد ثبوتها على المجرم فتسقط العقوبة بإحدى هذين السببين»[23].

ومن خلال ما سبق نلاحظ أنه لفظ التقادم يشمل معنيين هما:

1- تقادم الجريمة: وهو مضي مدة من الزمن على وقوع الجريمة قبل إثباتها من غير عذر للشهود.

2- تقادم العقوبة: وهو مضي مدة من الزمن على الحكم بالعقوبة دون تنفيذ، ومدة التقادم في هذا النوع هي: المدة الزمنية الواقعة بين زمن الحكم بالعقوبة بعد ثبوتها وبين وقت تنفيذها[24].

المطلب الثاني: أثر التقادم على العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي:

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الجرائم التعزيرية لا تسقط بالتقادم، سواء في ذلك أكانت تلك الجرائم من قبيل الجرائم التي تُعد اعتداء على حق الله سبحانه وتعالى أم كانت من قبيل الجرائم التي تُعد اعتداء على حق الأفراد، ومن ذلك ما ذكره شهاب الدين أحمد الشلبي أثناء تعداده صوراً من التعزير الخاص بحقوق العباد بأنه لا يسقط بالتقادم[25]، وما ذكره ابن عابدين عند تفرقته بين الحد والتعزير: … وأن الحدّ لا تجوز الشفاعة فيه، وأنه لا يجوز للإمام تركه، وأنه قد يسقط بالتقادم بخلاف التعزير…[26]، ونقل الدكتور عبدالعزيز عامر عن الأستروشني الحنفي أن التعزير لا يسقط بالتقادم سواء منه ما يجب حقاً لله تعالى وما يجب حقاً للآدمي[27].

وقد علق الدكتور عبدالعزيز عامر على ذلك بقوله: ولكن هذا القول فضلاً عن أنه لا دليل عليه فإنه يخالف مسلك الشارع الإسلامي في العفو… فإن لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة وعن العقوبة في التعزير إذا رأى في ذلك مصلحة ما دام أن الأمر في نطاق التعزير الواجب لله تعالى. وهذا القول يقتضي جواز سقوط الجريمة، وسقوط العقوبة بالتقادم في التعزير إذا دعت لذلك مصلحة دون مساس بالحقوق الشخصية للأفراد[28].

ولم أقف فيما اطلعت عليه من المصادر الفقهية للمذاهب الأخرى من جعل التقادم سبباً أو مسقطاً من مسقطات التعزير، ولعل ذلك جاء موافقاً لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي من عدم التقادم في الحدود الشرعية، وأنه لا أثر له عندهم على استيفائها، فالحد الشرعي إذا وجب من غير شبهة لم يسقط بمضي مدة من الزمن[29]، والصحيح أن تطبيق القواعد العامة على العقوبات التعزيرية يقتضي القول بجواز سقوط العقوبة التعزيرية بالتقادم إذا رأى ولي الأمر ذلك تحقيقاً لمصلحة عامة؛ لأن لولي الأمر حق العفو عن الجريمة وحق العفو عن العقوبة في جرائم التعزير التي تجب حقاً لله تعالى متى دعيت المصلحة لذلك دون المساس بالحقوق الضخصية للعباد[30]، فمن باب أولى أن يكون له الحق في تقرير انقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم في هذه الجرائم أيضاً متى اقتضت المصلحة ذلك، فمناط تقرير تقادم الدعوى من عدمه في هذه الجرائم هو المصلحة التي تعود على المجتمع[31].

ويؤيد ما سبق «أن المصلحة التي تدعو إلى العفو عن الجريمة أو عن العقوبة قد تكون حافزاً على التغاضي عن الجريمة أو على ترك تنفيذ العقوبة عند التقادم، إذ قد تستنفذ العقوبة أغراضها بتقادم العهد على ارتكاب الجريمة أو على صدور الحكم بالعقوبة، فيكون العقاب لا داعي له ولا حاجة إليه. وقد يجد ولي الأمر أن الجاني بهربه من الناس وانزوائه عن المجتمع مدة من شأنها أن تزجره وتصلح ما اعوج من شأنه لم يعد في حاجة لعقاب، فضلاً عن أن مضي مدة على ارتكاب الجريمة أو على صدور الحكم فيها قد ينسي المجتمع ما كان في الجريمة من انتهاك لحرماته، أو على الأقل قد يحمله على تناسي ذلك، فلا يكون من المصلحة تجديد ذكرى الجريمة بمحاكمة الجاني عليها، أو تنفيذ الحكم الذي كان قد صدر فيها» [32].

تأسيساً على ما سبق يمكن القول إن التعزير يجوز إسقاطه بالتقادم طالما أن التعزير ليس معيناً من الشارع الحكيم جرماً وعقاباً وإنما هو مفوض لولي الأمر، فيجوز له الاجتهاد فيه بما يحقق لمصلحة؛ إذ إن «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»[33] وعليه فيكون لولي الأمر أن يضع في التعزير حداً للتقادم تكون الدعوى بعده غير مقبولة وله أن يمنع التقادم في بعض الجرائم تبعاً لخطورتها، ما دام أن ذلك مبني على المصلحة؛ إذ المصلحة مصدر من مصادر التشريع، على أن تكون تلك المدة التي يحددها ولي الأمر للتقادم متناسبة من حيث الطول والقصر مع الجريمة ومع العقوبة، وأن يبين كل ما من شأنه عن تطبيق القواعد التي يقررها حتى تكون محققة للغرض من فرضها[34].

المطلب الثالث: أثر التقادم على العقوبات التعزيرية في بعض الأنظمة السعودية:

لم أجد فيما اطلعت عليه من الأنظمة السعودية استخدام مصطلح «التقادم» حيث جرى المنظم على استخدام عبارة «عدم سماع الدعوى» كأسلوب لحسم المنازعات، ومع اختلاف الصياغة فإن الغاية واحدة وهي اقطع دابر المنازعات عند أجل معين.

والمتأمل في بعض النصوص النظامية أو القانونية يجد أنها صريحة في أن التقادم يتعلق فقط بسماع الدعوى ولا أثر له في ثبوت الحقوق أو إسقاطها، وبالنظر في نظام الإجراءات الجزائية نجد أنه نص في م22 على حالات انقضاء الدعوى الجزائية العامة بقوله: تنقضي الدعوى الجزائية العامة في إحدى الحالات الآتية:

1- صدور حكم نهائي.

2- عفو ولي الأمر فيما يدخله العفو.

3- ما تكون التوبة فيه بضوابطها الشرعية مسقطة للعقوبة.

4- وفاة المتهم.

ولا يمنع ذلك من الاستمرار في دعوى الحق الخاص[35].

والملاحظ أن المنظم السعودي لم يتطرق للتقادم كسبب من أسباب انقضاء الدعوى الجزائية، وهو أمر يتفق مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء كما سبق.

كما أن نظام جرائم الإرهاب وتمويله نص في م31 الفقرة 1 على: لا تنقضي الدعوى في أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام بمضي المدة[36]، وهو ما يعني عدم إعمال التقادم في جرائم الإرهاب وتمويله.

وفي المقابل نجد أنَّ عدداً من الأنظمة أخذت بمبدأ عدم سماع الدعوى عند مرور فترة معينة ومنها: ما ورد في الفقرة رابعاً من المرسوم الملكي رقم م/2 وتاريخ 22/1/1435هـ المتضمن الموافقة على نظام الإجراءات الجزائية إذ جاء فيها: رابعاً: لا ترفع دعوى جزائية على الوزير أو من يشغل مرتبة وزير أو من سبق له أن عُيّن وزيراً أو شغل مرتبة وزير إلَّا بعد الرفع عن ذلك إلى الملك للنظر فيها، ولا تسمع بعد مضي ستين يوماً من تاريخ نشوء الحق المدعى به، وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا النظام الأحكام الخاصة بذلك.

وجاء في الفقرة 5 من المادة 179 من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية تحديد ذلك إذ جاء فيها: لا يخل الحكم المتعلق بعدم سماع الدعوى على أي من المذكور في الفقرة 1 من هذه المادة بعد ستين يوماً من تاريخ نشوء الحق المدعى به؛ بالحق في إقامة دعاوى الحدود والقصاص عليهم[37].

وجاء في م3 من نظام الموانئ والمرافئ والمنائر البحرية: تسقط الدعوى ضد المتهم بمضي ثلاث سنوات على تاريخ وقوع المخالفة المنسوبة إليه، وتنقطع هذه المدة بأي إجراء من إجراءات التحقيق أو المحاكمة وتسري المدة من جديد ابتداءً من آخر إجراء، ويسقط الجزاء بعد مضي خمس سنوات على تاريخ صدور القرار النهائي به دون تنفيذه[38].

وحدد النظام الجزائي لجرائم التزوير المدة بعشر سنوات إذ جاء في م27 فيما عدا الجرائم المنصوص عليها في المادتين الثالثة والعاشرة تنقضي الدعوى الجزائية في الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام بعد مضي عشر سنوات تبدأ من اليوم التالي لوقوع الجريمة[39].

وجاء في المادة 37 من نظام مزاولة المهن الصحية: لا تسمع الدعوى في الحق العام بعد مضي سنة من تاريخ العلم بالخطأ المهني الصحي، وتحدد اللائحة التنفيذية ضوابط العلم بالخطأ المهني الصحي[40].

كما ورد في المادة 62 الفقرة 6 من نظام التأمينات الاجتماعية: لا يجوز فرض أي من الغرامات المنصوص عليها في هذه المادة عن المخالفات التي مضى عليها خمس سنوات فأكثر[41].

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه أبرز نتائج البحث التي توصلت إليها:

1- أن الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة، صالحة لكل زمان ومكان، عادلة في تشريعاتها وأحكامها، فكما أن حكمة الباري – عز وجل – اقتضت شرع العقوبات الزاجرة الرادعة، فإن رحمته تعالى اقتضت شرع الموانع والمسقطات لهذه العقوبات، ومع حرص الشارع على إقامة العقوبات، وزجره عن التهاون في تنفيذها، فإنه ثبت تشوفه إلى إسقاط العقوبة إذا وجد السبب المشروع أو الشبهة المؤثرة، ومما يدل على ذلك حثه على العفو، وشرع التوبة وقبولها ممن تاب وإسقاط العقوبة التعزيرية بها.

2- أن السبب يحدث متأخراً عن الوجوب، فلو تقدمه لم يكن مسقطاً وإنما يسمى مانعاً من الوجوب، فالسقوط فرع الوجوب؛ وعليه يُمكن القول إن المسقط هو الأمر الطارئ على العقوبة بعد وجوبها والمقتضي سقوطها عن من وجبت عليه.

3- أن التعزير ينقسم بالنظر إلى طبيعة الحق المعتدى عليه إلى قسمين؛ التعزير في حقوق الله تعالى، والتعزير في حقوق العباد.

4- أن حق الإمام في إسقاط التعزير إذا وجد المسقط خاص بما هو حق لله تعالى، أو ما يغلب فيه حق الله، أما ما هو حق للعبد، أو يغلب فيه حق العبد فليس للإمام إسقاطه، وإنما يكون الإسقاط من صاحب الحق؛ لأن حقوق الله – تعالى – مبنية على التسامح والعفو، أما حقوق العباد فهي مبنية على المشاحة.

5- أن العقوبة التعزيرية تسقط بأحد أربعة أسباب، هي: موت الجاني، والعفو، والتوبة، والتقادم.

6- استقر الطب الحديث على أن موت خلايا المخ – أي الدماغ – الذي يؤدي إلى توقف المراكز العصبية عن العمل هو معيار موت الإنسان موتاً حقيقياً.

7- أن لولي الأمر دور كبير في الجرائم التعزيرية، فهو الذي يقدر المصلحة التي توجب التجريم وتوجب العقاب، كذلك له حق تقدير المصلحة التي تستدعي العفو عن العقوبة؛ إذ لولي الأمر في ضوء المصلحة العامة أن يقرر العفو عن العقوبات التعزيرية الواجبة لحق الله تعالى؛ لكن يشترط في عفوه ألا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

8- ظهر من خلال تطبيقات المسقطات على بعض الأنظمة السعودية التزامها بكتاب الله وسنة رسوله – صل الله عليه وسلم –.

9- جرى المنظم في المملكة العربية السعودية على استخدام عبارة «عدم سماع الدعوى»، كأسلوب لحسم المنازعات بدلاً من استخدام مصطلح «التقادم» ومع اختلاف الصياغة فإن الغاية واحدة وهي قطع دابر المنازعات عند أجل معين.

10- أن الشارع الحكيم حفظ للآدمي حقه في العقوبة التعزيرية حيث لم يجعل لأحد غيره حق التصرف فيها بالاستيفاء أو الإسقاط، وكان لهذا التشريع أثره في جعل المجني عليه يميل لإسقاط العقوبة بالعفو عن الجاني بعد أن يرى قدرته عليه وتمكنه منه.

وختاماً، أحمد المولى سبحانه وتعالى على أن أعانني على إتمام هذا البحث، وأسأله سبحانه التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على خير خلقه، وعلى آله وصحبه وسلم.

——————————————–

المراجع:

[1] انظر: المبسوط 16/145، تبصرة الحكام 2/225، الإنصاف 10/300، كشاف القناع 6/124، التشريع الجنائي الإسلامي 2/353 – 355، التعزير، ص 517 – 521.

[2] الفروق 4/280.

[3] الخرشي على مختصر خليل، دار صادر، بيروت 8/110.

[4] حاشية ابن عابدين 3/191.

[5] الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، ط 1400هـ – 1980م، ص 188.

[6] انظر: الإنصاف 10/300، كشاف القناع 6/124.

[7] الكافي 5/441، وانظر: كشاف القناع 6/124.

[8] انظر: روضة الطالبين 10/158 -159، مغني المحتاج 4/183.

[9] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر 4/2077.

[10] انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ط الأولى 1423هـ – 2002م، ص 149.

[11] الادعاء العام وأحكامه، ص 569.

[12] صحيح البخاري 8/23، وانظر أيضاً من السنة ما سبق من أدلة مشروعية التوبة في المطلب الأول.

[13] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ط بدون، دار الفكر 4/354.

[14] حاشية ابن عابدين 3/191.

[15] نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/2 وتاريخ 22/1/1435هـ.

[16] اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 142 وتاريخ 21/3/1436هـ.

[17] انظر: الادعاء العام وأحكامه، ص 572 – 573، الادعاء العام والمحاكمة الجنائية وتطبيقهما في المملكة العربية السعودية، د. عماد عبدالحميد النجار، ط 1417هـ، ص 104 – 107.

[18] النظام الأساسي للحكم الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ/90 وتاريخ 27/8/1412هـ.

[19]الصحاح 5/2006.

[20]انظر: لسان العرب 12/465-472 القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، ط1398هـ، 1978م، دار الفكر، بيروت 4/162.

[21]نظرية عدم سماع الدعوى للتقادم، د. عامر محمد عبدالرحمن رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الشريعة والقانون القاهرة 1396هـ، 1976م ص84.

[22]التشريع الجنائي الإسلامي، عبدالقادر عوده 1/778.

[23]مسقطات العقوبة التعزيرية، ص344.

[24]انظر: مسقطات الحدود في الشريعة الإسلامية، أ.د. إبراهيم بن ناصر الحمود، ط الأولى، 1434هـ، 2013م، دار كنوز إشبيليا، ص191.

[25]انظر: حاشية شهاب الدين أحمد الشلبي على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي، مطبوع على هامش تبيين الحقائق، ط الأولى 1313هـ 3/210.

[26]حاشية ابن عابدين 3/177.

[27]الفصول الخمسة عشر فيما يوجب التعزير وما لا يوجب، للأستروشني ص4 نقلاً عن التعزير في الشريعة الإسلامية ص526.

[28]التعزير ص526.

[29]انظر في تفصيل ذلك: المدونة الكبرى للإمام مالك، الناشر دار الفكر 4/422-423، مغني المحتاج 4/151، المغني لابن قدامة، الناشر مكتبة الرياض الحديثة، 8/207، الأحكام السلطانية، للفراء ص264، مسقطات الحدود في الشريعة الإسلامية ص197، النظرية العامة للتعازير وتطبيقاتها ص312-314، التقادم كسبب لانقضاء الدعوى الجنائية، مجلاد ساير الظفيري، ط الثانية 2009م ص214-216، أحكام التقادم في الفقه الإسلامي، إعداد محمد أحمد إبراهيم، رسالة دكتوراه غير منشورة ص369-481.

[30]راجع المبحث الأول العفو وفيه تفصيل لكلام الفقهاء عن سقوط العقوبة التعزيرية بالعفو.

[31]انظر: التشريع الجنائي الإسلامي، عبدالقادر عوده 1/779.

[32]التعزير، ص526-527.

[33]انظر: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، لابن نجيم، ص123-126، الأشباه والنظائر في فروع الشافعية، للسيوطي، ط الأولى 1399هـ، 1979م ص121-122، اتخاذ القرار بالمصحلة، د. عبدالعزيز بن سطام آل سعود، ط1426هـ.

[34]انظر: التعزير، ص527، النظرية العامة للتعازير وتطبيقاتها ص314-315، التقادم كسبب الانقضاء الدعوى الجنائية، ص218-219.

[35]نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/2 وتاريخ 22/1/1435هـ.

[36]نظام جرائم الإرهاب وتمويله الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/31 وتاريخ 24/2/1435هـ.

[37]اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 142، وتاريخ 21/3/1436هـ.

[38]نظام الموانئ والمرافئ والمنائر البحرية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/27، وتاريخ 24/6/1394هـ.

[39]النظام الجزائي لجرائم التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/11، وتاريخ 18/2/1435هـ.

[40]نظام مزاولة المهن الصحية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/59، وتاريخ 4/11/1426هـ.

[41]نظام التأمينات الاجتماعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/33، وتاريخ 3/9/1421هـ.

وهناك أنظمة أخرى منها: نظام الأوراق التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/37، وتاريخ 11/10/1383هـ والمعدل بالمرسوم الملكي رقم م/45، وتاريخ 12/9/1409هـ في المواد 84 و85 و116.

المصدر: الملتقى الفقهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى