تقارير المنتدىتقارير وإضاءاتكتب وبحوث

قراءة في كتاب (المسلمون والحضارة الغربية) – للشيخ د. سفر الحوالي

قراءة في كتاب (المسلمون والحضارة الغربية) – للشيخ د. سفر الحوالي

 

(خاص بالمنتدى)

 

الكتاب من تأليف الشيخ سفر الحوالي، حفظه الله وفك أسره، اسم الكتاب: المسلمون والحضارة الغربية، وهو في ستة مجلدات.

الشيخ سفر الحوالي علمٌ من أعلام الأمة وأهم رموز الصحوة الإسلامية في السعودية مع قرينه الشيخ سلمان العودة فك الله أسره.

في الأيام الأولى من شهر تموز 2018 انتشر كتاب (المسلمون والحضارة الغربية) للشيخ سفر الحوالي فرّج الله عنه.

في أكثر من ثلاثة آلاف وخمسين صفحة، سافر بنا الشيخ سفر الحوالي في رحلة زاخرة بالمفاهيم والمعرفة ضخّ فيها نتاج تحصيله العلمي وقناعاته الشخصية بغزارة التلقي وسعة الإلمام المُلفتة، ليخطّ كتابه “المسلمون والحضارة الغربية” الذي أصبح أحد أبرز مؤلفاته، كلّفه حريته وحرية أولاده، ذلك أنه السفر الذي صَدع فيه ولأول مرة برأيه في حكومة آل سعود. ووجّه فيه النقد اللاذع والنصيحة المُباشرة لسلطاتٍ حاصرته حصار المجرم وأودعته سجونها ونزعت عنه كل حق في التعبير أو التحرك وباتت تلوح بحكم إعدامه.

رسالة الكتاب

اختصر الشيخ سفر الحوالي رسالة الكتاب في كونها رؤية جديدة للعالم أو نظّارة جديدة ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الحضارة الندّ – أي الحضارة الغربية – وهي ثمرةُ تفكيرٍ طويل وتأمّلٍ عميق ودراساتٍ متأنية في التاريخ الحضاري العالمي، مع تدبّرٍ وقراءةٍ طويلةٍ في الفكر الغربي وفي الأديان، وفي كتاب الله، ونظرٍ في سيرة نبيه المختلفة، استمرت سنواتٍ طويلة بل عقودًا.

وركّز في مقدمته على تبيان حقيقة الغرب الذي وإن أظهر تارّةً الوجه المنتصر في النظم الحياتية والسياسية واحترام الشعوب ونصرة المظلوم إلا أنه في ذات الوقت كشف عن عداوته المتأصّلة للإسلام في وقائع محسوسة دفعت الشيخ للكتابة عنها. كان على رأسها الانحياز الدائم للصهاينة ومحاولات وأد أي نموذجٍ ناجح عند المسلمين حيث اعتبر الشيخ ترتيب الانقلاب بتركيا، وتقويض النمور الآسيوية مثالين على ذلك. إضافة إلى ما وصفه بإدخال المسلمين في نفق محاربة البعبع المُفتعل “الإرهاب” الذي ضخّموه حتى أنسونا غيره على حد تعبير الشيخ سفر الحوالي.

ولم يسلّط الشيخ الضوء في هذه المقدمة على حرب الغرب للإسلام فحسب وإنما أيضًا على تآمر حكومات العرب التي ساندت هذا الغرب في حربه وسهلت له المهمة بدرجة الفساد التي امتازت بها.

انتقادات جريئة

لقد حملت هذه المقدمة التي هي مدخل الكتاب وقلبه، انتقاداتٍ جريئةً لحكومة آل سعود، كنقده لتخصيصها 65 مليار دولار على افتتاح دورٍ للسينما في وقتٍ يرى فيه الشيخ الحاجة لهذه الأموال في مواطنَ أخرى!

كذلك كان تأكيده على أنّ الهجوم على الصحوة في بلاد الحرمين ليس العلمانية فقط، وإنما هو انتقالٌ من العلمانية اللادينية إلى العلمانية المُحاربة للدين، موضحا أن العلمانية اللادينية هي ألا يتدخل أهل العلم في الشؤون السياسية، ولا ينظر القضاة في كثير من القضايا، ولكنهم في بلاد الحرمين انتقلوا اليوم إلى الهجوم المباشر على قطعيات الاعتقاد وثوابت المجتمع بحسب وصف الشيخ.

ظلم وتناقض

المقدمة ركّزت أيضًا على تبيان ظلم الإدارة الأمريكية داخل أمريكا وخارجها وحملت جملة أمثلة على تناقضات سياساتها وعدوانها وأيضا هزائمها في العالم الإسلامي رغم كل الكيد الذي تكيده للمسلمين.

واستغرق الشيخ صفحات طويلة يكشف فيها تناقضات الغرب وسقطاتهم وشدة التباين بين أفعالهم وأقوالهم. مقدّمًا العزاء لمن لا زال مخدوعا بحضارة منحدرة، أو يرجو الخير في أوليائها ومفكّريها. ضاربًا المثل القدوة في حضارة الإسلام ومشيّدًا بمواقف ثلاثة أئمة من أئمتها، هم الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعًا.

ونبه الشيخ إلى أن الواجب في هذه المرحلة هو بيان الحق للصحوة المباركة الصاعدة، ورسم الطريق القويم لها، وأكّد أنه بعد استقرائه التاريخ واستشرافه المستقبل ثبت لديه أن المسلمين أفاقوا من غفلتهم ومستعدون للمواجهة، ومن الطبيعي جدا أن يتخبّط المستيقظون ويختلفوا، وربما استمر ذلك طويلا.

الحضارة الغربية

وقد وصف الشيخ الحضارة الغربية بـ “هُبَل” الذي يليه ثلة من الأصنام كالديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام العالمي وتحرير المرأة والعولمة، والتجارة الحرة والمساواة.. إلخ.

وهي الحضارة التي اختفت في ظلّها الأخلاق والفضيلة والقيم لتحل محلها الواجبات الوطنية أو النفعية بأي اسم، ووقع أصحابها في تناقضٍ شائن. فاللواط مثلا عندهم مسألة شخصية يحق للإنسان أن يمارسها أو يدعها، أما قطع إشارة المرور فهو كارثة تستوجب إحالة فاعلها إلى المحكمة!

وبالاستدلال بأمثلة من الواقع وبتصريحات الساسة الغربيين وضّح الشيخ سفر أن الغرب بين نوعين من القوة: القوة الصلبة أو الخشنة، والقوة الناعمة التي تسهّلها وسائل الاتصال الحديثة.

ونبّه الشيخ أن تبيانه لعيوب الحضارة الغربية لا يقصد منه معاملتها بالمثل أو الحط من قيمتها كما حطت هي من قيمة الحضارة الإسلامية، وإنما يقصد به العدل معها لتتوازن الصورة.

الليبراليون وأذى السلطات

النقد اللاذع من الشيخ سفر وُجِّه أيضًا إلى الليبراليين مؤكدًا أن سباحتهم عكس التيار غير مُجدية، وأن تهديداتهم غير مؤثّرة، وقال:

قد قرأت قول من قال: مرحبا بالديمقراطية ولو جاءتنا على ظهر دبابة أمريكية، وأنا أقول: مرحبا بإقامة الدين ولو أقيم على رقابنا ودمائنا وأشلائنا!

ثم لم يخفي الشيخ ما تعرّض له من مضايقات وأذى من نظام آل سعود، وقد أكد قطع الراتب والتقاعد عنه ومنعه من التبرع لفلسطين وغيرها، مع توضيح لموقفه بأنّه ليس معارضًا، ولكنّه ناصح على منهج الأنبياء الكرام، طامعًا أن يهدي الله كل من ضل من الحكام أو الكتاب، بحسب تعبيره.

محاربة الإسلام

وبعبارة جامعة قال الشيخ إن النهج الأمريكي في محاربة الإسلام لا يحارب التدين في الجملة، ولكن يبقي نوعًا منه كشعارات باهتة، ومسألة شخصية، بحيث لا يتعارض مع المصالح الأمريكية، وهو لا يعارض وجود الأحزاب الإسلامية في مصر والأردن والكويت وليبيا وتونس، إذ هي حقيقة شعبية واقعة، ولكنّه يرى ضرورة التأثير على سلوكها وضرورة دخولها في اللعبة السياسية بحكم الديمقراطية.

والغرب بحسب الشيخ احتل أكثر العالم ونهب ثرواته بالاستعمار قديمًا، ثم باسم الشركات العابرة للحدود وبالاستثمار حديثًا، واكتشف كثيرا من المجاهل لكي يحصل على الذهب والنفط، وأصبح مجتمعًا غشّاشًا لا بالغش البدائي الساذج المعروف، بل بالغش المتحضر المتطور والأخلاق التجارية والابتسامات الصفراء، وهكذا غيّر الغرب جلده، وخرج مُكرهًا من النافذة، ليعود مُرحّبًا به من الباب، وجاء بشعاراته البرّاقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة ومعاداة الديكتاتورية…الخ.

خلاصات مراكز البحث الغربية

ومن خلال اطّلاعه العميق الواضح بخلاصات مراكز البحث الغربية ومؤسسة راند ومستدلًا باقتباسات من هذه البحوث استخرج الشيخ الدور الذي لعبته هذه المراكز في صياغة سياسات الإدارات الغربية، والتي تركّز على حماية أمن حلفاء أمريكا على رأسهم إسرائيل ونشر القيم الأمريكية وأسلوب الحياة الأمريكية. ومحاربة ما يسمى الإرهاب والوصول الآمن للنفط ودعم الأنظمة العربية المستقرة ولو كانت ديكتاتورية وأيضا التمييز بين الأفراد والحركات المعادية للقيم الأمريكية وبين من يقبلوها.

موضّحا القاعدة التي تعتمدها مراكز البحث المختلفة بأن تتعامل السياسة الأمريكية مع ما هو متاح لا ما هو مرجو. وأن الغرب عمومًا ينطلق من روح صليبية، ومن عقدة فيينا التاريخية، لكنه تستّر بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة وما أشبه ذلك من الشعارات، وثقافته ثقافة عدائية – إلا القليل – وتعصّبه جلي، وحلّه للقضية الفلسطينية إنما يقوم على محاباة اليهود، وإطلاق يدهم لأخذ ما يريدون، وردّ ما يريدون من القرارات الدولية ومناصرة ظلمهم بالسلاح وبالفيتو.

تساؤل مشروع

وتساءل الشيخ بعد هذا موجهًا نقدًا آخر غير مباشر لحاكم السعودية وابنه قائلا:

أليس المستغفل هو من يصدق الأمريكان ويعطيهم التريليونات في شكل ودائع أو سندات أو استثمارات وغير ذلك، ويستشيرهم في حل المشاكل الإقليمية أو المحلية؟

ولكن الشيخ سفر لا يستغرب ممن أدمن قراءة النظريات والفلسفات الغربية، معرضًا عن الكتاب والسنة وسير السلف أن يكون فكره غربيًا، وأن يدعونا للدخول في جحر الضب!

قراءة في الحضارة

بسط الشيخ بعد مقدمته، تعريفا للحضارة وكيفية سيرها وأجاب على سؤال: متى عرف الناس الحضارة؟ كما تناول أصل الحضارة البشرية ومهد الحضارة العالمية ومهد الحضارة الغربية حيث عرج بالحديث عن الحرب الصليبية الثانية ليصل إلى تفصيل جوابٍ متأنٍ لسؤالٍ يرد على كل مسلم وهو “هل يشن الغرب علينا حملة صليبية أخرى”؟

وقال الشيخ مجيبا:

لقد تجمعت لدي شواهد كثيرة على أن الغرب عامة – وأمريكا خاصة – يشن علينا حربًا صليبية جديدة بصراحة، أو متسترة بأسماء أخرى.

شواهد من الواقع

كما برزت في هذا الكتاب غزارة الطرح لدى الشيخ سفر لأمثلة من الواقع المعاصر، سردها ليقرب الصورة ويشرح الفكرة، سواء صراع أفغانستان أو العراق أو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو السياسات التي تعامل بها الغرب مع ما يسمى الإسلام السياسي والإسلام الراديكالي وغيره من مشاهد الصراع، ليكشف عن تناقضات عميقة وأحقاد ليست بجديدة. وهكذا ليرى كل ذي عينين أن الغرب أعرف بأهدافه منا، وأن تربيته وبيئته وتاريخه ومناهجه تقوم على حرب الإسلام.

كما شمل طرح الشيخ فوائد جامعة لكيف نقرأ ونحلل وكيف يحتل التاريخ مرتبة مهمة في توجيه سياسات الدول التي اعتبرت به.

تحت عنوان “تفوق الحضارة الإسلامية وتقدمها”، بسط الشيخ سفر الحوالي حديثه عن الحضارة الإسلامية وميزاتها، ولكنه نبّه إلى أن الحديث عنها إنما هو في صورتها المثلى التي كانت عليها في عصرها الذهبي، أي أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والقرون الثلاثة المفضلة، وليس في عصور الانحراف الأخيرة.
وفي هذا الباب أسهب الشيخ في الحديث عن مرجع الحضارة الإسلامية، وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

بعض ميزات الحضارة الإسلامية

كما سرد بعض ميزات الحضارة الإسلامية بتفصيل ملمّ،كاشفًا عند كل ميزة تفوقها على بقية الحضارات، منها أنها حضارة تقوم على الحجة والبرهان واليقين، وأنها حضارة توحيدية ربانية التشريع، وأنها حضارة ذات قيم وموازين خاصة ومعايير مستقلة، ولكل قيمة مفهومها الإسلامي الخاص الذي تختلف به عن سائر الحضارات. إنها حضارة إنسانية لكل بني آدم، لا تختص بعرق أو جنس أو لون. حضارة عدل مطلق، حضارة عفو وإحسان، حضارة المساواة، حضارة حق يجب قوله ويحرم كتمه، حضارة حب وتقدير، حضارة طيبات وأخلاق ووفاء والتزام واجتماع وألفة، إنها حضارة عمل، حضارة حقوق وآداب، إنها الأسبق إلى كل علم ومعرفة ومصلحة، حضارة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، إنها حضارة جهاد وإيمان، حضارة تنوع، إنها الحضارة الوحيدة التي للمصيب فيها أجران وللمخطئ أجر واحد، حضارة تراعي سنن الله في المجتمعات، وتجتنب الأدواء الاجتماعية، حضارة توسط واعتدال، تدعو إلى الهمة العالية من الصغير والكبير، حضارة شاملة كاملة تجمع بين خيري الدنيا والآخرة، حضارة ضمير ورقابة داخلية ووازع إيماني، حضارة شمول ومفاهيم واسعة، حضارة جادة في الأصل وإن أباحت اللهو بحدود وضوابط، تجعل بناء الإنسان هو المهم، حضارة لها مقياسها الخاص المتفرد، تحتكم لشرع الله وليس إلى الأهواء والنظريات البشرية والقوانين الوضعية، وفي الواقع كما يقول الشيخ سفر إنها “الحضارة التي يصعب حصر ميزاتها”.

ومع تفصيل الشيخ لكل ميزة قدم الجواب على سؤال: متى بدأ العصر الحديث؟ وبسطًا لحقيقة العبادة والتوحيد والشرك والطاغوت والجاهلية وغيرها.

التاريخ العقدي الإسلامي

وتحت عنوان “موجز للتاريخ العقدي الإسلامي”، استعرض الشيخ التاريخ العقدي في الإسلام موجزًا، لكي تكون مقارنتنا بين الحضارتين عادلة، ولكي نعرف أسباب ما يقال عن تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، ولبيان درجة الانحراف عن الكتاب والسنة، والفِرَق التي أثرت في الحياة الإسلامية وجعلتها لقمة سائغة للغرب. وبدأ برأس الفساد، الماسونية.

ومما ينبغي لطالب العلم معرفته بحسب الشيخ، أن الفرق الإسلامية ليست جماعات منقرضة، بل هي ظواهر عامة، والظاهرة تعود متى توفرت شروطها الموضوعية. ومع انتشار التصوف والرفض والإرجاء والفلسفة والكلام، ظلت في هذه الأمة طائفة منصورة، تجاهد على أمر الله لا يضرها من خذلها أو خالفها، وهكذا أحيت الأمة فريضة الجهاد، وظهر فيها السلاطين المجاهدون مثل نور الدين وصلاح الدين، رحمهما الله، الذين عرض الشيخ سيرتهما قائلًا: “هذه الأمة المباركة تمرض ولكنها لا تموت، وقد تشغلها الشهوات ولكنها لا تنسى الجهاد”.

تاريخ الفِرق وتأثيراتها في الأمة

كما تناول الشيخ أيضًا الحديث عن العبيديين، وظهور القوميات التي غذاها الغرب، على نهج «فرق تسد»، ثم أفرد بابًا خاصًا بالصوفية، أحد أمراض هذه الأمة التي تشجعها أمريكا وتعتبرها معتدلة، وبابًا آخر خاصًا بالإرجاء، والذي يعتبر أخطر البدع التي ابتُلِي بها المسلمون، وقد ضرب الشيخ مثلًا في هذا الباب بالحَجَّاج، وأسهب في ذكر مناقبه وجهاده، رافضًا أن يقاس حكام العصر على الحجاج؛ إذ أنهم أشد ظلمًا وفسادًا، حيث قال في وصف الطواغيت المعاصرين: “يظنون أن أمريكا على كل شيء قدير، ويعتقدون أن تقلب الذين كفروا في البلاد أمر حتمي دائم لا حيلة فيه، وأن الفكر والحضارة والتقدم هي فيما جاء به الغرب وحده، وما عداه ماضٍ يجب تركه والتخلي عنه”.

وبعد تعرية صفاتهم قال الشيخ الحوالي: “هؤلاء الطواغيت الحكام -الذين يطبل لهم المرجئة- يجب الإنكار عليهم، ولا تجوز طاعتهم، وإن صلى أحدهم وصام وحج وزعم أنه مسلم كما جاء في الحديث”، ويمكن اعتبار انتشار التصوفيين المسلمين -بحسب الشيخ- سببًا ونتيجة لانتشار الإرجاء.

الرافضة وقراءات الشيخ العميقة

وعلى غرار الصوفية والمرجئة، أفرد الشيخ بابًا خاصًا بالرافضة، وعن نشأتهم وعلاقتهم بأعداء الإسلام، مستدلًا بحقائق من التاريخ والواقع المعاصر. وفي هذا الباب سلط الضوء على مجوسية الرافضة، وعلى صلتهم بالصوفية وبالنصيرية وبالإسماعيلية وبالمرجئة وبالحوثيين وبإيران، وتعدد فرقهم وعقائدهم الباطلة، مستشهدًا بموقف المتكلمين منهم، وكذلك سلط الضوء على الاحتلال الصهيوغربي ووثيقة مكة. وعلى عداوة الرافضة لأهل السنة موضحًا الحكم فيهم.

ونبّه الشيخ على أنه لا يصح العمل بتقارير الخارجية الأمريكية عنهم، ولا المنظمات الحقوقية التي تتيح حرية الاعتقاد، قائلًا: “فأمريكا نفسها بيتها من زجاج، فكيف ترمي الناس بالحجارة؟! وإنما جرأ أمريكا علينا تبعيتنا لها”.
وقد خلص الشيخ إلى أن العداوة مع الرافضة دينية عقدية وليست سياسية. ومعلوم أن السياسات تتبدل، أما العقائد فهي ثابتة، فيجب على أهل التوحيد التعامل مع الثابت لا مع المتبدل، بحسب وصف الشيخ.

كما انتقد في هذا الباب مرة أخرى السلطات السعودية لعدم اكتراثها بما يمكره الرافضة لأهل السنة، وقال: “وقد وعد بعض المسؤولين بمعاقبة الرافضة، ثم إنه هلك فلم يعاقب أحدًا، وهو مثل وعده بمعاقبة العلمانيين والليبراليين، فالقوم يخدعوننا ويكذبون علينا ويجعلون للأعداء المناصب وللأصدقاء السجون!”.

تجديد الحضارة الإسلامية بالدعوة السلفية

وتحت عنوان ” تجديد الحضارة الإسلامية بالدعوة السلفية المباركة”، تناول الشيخ الدعوة السلفية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. معددًا آثار هذه الدعوة في العالم، وكذا بيئتها وميزتها وموقف مؤسسها من الدولة العثمانية التي لم يخرج عليها بحسب الشيخ.

ثم -ولمكانة الشيخ الألباني -رحمه الله- وأهمية ما دعا إليه، ولتأثيره الكبير اليوم على المسلمين- كان لا بد للشيخ من التعريج عليه بشيء من الإطالة، مع ذكر بعض العبر والاستنباطات التي ظهرت من خلالها مواقف الشيخ سفر التي لا يتفق فيها مع ما ذهب إليه الشيخ الألباني من اجتهادات، فعدد في هذه الإطالة أخطاءه وردود بعض أهل العلم عليه.
ليتطرق بعد ذلك للحركات التجديدية قبل دعوة الشيخ عبد الوهاب أو خارجها، ثم لأعداء الدعوة السلفية، وهم بحسب الشيخ أربعة: الغرب، وأهل الشرك والبدعة والخرافة، والغلاة، والمنافقون. وفي هذا الجزء، أمعن الشيخ في تعرية الليبراليين وكشف عوار الإسلاميين الجدد الذين يعتبرهم من أخطر أعداء الدعوة في زماننا، أو ما يعرف بـ”المعاصرين”، أو”التنويريين”.

حركات موالية للغرب باسم السلفية

كما أوضح الشيخ الأسباب التي دفعت أعداء الله على مدار التاريخ إلى إنشاء حركات موالية لهم بأسماء سلفية، وقال: “فلما أخفق الإنجليز في مقاومة الجهاد الإسلامي في الهند أنشأوا القاديانية، ولما غزا الأمريكان العراق نشروا فتوى السيستاني عن تحريم مقاومة الأمريكان، ولما قدمت جيوشهم إلى الخليج واحتلوا جزيرة العرب، وضعفت حجتهم في أن هذا مجرد استعانة، أسسوا “الجامية”، ولما رأى الأمريكان النجاح المطرد للإسلام صنفوا أهل الدين إلى معتدل ومتطرف أو إسلامي وإسلاموي”.

والشيء المجمع عليه بين كل حركاتهم بحسب تفصيل الشيخ، هو وجوب طاعة الحاكم ولو كان متغلبًا، بل وإن كان غير مسلم، والسلاح لا بد من جمعه من أيدي الناس سلبًا لحريتهم، والجهاد محظور، أو يضعون له شروطًا تعجيزية، ويقولون إن كل من جاهد إرهابي، مع أن الأمم المتحدة لم تضع حتى الآن تعريفًا “للإرهاب!”.

الفكر الديني

وتحت عنوان “الفكر الديني”، تناول الشيخ أصل الدين عند الغربيين والمسلمين على حد سواء، وكيف تعامل الغرب مع المسلمين ووصموهم بالإرهاب، مع أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي حكمت عليها محكمة العدل الدولية بأنها دولة إرهابية كما ذكر تشومسكي.

من هو تشومسكي؟

وقد سلط الشيخ الضوء على تشومسكي وآرائه فقال: “تشومسكي ليس مسلمًا ولا عربيًا، بل هو يهودي عاش في إسرائيل وأمريكا وتكلم عنهما كلام المطلع الخبير. وهو ليس كاتبًا مغمورًا، بل هو أكبر كاتب أمريكي، وتأتي كتبه عندهم في المرتبة الثانية بعد كتابهم المقدس مباشرة، كما أنه، وفق المعايير الليبرالية، ليس إرهابيًا ولا عدوانيًا، بل متقدم متحضر، وهو يؤمن بالإسلام الأمريكي المعتدل كما يقول العم سام، أي الذي لا جهاد فيه”.

ظلم الغرب للمسلمين ونظرتهم لدول الخليج

وفي هذا الباب، أمعن الشيخ في توصيف ظلم الغرب وعدوانهم بحق المسلمين، سواء في إعلامهم حين يتغافل عن مصاب آلاف المسلمين ويكثر الحديث عن غربي واحد أصابه أذى، وكذلك الأمم المتحدة التي تستنفر لصحفي غربي وتتغاضى عن قتل بشار الأسد لآلاف السوريين.

ثم نظرتهم لدول الخليج كمجرد مجموعات من البدو المتأخرين، لديهم ثروات لا يستحقونها، معتبرين أدلة غبائهم وتأخرهم كثيرة منها: أنهم يبيعون النفط بأقل مما يشترون الماء المستورد من الغرب، وأن الشركات التي تستخرج النفط والغاز غربية!
ومنها أنهم يبالغون في الاحتفاء بمن يزورهم، ومنها أنهم يعقدون الصفقات الضخمة مع من يعاديهم، ومنها أنهم لا يعتبِرون، بل يصادقون اليوم من كان عدوًا لهم بالأمس، والمهم أنه يمدحهم إعلاميًا ويقول إنهم سائرون في طريق التقدم!
ومنها أن يعامل الغربي غير ما يعامل به المواطن، فللغربي ميزات كثيرة مهما كان جهله أو عداوته.
ومثل دول الخليج سائر الدول التي تقول إنها إسلامية: فهي تبيع الأطنان من القطن أو الكاكاو أو الصمغ بثمن بخس للغرب الذي يبيع الجرامات من ذلك بثمن غالٍ.

مكانة الدين والمتدين

وتحت عنوان “مكانة الدين والمتدين عند أهل الكتاب” تحدث الشيخ عن الفَرْق الهائل بين الدين والمتدين في الغرب، وبين الدين والمتدين في البلاد التي تدعي أنها إسلامية، قاصدًا الحكومات وليس الشعوب. وضرب أمثلة عديدة على ذلك، بما فيها اهتمام الغرب بالعمل الخيري وبناء دولهم، على عكس حكومات تحكم المسلمين وتنهب ثرواتهم، وقد ضرب مثلًا شركة أرامكو، كيف تمت “سعودتها” في حين بقيت أمريكية الأصل.

الكيان الصهيوني

كان لـلكيان الصهيوني نصيب من الطرح، ظهر خلاله رأي الشيخ في نتنياهو الذي يحمل فكرة شعب الله المختار وفكرة أرض الميعاد. وبرزت معرفة الشيخ الدقيقة باختلافات اليهود، وكيف هو حال اليهود غير الصهاينة وحيلهم التي يوظفونها لتحقيق مآربهم، مع نبذة عن تاريخهم وواقعهم، ختمها بحكم شريعة الإسلام فيهم، والذي ينص على عدم ظلمهم ولكن على إخراجهم من حزيرة العرب، موجهًا النقد مرة أخرى لحكام آل سعود قائلًا: “أما أن يسكن أهل الذمة المنطقة الشرقية أو الرياض أو جدة، فذلك لا يجوز، وكل الكفار والمبتدعة ينبغي إذلالهم، ولكن لا يجوز ظلمهم. وأشنع من ذلك ما نراه اليوم من مئات الآلاف من الأوروبيين الأمريكان، مع ما لهم من ميزات لا يحلم بها مواطن فضلًا عن المقيم. كما يحرم بناء الكنائس أو معابد الهندوس في جزيرة العرب، والسماح بذلك مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والفقهاء، ولكل ما درجت عليه الدول الإسلامية المتعاقبة. فالمسألة إجماعية ولم ينسخ منها شيء”.

ثم فصل الشيخ حقيقة الصهيونية النصرانية وأصل الدين لأهل الكتاب، والتي اعتبرها أخطر من الصهيونية اليهودية. وكذلك فصل إرهاب اليهود، ضاربًا الأمثلة من التاريخ والواقع.

الدين والثقافة في أمريكا

لم تتوقف غزارة الطرح في كتاب الشيخ سفر الحوالي في تبيان تاريخ المسلمين وفكرهم، بل ظهر جليًا أيضًا بشدة اطلاعه على الثقافة الغربية، وتعمقه في مصادر الكتابات عنها، حيث تناول الشيخ الدين والثقافة في أمريكا، ووصف هذه الثقافة بثقافة كتابية، والقيم فيها بقيم يهودية ونصرانية، كما قرر “ستيف بانون” أستاذ “ترامب”، بحسب وصف الشيخ. أما الإيمان الغربي فهو إيمان توراتي، يؤمن به النصارى كما يؤمن به اليهود؛ إذ التوراة شريعة للجميع. وفي هذا الباب، أتقن الشيخ تبيان تناقضات معتقدات الغرب، مؤكدًا أن الشرك واحد، ومظهرًا الفروق بين دين التوحيد ودينهم، مستندًا إلى أمثلة وبيّنات عديدة.

المستشرقون

كان للمستشرقين نصيب من الذكر في طرح الشيخ سفر، وخصهم بعنوان “المستشرقون كهان الفكر”، وقد سلط الضوء على ضعفهم وسوء فعالهم.

أغلال الجبريات وفساد العقائد

وبالتأكيد على أن الشرك لم يتغير، بقي ذاته في الماضي والحاضر، تناول الشيخ تعريف الجبرية الحديثة، وأنواعها الاقتصادية والتطورية والنفسية والاجتماعية والسياسية والنسائية، وهي الجبريات التي حبست الإرادة الإنسانية لتجعل من الإنسان عبدًا مسيرًا لا حرية له في ظل هذه الحضارة.
وسلط الشيخ الضوء على عقيدة وحدة الوجود، وهي من أخطر العقائد في الغرب والعالم كله. لها تاريخ وحاضر وضرر وفساد كبير.
لينتقل بعد ذلك مبرزًا درايته الواسعة بالديانات وتاريخها، إلى ديانات حوض البحر الأبيض المتوسط الغربية. ومخصصًا فقرة عن الديانة في اليابان، وتأثرها بالغرب.

طائفتا اليهود والنصارى

توسع الشيخ بشيء من التخصيص في باب عن أهل الكتاب -المغضوب عليهم والضالين- وهم اليهود والنصارى. وهنا يبسط الشيخ العديد من الأمثلة المستقاة من تاريخ الإسلام القديم والحديث مع هاتين الطائفتين، وواقعهما الذي يصل أحيانًا إلى الطرافة.

تناول فيه فِرق اليهود، وتحريفهم للتوراة، وتلونهم بلون البيئة المحيطة بهم فيماثلونها في شركها، وقدرتهم على التنظيم التي تبدو بوضوح في عالم الاقتصاد، مؤكدًا أن مرجع اليهود والنصارى واحد، هو التوراة.

وبنفس التفصيل، تناول الحديث عن النصارى وعن المسيح في الأناجيل، وتناقضاتهم الكثيرة، معرجًا في ذات الوقت على ابتداعات رجال الدين والمدافعين عنها كـ”أنيس شورش”، العربي الفلسطيني الذي خصه الشيخ سفر بنصيحة عنوانها “محبة الخير ودعوة صادقة للإسلام”.

وبوضوح أيضًا، برزت سعة اطلاع الشيخ في هذا الباب بالأناجيل القديمة، وقدرته على تقييم درجة معرفة الغرب بنصرانيته، وحقيقة الفاتيكان، وكل ما يدور في فلك انحرافهم وضلالهم.

وفي جواب على سؤال: هل يختلف الصهاينة والأمريكان؟ يقول الشيخ سفر: “الجواب نعم، يختلف اليهود فيما بينهم! من كان منهم في إسرائيل ومن كان في الكونجرس، ولكنهم يتفقون كلهم على العمل لمصلحة اليهود، فالخلاف بينهم في الوسيلة فقط، أو كما يقولون: تكتيكي. بل حتى الجماعات اليهودية المعادية للصهيونية ترى أن مصلحة اليهود هي بقاؤهم مشتتين وخاضعين لحكم مجتمعاتهم حتى ينزل المسيح، وأن الصهيونية ضد إرادة الله وضد التوراة، والمصلحة تقتضي بقاءهم خاضعين لحكم المجتمعات القاطنين فيها، وأن يدينوا لها بالولاء، وأن الله هو الذي يقيم الدولة على يد المسيح المنتظر”.

وفي خاتمة هذا الباب، أكد الشيخ الحوالي على أنه بدل التلون والتنقل بين فِرق أهل الكتاب، على الغربيين أن يقرأوا ترجمة القرآن والصحيحين ليعرفوا حقيقة الإسلام ومحاسنه. فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها.

لم ننتهِ من تبيان معالم كتاب دفع صاحبه ثمنًا له حياته، ويعتبر خلاصة علمية جامعة زاخرة تكشف درجة معرفة الشيخ سفر ودرايته بالحضارتين الإسلامية والغربية. فكونوا بالقرب؛ لا زال فيه ما يستحق الذكر.

ويستمر الشيخ سفر الحوالي بضخّ تحصيله العلمي الفائق من أعماق الكتب والقراءات التي استخلص منها موسوعة من المفاهيم الغزيرة جمعها في كتابه “المسلمون والحضارة الغربية“. ولقد ظهر بجلاء عمق اطلاع الشيخ على الفكر الغربي وعلى مصادره وجذوره، ما أكسبه مهارة في مقارنة الأديان وقدرة ملفتة على الاستنباط من ثقافة كل أمة وبلد.

من أبواب الفكر الديني – هيئة الأمم المتحدة

وفي فصل الفكر الديني، أفردَ بابًا خاصًا بعنوان “هيئة الأمم المتحدة والدين الإنساني” عرض فيه مساعي الأمم المتحدة لوضع دين إنساني للعالم كله يقوم على التجربة البشرية والعلم البشري، وتريد فرضها كحكومة عالمية. ومعلومٌ أن أمريكا التي تتزعم العالم الغربي والرأسمالي والحضارة الغربية البائسة هي التي ترسم سياسة هيئة الأمم المتحدة، والتي تكن العداء العميق للوهابية التي وصموها بالتطرف، ثم عمدوا لحربها على كل الأصعدة، بحسب ما ورد في هذا الباب.

وفي الواقع يرى الكاتب أن أمريكا تدعو علنا إلى ما تسميه القيم الكتابية (اليهودية والنصرانية) باسم القيم الحديثة. وتقف أمريكا مع اليهود والنصارى وتعادي الإسلام في كل مكان، من قبل كيسنجر وبعده، وحق النقض في مجلس الأمن “الفيتو” دائما لصالح إسرائيل، واسترسل الشيخ في تعداد تناقضات الأمم المتحدة.

وبعد عرض الأسباب الشرعية والواقعية قال الشيخ عن هيئة الأمم المتحدة:

يحق لنا القول بأنه لا يجوز الانضمام لهذه الهيئة ويجب الانسحاب منها فورًا

من أبواب الفكر الديني – التشبّه

وأفرد الشيخ في هذا الفصل بابا وافيا عن التشبه، الذي وصفه بأنه من الانحرافات العقدية الخطيرة التي وقع المسلمون فيها في  عصرنا الحاضر، ومن دلائل الهزيمة النفسية عندهم (التشبه بالغربيين) في كل شيء تقريبا حتى في  رطانتهم ولباسهم واحتفالاتهم.

وانتقد الشيخ تعامل الحكومة مع الحوثي وعرض أخطاءها في معالجة عدوانه، ثم تقليدها للغرب في السينما والتبرّج والمُسكرات والزنا والربا والانحلال والفساد وحب الدنيا، الذي يسمونه التنمية وزيادة الدخل، أما النظام والعدل والتقدم الصناعي والمساواة الحقيقية فلا يشيرون إليها. كما شدد على أهمية التقويم الهجري الذي ليس مجرد شكل، بل هو أصالة وتميّز لهذه الأمة.

انتقاد لما يسمى رؤية 2030م

انتقاد آخر وجهه الشيخ لما يسمى رؤية 2030م لاعتمادها التقويم الغربي الجريجوري المسمى الميلادي، باعتبار العمل بحسب هذا التقويم مخالف للنظام الأساسي للمملكة الذي ينص في المادة الثانية (أحكام عامة) على أن تقويمها هو التقويم الهجري، وهو كذلك مخالف لما درج عليه المسلمون (المؤرّخون وغيرهم)، وتساءل الشيخ قائلا:

كيف ننتهك النظام الأساسي، ونطالب المواطنين اتباع الأنظمة؟! أليس في ذلك كشفا للنية المضمرة عن جعل البلاد ذيلا للغرب؟

وأضاف في نفس السياق:

فكيف تنتكس عقولنا فنتبع الغرب في تقويمه، أو نقلل عدد زائري بيته المحرم، وننشئ مشروعات سياحية تكلف المليارات في أماكن صحراوية مقفرة، هذا عدا ما في السياحة من تعرٍ وفساد واستنكار الناس هنا لذلك؟

من أبواب الفكر الديني – أثر الذنوب

وكعادته في الاستفاضة أفرد الشيخ بابا لأثر الذنوب. التي هي سبب الهزيمة وسبب كل مصيبة. وأحسن التفصيل فيها وأجاد، وأعقبها بنصيحة للمسلمين في الخارج، قال فيها:

فأقول نصيحتي لكل مقيم في بلاد الغرب من الدعاة أن يظل هناك ويستمر في دعوته، ولا يزين له الشيطان أنك لو جئت للسعودية وتعلمت العقيدة لكان ذلك خيرا لك. فهنا يقولون إنك أجنبي، ويطالبونك بالترخيص للدعوة، ويعلمونك العقيدة كما توصي بها التقارير السرية. وأنصح من كتبَ له الله القدوم إلى هذه البلاد من خارجها أن يعجّل بالعودة إلى بلاده والدعوة إلى الله فيها، فقومه خير له في دينه ودنياه، وهم أعرف الناس بمنزلته، وليعش على ما عاشوا عليه من رعي أو زراعة، وقبيلته في إفريقية وآسيا تعيش في دول عدة وفق التقسيم السياسي الاعتباط،. وليس هناك حواجز أو تفتيش أو ترحيل، ولا يطالبك أحد ببطاقة.

ولعل من أبرز ما خلص له الشيخ في هذا الفصل أن كل خيرٍ اهتدت إليه أوروبا سواءٌ في مجال الحقوق أو الحريات أو الحضارة الإنسانية قد سبقها إليه الإسلام منذ عقود، وقدّمه بإتقان وكمال لا ندّ له، ولا يجادل أحد في تأثير الفكر الإسلامي في الدعوات الغربية كالتي دعا إليها مارتن لوثر وكلفن في باب الإصلاح الديني برؤيتهم القاصرة.

فصل خاص بالفكر السياسي

وفي فصلٍ آخرٍ زاخرٍ بالاطلاع والمعرفة، يحمل عنوان “الفكر السياسي” أكّد الشيخ أن الاستعراض السريع لمجمل التاريخ البشري يثبت أن كل دين أنزله الله هو دينٌ شاملٌ للدنيا والآخرة، وأنه ليس في الدين إسلام سياسي وآخر غير سياسي.

وضرب مثلاً على السياسة المعاصرة يثبت فيه أنها لا أخلاقية، وأن التلاسن الظاهري قد يخفي تحته الولاء، فأمريكا التي تعادي إيران ظاهريًا هي نفسها تؤيد موقف إيران في اليمن، وتحارب معها أهل السنة في العراق، وكلاهما يقول أنّ الخطر هو “الوهابية”، وكلاهما يعتقد أن الوهابيين ليسوا من أهل السنة.

وأسهب الشيخ في كشف تناقضات السياسة المعاصرة وفضح كواليسها وعوراتها، سواء في العالم الغربي أو العالم العربي والتي وصفها بتناقضات غاية في الفحش والشناعة؛ بسبب أنها لم تقم على قواعد أخلاقية.

وفي هذا الفصل تحدث عن أثر الإسلام في الفكر السياسي الحديث بإيجاز، ومبادئ الفكر السياسي في الإسلام ومعالمه وأفرد بابًا خاصًا بالإمامة التي ظهر تركيزه الشديد فيها على شرط القرشية لمن يتولى الخلافة موضّحًا حكم الدخول على السلاطين وما يتعلق بمفهوم السلطان من حقوق وواجبات.

وبابٌ آخرٌ للحرية في المال قدّم فيه تعريفًا لمفهوم الحرّية ومصطلحاتٍ من قبيل التجسس، وبرز تأثّره بقضية الحرية في التبرع التي استشهد فيها بأمثلة من الواقع حيث قال:

وبعض أثرياء الخليج تبرّع للكفار بمليار دولار وأين؟ في مقر مركز التجارة العالمي! وسوف يسألهم الله من أين أخذوا هذا المال وفيم أنفقوه، وليست المسألة عبثاً يسمّونه حرية كما يعتقدون، بل أمانة ومسؤولية، وليبشّر كل من يتبرع للكفار بالفقر وإن أمهله الله. ومن ذلك التبرع للنوادي الرياضية الغربية كما يتبرع لها بعض المبذرين هنا.. ولماذا لا يدفعون الأموال للفقراء الذين في مكة وحولها خصوصا في تهامة والساحل ومناطق كثيرة من الجنوب الذي يستهزئون به كثيرًا؟ لا سيما في جازان وصبيا وبيش وأبي عريش، بل إن الفقر [موجودٌ] في المدن الأخرى الكبرى، وقد زار بعض المتطوعين “أضم” فرأوا الفقر الشديد هناك.

وقال مستشهدًا بموقف عايشه بنفسه:

وأنا استدعيت وقيل لي كيف تتبرع للصومال بغير إذن من الحكومة؟ فكتبت لوزير الداخلية في حينه سورة “الماعون”، وذلك حين كان لي وظيفة. والآن أصبح التبرع نوعا من “الإرهاب” لا بد أن يسجن أصحابه كما فعلوا بمؤسسة الحرمين الخيرية، ومن العجيب أن بعض الإدارات في جدة ظنّ أن كل شيء عليه اسم “الحرمين” تابع لهذه المؤسسة، فجاءوا بورشة الحرمين ومغسلة الحرمين وكل ما فيه ذكر الحرمين! ولا أدري أسَلِم منهم طريق الحرمين أم لا؟!

وأخير أفرد بابًا عن القضاء والقضاة الذي ناقش فيه مسألة الخروج على الحاكم، وشخّص فيه حال القضاء السعودي وما هو عليه من اضطراب وفساد وعدم استقلالية ووصف علاجه قائلا:

ولو أن القائمين عليه أرجعوا كل شيء للشريعة الغرّاء وجعلوا القاضي مستقلاً حقاً لسلم من ذلك.

كما لم يخلو هذا الباب من سرد لقصص من الواقع عن ظلم القضاء السعودي وممارسة التعذيب والإرهاب بحق المعتقلين، وشهد الشيخ في هذا الشأن قائلا:

وأنا أعرف بعض من عٌذبوا ومنهم جعفر الحايك الذي مات تحت التعذيب، وممن عذبوه الشليل والحكمي والقحطاني، وغيرهم ممن أخاف عليه ولا أسميه، كما رأيت بعض أدوات التعذيب ومنها الدينامو، كما رأيت آثار التعذيب في سجن “الحائر”، وبعض الناس اعترف تحت التعذيب وأقيم عليه حد القصاص، وبعد موته جاء القاتل الحقيقي وسلم نفسه واعترف بتفاصيل القتل! ومن العجب أن يحكم القضاة ببراءة شخص بينما يكون قد أمضى الشهور بل السنين وهو يحقق معه أو يعذَّب! كما إني أعجب لمن يحكم الأمريكان بإطلاقه من “غوانتانامو” ثم يسجن هنا، وبعض الدول القريبة تطلقه فورا، ولا يعترض الأمريكان على ذلك، وإن اعترضوا فلا قبول لاعتراضهم.

وقد أعطى الشيخ لكل بابٍ حقّه من التفصيل والسرد وضرب الأمثلة من التاريخ والواقع.

ومن ملاحظاته الهامّة في هذا الفصل أنّ تطور الفكر الديمقراطي كشف عيوب الثقافة الغربية وأظهر كيف أن السيادة للأقوى بحق النقض والدول الخمس الدائمة العضوية يناقض ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على المساواة، وقانونها الدولي القائم على التساوي بين الأعضاء!

وخلاصة القول:

إن الدعوة إلى الديمقراطية أو أية فلسفة غربية أو شرقية هي اتباع دينٍ غير الإسلام، وهي شركٌ بالله تعالى حذر منه كل الأنبياء، وآخرهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلوات الله عليه لم يحذّر من الشرك فقط، بل سدّ الذرائع الموصلة إليه، وحمى التوحيد وحاطه من كل جوانبه. فالمسألة في منتهى الخطورة، والتوحيد هو أعظم ما دعا إليه المُصلِحون في كل زمن.

ترامب

دونالد ترامب من الإنجيليين الجدد المتعصبين لإسرائيل، كان حاضرًا في طرح الشيخ وبقوة، فقد استرسل في وصفه ووصف منهجه وفترته الرئاسية الجارية، مسلّطًا الضوء بمرارة على موقفه من السعودية التي في نظره ليست إلا “كيس فلوس ضايع”!

وفي خضم هذه المرارة تطفو أحاسيس روحه المثقلة ليقول:

أقول: نستحق ذلك لأننا سكتنا ولم ننكر المنكر، ورضينا بالحياة الدنيا من الآخرة، وما بقي إلا تكلفة بناء الهيكل، فهل تبنيه الإمارات مثلاً؟ تلك الإمارات التي تشتري البيوت من المقدسيين وتعطيها لليهود، أم نبنيه نحن ونحفر القناة بين البحر الأبيض وخليج العقبة؟ قد يقال إنّ هذا خيال، لكن أقوال ترامب نفسه لا تدع للريب مجالاً ، وقد صرّح أنه على العرب تمويل دفاع أمريكا عنهم، وعليهم تمويل المناطق الآمنة التي تقترحها أمريكا في سوريا، وتمويل الجيش الأمريكي إن أرادوا بقاءه فيها.

ثم أعقب هذا الشجن بدعاءٍ جاء فيه:

نسأل الله أن نعود لرشدنا، وأن نتمسك بديننا، ونعرف عدونا من صديقنا، وأن نجاهد في سبيله، وأن تكون الآخرة أحب إلينا من الدنيا، وأن يُبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وعزاؤنا في هذه المصيبة الجلل أن بغض اليهود يجري في عرق كل مسلم مع الدم، وأن قلوب كل المسلمين تعاديهم.

ومن أبرز ما برق في ذكر ترامب في هذا الباب، قول الشيخ:

من المعلوم أن دونالد ترامب ينتمي للكنيسة الإنجيلية (الفرع المشيخي) ولكن الكنيسة تبرأت منه؛ فمتى يتبرأ منه المسلمون؟!

فصل خاص بالفكر الاجتماعي

وتحت عنوان الفكر الاجتماعي تناول الشيخ الحديث عن علم الاجتماع، وفيه سلط الضوء على أنّ الحضارة الغربية كثيرةُ الأمراض الاجتماعية. وأن المجتمعات الغربية اليوم قسمان متناحران كبيران، أحدهما شيوعي أو اشتراكي، قد يقال له اليساريون، والآخر رأسمالي ربوي قد يقال له اليمينيون.

وفي باب آخر منفرد تناول الشيخ الحديث عن بعض المجتمعات الإسلامية وكان منها العناوين التحتية اللافتة: سلطنة عمان، أزمة الخليج، بلاد الشام، العراق، السودان، تركيا، القصيم، مصر، إندونيسيا، مجتمع رجال الأمن، إفريقيا القارة المستباحة، جماعة الإخوان المسلمين وبقايا الدين في المجتمعات العربية.

ومما ذكره الشيخ عند إعطائه فكرة وجيزة عن الإعلام، وسرده لتاريخ النشاط الإعلامي في السعودية، ذكره لملاحظة على جريدة الشرق الأوسط حيث قال:

ومن عجائب جريدة الشرق الأوسط أنها كانت تطبع نُسخًا محدودةً جدا خاصةً بالزعماء العرب الذين انتقدوا الجريدة ومنهم معمر القذافي، وكان كل منهم يقرأ النسخة الخاصة به ويظن أنها النسخة العامة من الجريدة!

وختم الشيخ هذا الفصل بباب مفصل عن البيئة والنظافة وفصل فيه وأجاد كعادته.

فصل خاص بالفكر العلمي

أما فصل الفكر العلمي فلخّص فيه الشيخ بشكل أبوابٍ الفكرَ العلمي ومصدر المعرفة والمنهج العلمي والتأليف. كما أفردَ بابًا خاصًّا ببعض ميّزات المنهج المعرفي الإسلامي وضوابطه، وآخر للفلسفة وآخر لقضايا علمية عامّة. وكذلك فعل مع الفنون العلمية المختلفة كالهندسة والرياضيات والصيدلة والطاقة والطب، والصناعة والفلك والأحياء، وعلم النفس واللغة والأدب والفن.

المَخرج من كيد الغرب وكيف نتّقي لَفَح الحضارة الغربية

ثم في فصلٍ آخر عنونه الشيخ بعنوان “المخرج من كيد الغرب وكيف نتقي لفح الحضارة الغربية” يجيب الشيخ بعد ما سبق من استعراضٍ إجمالي لأهم مناحي الفكر، وما ينبغي لنا إزاءها على سؤال شديد الإلحاح، تاهت في الجواب عليه كثير من العقول الجبّارة، وهو ما المخرج من هذا الكيد والمكر؟ وكيف نتقي لفح هذه الشرور التي تهب علينا من الشرق والغرب، أو كيف نقود نحن العالم ونستعيد مجدنا؟

فالمسلمون اليوم في مخاض شديد وولادة صعبة، ولكن لا يفوتنا أن الإسلام لا يولد طفلا ضعيفًا وإنما يولد عملاقًا هائلا يرتجف منه الشرق والغرب. بحسب تعبير الشيخ.

واسترسل في سرد الجواب في هذا الفصل على شكل أبواب، بالحديث بداية عن الزهد في الدنيا ومعرفتها على حقيقتها كأهم ما يستعين به المسلمون على المادية الغربية الجارفة وعلى الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، ثم الجهاد الذي سلّط فيه الضوء على ضرورة ترتيب العداوة، وعلى مشكلة ما يسمى الإرهاب. مُبرزًا كيف يكون أثر الترف في التخلي عن الجهاد سببا في سقوط الدول. ومستشهدًا بقاعدة مهمة في رقي الدول، حين تتوازن العوامل الثلاث التي ذكرها ابن طباطبا بعد استقرائه لحال أكثر الأمم، وهي:

1- الحاكم العادل.

2- العالم العامل.

3- الرعية المجاهدة.

وهذا ما تتيحه الخلافة على منهاج النبوة ونرجو أن يتوفّر أيضا، بحسب ما علق الشيخ في هذا الفصل.

فصل ختامي: لمن المستقبل؟

ثم فصلٌ زاخرٌ آخر بعنوان لمن المستقبل؟ وهنا ألقى الشيخ بعصارة فكره وظلال اجتهاده ليلخّص فيه المفاهيم التي رسّخها في تأكيد أن المستقبل هو لدين الفطرة دين الإسلام العظيم.

ملاحق لا تقل أهمية

وفي ختام سفره الثقيل، قدم الشيخ سفر الحوالي في ملاحق منفصلة، نصيحةً خاصة موجهة للعلماء، وأخرى خاصة موجهة للدعاة. ثم نصيحة للعائلة الحاكمة في بلاد الحرمين، آل سعود، وعرض فيها بعض الأوضاع الموجبة للإصلاح الفوري بحسب رأيه.

ليجعل مسك الختام مجموعة من النتائج والتوصيات لكل فرد ولكل مجتمع إسلامي.

كلمة أخيرة

لقد خط الشيخ سفر الحوالي كتاب المسلمون والحضارة الغربية بشعور المودّع، الذي يتأهب للرحيل. تشدنا فيه تلك الغزارة في الطرح، والكمّ الهائل من المعلومات الذي يعكس معرفةً عميقة بالكتابات المختلفة المصادر والعقائد، سردها بشكلٍ مطول ولكنه سريعٌ يؤكد أنه حاول الاختصار كثيرًا، ومع ذلك تعدى الثلاثة آلاف صفحة!

لا ندري عن مصير المؤلف، رحمه الله حيًا كان أو ميتًا ولكننا نشهد بأنه أفضى ما في جعبته ورفع ثقل الأمانة عن كاهله ونصح في الله وقال كلمته الحق في سلطانٍ جائر، وأما عمّا أصاب فيه أو أخطأ فهو بين الأجر والأجرين، كما نحسبه، وإنما يمضي الرجال ويبقى الأثر، وهذا أثر رجل نهايته مشرّفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى