مقالات

حفظ الدين وصيانة التدين من التشويه والاستغلال

حفظ الدين وصيانة التدين من التشويه والاستغلال

د. وصفي عاشور أبو زيد

قد يفتح الإنسان هاتفه باحثًا عن فتوى تطمئن قلبه، أو موعظة تقرّبه من ربه، فيجد من يستدرج ثقته بكلمات مؤثرة، ثم يكتشف أن محبته للدين أصبحت بابًا لاستغلاله!

وما أقسى أن يُخدع الإنسان في الموضع الذي يلتمس فيه الهداية والأمان!

حفظ الدين من أعظم مقاصد الشريعة؛ وهو يشمل صيانة الوحي وهدايته، وسلامة تبليغه وفهمه وفق أصول العلم، وتمكين الناس من معرفته والعمل به على بصيرة.

أما صيانة التدين فتقتضي حماية الممارسة الدينية من الجهل والرياء والتوظيف المخادع، وليس من حفظ الدين أن نمنح العصمة لكل متحدث باسمه؛ فحجية الوحي شيء، وصواب اجتهاد البشر شيء آخر.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].

وما أحوجنا إلى هذا الميزان في فضاء تُقتطع فيه الفتاوى من سياقاتها، وتُروَّج أحاديث لا تثبت، وقد تُستعمل فيه العبارات الدينية لابتزاز المشاعر، أو استدرار الأموال بالخداع، أو إسكات الأسئلة المشروعة!

وقد نقل ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن ابن الجوزي تحذيره ممن يتصدر للفتوى وليس من أهلها، وممن يجعل مجالس العلم ساحة للمغالبة والظهور.

وما أعمق هذا التنبيه في زمن قد تُمنح فيه الشهرة الرقمية لصاحبها سلطة دينية لا تسندها أهلية علمية!

غير أن ظهور المتحدث أو انتفاعه المشروع بعمله لا يكفي للحكم عليه بالرياء؛ فالنيات لا يعلم حقيقتها إلا الله، وإنما يُنظر في صدق القول، وصحة العلم، وأمانة الأداء.

ونقد فتوى خاطئة ليس طعنًا في الدين، وكشف استغلال موثق باسمه قد يكون حماية له وللناس، كما أن خطأ بعض المنتسبين إليه لا يسوّغ السخرية من شعائره أو تعميم التهمة على أهله.

فلنتثبت قبل نشر الفتاوى والمواعظ، ولنزن الخطاب بالدليل والأمانة، لا بعدد المتابعين.

إن صيانة الدين لا تكون بإسكات النقد، ولا بصناعة القداسة للأشخاص، وإنما بأمانة البلاغ، وبصيرة الفهم، وحماية قلوب الناس من أن تتحول ثقتهم بالوحي إلى غنيمة للمستغلين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى