مقالات

إلى أذربيجان الشقيقة؛ نداء لحماية حق الطالبات في التعليم والحجاب

إلى أذربيجان الشقيقة
نداء لحماية حق الطالبات في التعليم والحجاب

أ.د محمد غورماز

أذربيجان شقيقتنا، ومن شأن الأشقاء أن يتقاسموا أفراحهم وأحزانهم، وأن يتناصروا في السراء والضراء؛ فالأخوّة في الإسلام هي عهد من المسؤولية المتبادلة؛ نؤازر أخانا إذا وقع الظلم عليه، وننصحه ونمنعه إذا وقع الظلم منه.

قال رسول الله ﷺ: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يديه”.

ونحن إذ نكتب هذه الكلمات بصدق وإخلاص، لنرجو أن تُفهم في إطار حقّ هذه الأخوّة المباركة.

إن حرمان الطالبات المحجّبات من دخول المدارس في أذربيجان الشقيقة، وانتزاع حقّهن في التعليم بسبب تمسّكهن بحجابهن، لهو أمر يثير الأسف والحزن. وهو ما يضعنا اليوم أمام واجبَي الأخوّة معًا: واجب الوقوف إلى جانب المظلوم، وواجب النصح الصادق لمن يقع في الظلم.

لقد عاشت تركيا كابوس الثامن والعشرين من شباط/فبراير 1997، بل تجرعت مرارته. وما زلنا نذكر كيف بدأت تلك المرحلة بممارسات استهدفت فتياتنا في ريعان شبابهن، ثم امتدّت وتوسعت حتى شملت آثارها المجتمع بأسره، وخلّفت في نفوس أبنائه جراحًا لم تندمل بعدُ.

إن سلب الناس حرية الاعتقاد والعبادة، والتضييق عليهم بسبب إيمانهم، وجعل الشعائر والرموز الدينية موضوعًا للملاحقة وذريعةً للتعقّب على يد أجهزة الدولة، لم يكن يومًا سبيلًا إلى خيرٍ، أيًّا كان المكان أو الزمان، وأيًّا كانت الذرائع المرفوعة أو الحسابات السياسية الكامنة وراء تلك الممارسات.

فما أقامت هذه السياسات دولةً، ولا زادت سلطةً هيبةً، ولا صنعت لشعبٍ مجدًا؛ وإنما خلّفت في وجدان الأمم ندوبًا عميقة.

وأيّ عدلٍ في أن تُخيَّر الطفلة بين دينها وتعليمها؟ وأيّ إنصافٍ يجعل تخلّيها عن حقها في الاعتقاد ثمنًا لنيل حقها في التعليم؟

إن إرغام الأطفال على الاختيار بين إيمانهم ومدارسهم لا يقرّه أيُّ عدل، ولا يرضاه ضمير، ولا تقبله كرامة.

إننا نقول دائمًا عن تركيا وأذربيجان دولتان، وشعب واحد.

وليس هذا الشعار مجرّد عبارة تستحضر التاريخ المشترك أو تصف وشائج الأخوّة بين شعبين، بل هو عهد يقتضي منا أن نتعلّم من تجارب بعضنا، وأن نتّعظ بما أصابنا، وألّا نترك أخطاء الماضي تتكرّر في حياة إخواننا.

لقد كان نصر قره باغ شاهدًا على ما يتحلّى به أهلنا في أذربيجان من إيمان وتضحية، وعلى ما يملكونه من عزيمة لا تنكسر وإرادة لا تلين.

فلم يكن الذين ارتقوا شهداء في قره باغ وسائر الجبهات يذودون عن الأرض وحدها، بل كانوا يدافعون أيضًا عن القيم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم على هذه الأرض، باذلين أرواحهم كي يورثوا أبناءهم وأحفادهم تلك القيم.

فكيف يُعقل أن تكون القيم التي استمدّ منها هذا الشعب عزيمته، واستند إليها في محنته، ودافع عنها أبناؤه بأرواحهم، موضعَ تضييق وحظر في حياته اليومية؟!

وبأي حق يُطلب من الأجيال الشابة أن تعتزّ بما ورثته عن أسلافها، ثم تُعاقَب حين تعبّر عن ذلك الاعتزاز في مظهر من مظاهر تدينها؟!

إن الدول لا تعظُم بالتضييق على عقائد شعوبها، ولا تترسّخ هيبتها بمصادرة حرياتهم، ولا تزداد قوتها بحرمانهم من حقوقهم.

إنما عظمة الدولة في عدلها، وهيبتها في إنصافها، وقوتها في صون حقوق مواطنيها وحرياتهم وكرامتهم.

ومن هنا، فإننا نناشد المعنيين أن يراجعوا هذه الممارسة التي لا تليق بتاريخ أهلنا في أذربيجان، وأن يضعوا حدًّا لها دون إبطاء، وأن يكفلوا للفتيات حقّهن في التعليم دون إرغامهن على الاختيار بينه وبين معتقداتهن.

وهو نداءٌ إلى كل من يؤمن بحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، ورجاءُ كل مسلم محب يتمنّى الخير لأذربيجان الشقيقة، ونداءٌ يخرج من أعماق قلب كل أبٍ حنون لا يحتمل قلبه رؤية ابنته حزينةً مهانةً.

وإلى أهلنا في أذربيجان أطيب التحايا، وأخلص الدعوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى