كتب وبحوث

ثورة التوابين قراءة تأريخية تحليليةعن ثورة جماعة التوابين 3من 4

ثورة التوابين قراءة تأريخية تحليليةعن ثورة جماعة التوابين 3من 4

إعداد د. هاني السباعي

خلاصة خطة والي قرقيسيا

  1. أن يسرع التوابون إلى منطقة عين الوردة، وهي عين بها ماء قبل عدوهم وكأنه يذكرهم بمشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل معركة بدر 2هــ.
  • ألا يقاتلوهم في أرض مكشوفة لأن جند الشام أكثر عدداً.
  • ألا يقاتلوا عدوهم في صف واحد لعدم وجود رجالة (المشاة) الذين يحمون الفرسان.
  • أن يقسموا أنفسهم إلى كتائب بغية تشتيت مجهود عدوهم، مع وجود كتيبة احتياطية تحارب بجانب الأخرى لحمايتها ولإعطائها الفرصة لالتقاط أنفاسها في حالة التعب.
  • نلاحظ أن زفر بن الحارث يرسم خطته مع اعطاء تبريرات وفوائد هذه الخطة التفصيلياً، ولولا خشية الإطالة كان لنا مع هذه الخطة دراسة مستفيضة.

نلاحظ أن التوابين أخذوا بهذه النصيحة وقاتلوا عدوهم عند عين الوردة كما أراد زفر بن الحارث، مما ساعدهم في النيل من عدوهم في أول المعركة.

معركة عين الوردة 65 هــ

ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة، فقام أميرهم سليمان بن صُرد رضي الله عنه مبيناً لهم كيفية قتال عدوهم:

“أما بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل والنهار، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم القتال واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولِّينَّهم امرؤٌ دُبُرَه إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، فإنّ هذه كانت سيرة علي (ابن أبي طالب رضي الله عنه) في أهل هذه الدعوة”[1].

“ثم قال: إن أنا قُتلتُ فأمير النّاس مسيب بن نَجَبَة، فإن قُتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نُفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رِفاعة بن شدّاد، رحم الله امرأً صدق ما عاهد عليه الله”[2].

هكذا كانت سريةُ مؤتة 8هــ ماثلةً أمام ابن صُرد وهو يوصي جماعته في اختيار الأمير حالة قتله.

وأقبل جند الشام في جيش عرمرم (ثلاثين ألف رجل) في مقابل تعداد جيش التوابين أقل من أربعة آلاف رجل، والتقى الجمعان في عين الوردة وحمي وطيس المعركة غير المتكافئة، ودارت رحى المعركة فقاتل أميرهم ابن صرد حتى قتل رضي الله عنه فأخذ عنه الراية ابنُ نَجَبَة فقاتل حتى قُتل فأخذ الراية عبد الله بن سعد، فقاتل حتى قتل فأخذ الراية عبد الله بن وال فقاتل حتى قتل. ثم أخذها رفاعة بن شداد فانحاز بالناس إلى حصن قرقيسيا ومنها إلى الكوفة حتى تشتت الناس في بقاع الأرض، وأسدل الزمن ستاره على جماعة التوابين وهم مابين قتيل وجريح وطريد وأسير.

هكذا أسدل التاريخ ستاره على جماعة التوابين، الجماعة التي صرنا نتذاكرها في سجل التاريخ العريض، لكن حركتهم وللأسف الشديد منسية لم تأخذ العناية الكافية من الدراسة والتحليل والقاء الضوء، هذه الجماعة التي كان يتزعمها أشياخ وأهل صلاح؛ تقوى وشجاعة.

هكذا كانت نهاية جماعة التوابين التي لم يظهر لها أثر مادي بعد ذلك خلال الحقب التاريخية كبعض الجماعات الأخرى التي كانت لها أتباع يحيون أفكارها وكان لهم أثر لا ينكر على مسرح التاريخ الإسلامي. أما جماعة التوابين فقد قتل قادتهم وقتل معظم جيشهم في عين الوردة، ومن عاش أثخنته الجراح أو أنهكه الأسر أو خذله الأعوان. لكنهم رغم قلتهم ضربوا أروع الأمثال، وسطروا صحائف من ضياء في البطولة والجهاد في سبيل الله رحمة الله عليهم.

مواقف جهادية لبعض قادة وأعضاء جماعة التوابين

الأمير عبد الله بن وال التميمي

ذكر الطبري بسنده: “قال: قال لنا ابن وال: مَنْ أراد الحياة التي ليس بعدها موتُ، والراحة التي ليس بعدها نَصَبٌ، والسرورَ الذي ليس بعده حزنٌ، فليتقرب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلِّين، والرواح إلى الجنة رحمكم الله! وذلك عند العصر، فشدّ عليهم وشددنا معه، فأصبنا منهم رجالاً، وكشفناهم طويلاً، ثم إنهم بعد ذلك تعطّفوا علينا من كلّ جانب، فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذي كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلاّ من وجه واحد، ووليَ قتالنا عند المساء أدهم بن مُحرز الباهليّ (أحد قواد الشام)، فشدّ علينا في خيله ورجاله، فقتل عبد الله بن وال التيمي”[3].

موقف عبدالله بن عزيز الكندي

“وخرج عبد الله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمد غلام صغير. فقال: يا أهل الشام، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال. فقالوا: نعم، نحن هؤلاء، فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكندي، فقالوا له: أنت ابن عمّنا، فإنك آمن، فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نوراً وللأرض أوتاداً، وبمثلهم كان الله يُذكَر؛ قال: فأخذ ابنه يبكي في أَثَر أبيه، فقال: يا بنيّ، لو أنّ شيئاً كان آثرَ عندي من طاعة ربي إذاً لكنتَ أنت، وأَنشدَه قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأُروا الشاميون له ولابنه رِقَّة شديدة حتى جزعوا وبكوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفهم عند المساء، فقاتل حتى قُتل”[4]

موقف كريب بن زيد الحميري

لما علم كريب بخطة انحياز رفاعة بن شداد استرجع وسار في مائة رجل لقتال أهل الشام، ولنترك ينقل لنا هذه الصورة بسنده: “أن كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلقاء في جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميري وجمع إليه رجالاً من حمير وهَمْدَان، فقال: عباد الله! رُوحوا إلى ربّكم، والله ما في شيء من الدنيا خَلَف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا الى خطاياهم، فأما أنا فو الله لا أولّي هذا العدو ظهري حتى أرِدَ مَوارِدَ إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك. ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكَلاع: والله إني لأرى هذه الراية حِمْيَرية أو هَمْدَانية، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: أنتم آمنون. فقال له صاحبهم: إنا كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قتلوا”[5].

موقف صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني

مشى في ثلاثين من قومه مُزَينة فقال: “لا تهابوا الموت في الله فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم، ولا تزهدوا فيما رغبتم من ثواب الله فإنَّ ما عند الله خيرٌ لكم؛ ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا”)[6]

موقف عبدالله بن خازم:

“وإنّ رجلاً من بني كثير من الأزد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سهلة بنت عمرو من بني كثير، وكانت من أجمل الناس وأحبَّهم إليه، سمع الصوت: يا لثَارات الحُسين! وما هو ممن كان يأتيهم، ولا استجاب لهم. فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فَرَسه، فقالت له امرأته: ويحك! أجُننت! قال: لا والله، ولكني سمعتُ داعيَ الله، فأنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتى أموت، أو يقضيَ الله من أمري ما هو أحبّ إليه، فقالت له: إلى مَنْ تدعُ بُنَيَّك هذا؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له؛ اللهمَّ إني أستودعُك أهلي وولدى، اللهمَّ احفظني فيهم”[7].. فخرج مع التوابين وقاتل حتى قتل.

أبو عزة القابضي:

لما سمع الناس يصيحون يالثارات الحسين! “فخرج حتى أتى أهله، وأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنتُه (..) فقالت: يا أبتِ، ما لي أراك قد تقلدتَ سيفكَ، ولبستَ سلاحك! فقال لها: يا بُنية، إنّ أباك يفرّ من ذنبه إلى ربّه، فأخذتْ تنتحب وتبكي، وجاءه أصهارُه وبنو عمه، فودّعهم، ثم خرج، فلحق بالقوم”[8].

ملحمة التوابين بالشعر:

لقد صور لنا هذه الملحمة التاريخية أعشى هَمْدَان، وكان الناس يتداولونها سراً، وهي إحدى المكتَّمات، كُنَّ يُكَتَّمن في ذلك الزمان. نظراً لطولها؛ نختار منها بعض الأبيات وهي قصيدة رائعة باكية ذكرها الطبري بتمامها في تاريخه:

ألمَّ خيالٌ منكِ يا أمَّ غالبِ ** فَحُيِّيتِ عنَّا من حبيبٍ مُجانبِ

وما زلتِ شَجْوَاً لي وما زلتُ مُقصَداً ** لِهَمٍّ عَرانِي من فراقِك ناصبِ

ثم يصف لنا ما حدث للتوابين:

وما أنا فيما يُكبرُ الناسُ فقده ** ويسعى له الساعونَ فيها براغبِ

فوجهَّهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائراً ** إلى ابن زيادٍ في الجموعِ الكباكبِ

بقوم همُ أهلُ التقيَّةِ والنُّهَى ** مَصَالِيتُ أنجادٌ سُراةُ مَنَاجبِ

ثم يقول مادحاً ومثنياً ومترحماً عليهم:

فيا خيرَ جيش للعراق وأهله ** سقيتم روايا كلِّ أسحمَ ساكبِ

فلا يَبْعَدنْ فُرساننا وحُماتنا ** إذا البيضُ أبدَت عن خدام الكواعبِ

فإنْ يُقتلوا فالقتلُ أكرمُ مِيتةٍ ** وكلُّ فتىً يوماً لإحدى الشواغبِ

وما قُتلوا حتى أثاروا عصابةً ** محلين ثَوراً كالليوثِ الضواربِ[9]


[1]  السابق 4/181

[2]  السابق نفس الصفحة.

[3]  الطبري 5/603

[4]  السابق 5/604

[5]  السابق 5/604

[6]  السابق

[7]  السابق 5/584

[8]  السابق 5/584

[9]  السابق 5/608-609

(المصدر: رسالة بوست)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى