كتب وبحوث

أحوال التحالف مع الكفار والاستعانة بهم على قتال المسلمين وموقف الفقه الإسلامي من ذلك

إعداد أ. هشام برغش

ثارت تساؤلات عديدة بين طلبة العلم وبعض الدعاة حول موقف كثير من الدول الإسلامية من دعوة بعض الدول الغربية لتشكيل حلف دولي لمحاربة ما يعرف بتنظيم داعش، وما موقف الفقه الإسلامي من الانضواء تحت هذا الحلف، وفي هذه الدراسة العاجلة نتعرض لكلام الفقهاء وموقفهم من مثل هذا التحالف.

وقد تناول العلماء هذا الموضوع تحت مسميات عدة، منها: مناصرة الكفار على المسلمين، أو مظاهرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين، أو موالاة الكفار، أو تولي الكفار، وقد يذكرون لفظ الحلف مع لفظ المظاهرة والمعاونة… إلخ.. وهذه المسميات أغلب في كتب التفسير والعقيدة.

ومنها – أيضًا – الاستعانة بأهل الشرك على أهل الإسلام، والاستعانة بالمشـركين على البغاة، ونحو ذلك، وهذه أغلب في كتب الفقه وشروح الحديث؛ وقد فصّل أصحاب كل فن في الصورة الألصق بفنهم.

أحوال التحالف مع الكفار وصوره:

التحالف مع الكفار أو التناصر بين مسلمين وكفار، ضد مسلمين له حالتان:

الأولى: أن تكون القيادة للكافرين والراية الظاهرة لهم.

فمثل أن ينضم المسلم إلى الكفار، ينصـرهم ويظاهرهم ويعينهم على المسلمين، ويذب عنهم، بالمال، والسنان، والبيان.

والحال الثانية: أن تكون القيادة للمسلمين والراية الظاهرة لهم.

وذلك بأن يكون التحالف أو التناصر بين مسلمين وكفار، ويستعان بالكفار على قتال المسلمين تحت راية أهل الإسلام؛ بحيث يصير الكفار تابعين لأهل الإسلام، مؤتمرين بأمرهم.

فهاتان الحالتان لكل منهما حكمه الخاص به:

أما الحال الأولى: التي تكون القيادة للكافرين والراية الظاهرة لهم:

وهي: الانضمام تحت لواء الكفار، لحرب المسلمين، وكسـر شوكتهم؛ فهذا من أعظم صور الموالاة، وأخطرها على الإطلاق، وهو خيانة عظمى لله ولرسوله والمؤمنين، وهو كفر يخرج من الملة، والعياذ بالله[1]. والأدلة في هذا كثيرة، منها:

قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: ٥١].

حيث بين الله تعالى أن من فعل ذلك فهو منهم، أي من أهل دينهم وملتهم، فله حكمهم [2].

قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية: «إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًا من دون الله ورسوله والمؤمنين؛ فإنه منهم في التحزب على الله ورسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان…» [3].

ثم قال: «يعني تعالى ذكره بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ومن يتول اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصـرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه، وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمُه حكمَه…»[4].

وقال ابن حزم: «وَصَحَّ أَنَّ قَوْلَ الله تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51] إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِنْ جُمْلَةِ الْكُفَّارِ فَقَطْ – وَهَذَا حَقٌّ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ المُسْلِمِينَ» [5].

ومنها قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) [آل عمران: ٢٨].

قال الإمام الطبري: «معنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافونهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل» [6].

فالالتجاء إلى الكفار اختيارًا ومناصرتهم ضد المسلمين يعد ردة عن الإسلام – والعياذ بالله -.

ونصوص العلماء في ذلك كثيرة، منها:

قال ابن حزم: «من لحق بدار الحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها…» [7].

وقال ابن تيمية: «وكل من قفز إليهم – يعني: إلى التتار – من أمراء العسكر، وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم من الرِّدَّةِ عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام» [8].

وقال – أيضًا -: «فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة…» [9].

وقال ابن القيم: «إنه سبحانه قد حكم ولا أحسن من حكمه؛ أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم…» [10].

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض…» [11] ثم ذكرها، ومنها مظاهرة المشـركين على المسلمين، حيث قال: «الثامن: مظاهرة المشـركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)» [12].

وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: «التولي: كفر يُخرج من الملة، وهو كالذبِّ عنهم، وإعانتهم بالمال، والبدن، والرأي» [13].

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: «وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51]، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [التوبة: ٢٣]» [14].

وقد أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى شهيرة في حكم الأحلاف العسكرية مع غير المسلمين، جاء فيها:

«ولا ريب أن مظاهرة الأعداء وموالاتهم يستوي فيها إمدادهم بما يقوي جانبهم ويثبت أقدامهم بالرأي والفكرة، وبالسلاح والقوة سرًا وعلانية، مباشرة وغير مباشرة. وكل ذلك مما يحرم على المسلم مهما تخيل من أعذار ومبررات.

ومن ذلك يعلم أن هذه الأحلاف – التي تدعو إليها الدول الاستعمارية، وتعمل جاهدة لعقدها بين الدول الإسلامية؛ ابتغاء الفتنة، وتفريق الكلمة، والتمكين لها في البلاد الإسلامية، والمضـي في تنفيذ سياستها حيال شعوبها – لا يجوز لأي دولة إسلامية أن تستجيب لها وتشترك فيها؛ لما في ذلك من الخطر العظيم على البلاد الإسلامية… وهي في الوقت نفسه من أقوى مظاهر الموالاة المنهي عنها شرعًا، والتي قال الله تعالى فيها: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١].

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن موالاة الأعداء، إنما تنشأ عن مرض في القلوب يدفع أصحابها إلى هذه الذلة التي تظهر بموالاة الأعداء، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ )[المائدة: ٥٢]» [15].

فنصت الفتوى على علاقة هذه التحالفات وارتباطها الوثيق بالموالاة والمظاهرة المحرمة.

فهذه نماذج من أقوال العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة، ولعل ما ذكر – هنا – كافٍ في إعطاء تصور موجز لحكم هذه الصورة. والله أعلم. فهذا هو حكم الحال الأولى.

ولاشك أن هذه الحال هي الألصق بمسألة التحالف المزمع عقده لمواجهة ما يعرف بتنظيم داعش؛ فالراية والغلبة في هذا التحالف ليست لدولة إسلامية، وإنما تخضع إمارة هذا التحالف للولايات المتحدة الأمريكية الداعية لهذه الحرب، ومن استجاب لدعوتها من الدول الغربية غير الإسلامية.

ولعل معترضًا يقول: إن الراية والغلبة ليست لهذه الدول غير الإسلامية، ومن ثم فلا ينطبق هذا الحكم على هذا التحالف الذي نحن بصدده، وهذا يحتم علينا بحث حكم الحال الثانية وهي:

وأما الحال الثانية: التي تكون القيادة للمسلمين والراية الظاهرة لهم:

حيث يكون التحالف أو التناصر بين مسلمين وكفار، والاستعانة بهم على قتال المسلمين تحت راية أهل الإسلام؛ بأن يصير الكفار تابعين لأهل الإسلام، مؤتمرين بأمرهم- فهذه المسألة لها عدة صور:

الصورة الأولى: الاستعانة بالكفار، في قتال دولة مسلمة عادلة.

الصورة الثانية: الاستعانة بالكفار، في قتال دولة مسلمة جائرة.

الصورة الثالثة: الاستعانة بالكفار، في قتال أهل البغي.

فأما الصورة الأولى: وهي الاستعانة بالكفار، في قتال دولة مسلمة عادلة:

فلا خلاف بين أهل الإسلام قاطبة أنها تعتبر جريمة عظيمة وخطيئة كبيرة، فاعلها في غاية الفسوق، إلا أنه لا يكون بذلك [16] كافرًا كفرًا يخرجه من ملة الإسلام [17] ، لكنه على خطرٍ عظيم [18].

وأما الصورة الثانية: وهي: الاستعانة بالكفار، في قتال دولة مسلمة جائرة: فهذه يختلف حكمها باختلاف نية فاعلها وقصده:

– فإن كان فاعل ذلك يريد من ورائه غرضًا دنيويًا؛ كالسلطة وجمع الثروات؛ فهو جرم عظيم للغاية [19] ، وكيف يجرؤ مسلم على سفك دماء المسلمين بنفسه، حتى يجرؤ على الإثخان فيهم باستعانته عليهم بأعداء الله الكفرة، الذين لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة؟!!

– وإن كان فاعل ذلك يريد إزالة الظلم، فالأصل أن فعله هذا خطأ محض، ومعصية توجب التوبة، وإن كانت دون سابقيها؛ لوجود الشبهة [20].

وفي الاستعانة بالكفار والاستنصار بهم ضد الدولة المسلمة الجائرة، تسليط للكفار على المسلمين، وهو محرم شرعًا [21].

وأما الصورة الثالثة: وهي: الاستعانة بالكفار، في قتال أهل البغي [22] ؛ بمعنى استعانة أهل العدل واستنصارهم بالكفار وتجنيدهم ضد أهل البغي؛ أو استعانة الدولة المسلمة العادلة بالكفار وتحالفها معهم في قتالها ضد البغاة الخارجين عليها؛ فهذه مسألة وقع فيها خلاف بين الفقهاء؛ وبيان هذه المسألة على النحو التالي:

تحرير محل النزاع في هذه المسألة:

لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التحالف مع الكفار والاستعانة بهم على أهل البغي؛ إذا كان حكم الشرك هو الظاهر، فالجميع متفقون- كما سبق- على أن ذلك لا يحل [23].

وإنما ينحصـر الخلاف في هذه المسألة، إذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر؛ والذي عليه جمهور العلماء من المالكية [24] ، والشافعية [25] ، والحنابلة [26] ، والظاهرية [27] هو عدم جواز التحالف مع الكفار والاستعانة بهم على البغاة، مطلقًا سواء أكان حكم أهل العدل هو الظاهر أم لا.

وأصحاب هذا القول في استثناء حالة الضرورة من المنع فريقان [28]:

الأول: يمنع ذلك مطلقًا؛ أي وإن دعت الحاجة أو الضرورة [29] إلى ذلك.

وهذا ظاهر قول المالكية [30] ، والشافعية [31] ، وبعض الحنابلة [32].

وقد استدل الجمهور على عدم جواز التحالف مع الكفار والاستعانة بهم على البغاة، بالكتاب والسنة والمعقول:

أ-الكتاب:

-قول الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء: ١٤١].

وجه الدلالة: قالوا: إن البغاة قوم من المسلمين، والاستعانة بالكافر عليهم تسليط له على المسلم، وتسليط الكافر على المسلم محرم شرعًا.

قال النووي: «لا يجوز أن يستعان عليهم بكفار؛ لأنه لا يجوز تسليط كافر على مسلم، ولهذا لا يجوز لمستحق القصاص من مسلم، أن يوكّل كافرًا في استيفائه، ولا للإمام أن يتخذ جلادًا كافرًا لإقامة الحدود على المسلمين» [33].

وقال البهوتي: «ويحرم استعانة عليهم [يعني البغاة] بكافر؛ لأنه تسليط له على دماء المسلمين، وقال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء: ١٤١]» [34].

ب-السنة:

1- حيث احتجوا بالأحاديث العامة التي وردت بمنع الاستعانة بالمشركين، ومنها:

قول النبي ﷺ لمشـركٍ أدركه في طريقه ﷺ إلى بدر، وطلب أن يتبعه في الغزوة: «فارجع فلن أستعين بمشرك» [35].

وجه الدلالة: قالوا: الحديث عام في منع الاستعانة بالمشـركين مطلقًا، إلا ما استثني بدليل من إجماع أو غيره.

قال ابن حزم: «وهذا عموم مانع من أن يستعان به [يعني المشـرك] في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء؛ إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه، كخدمة الدابة أو الاستئجار، أو قضاء الحاجة ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الصغار؛ والمشرك اسم يقع على الذمي والحربي» [36].

ج-المعقول: وذلك من وجوه:

الأول: أن القصد من قتال البغاة كفُّهم وتفريق شملهم، وردهم إلى الطاعة، لا قتلهم؛ والكفار يتدينون بقتلهم، فهم غير مأمونين على نفوسهم، بل وحريمهم، لما يعتقدونه دينًا من إباحة دمائهم وأموالهم التي أوجب الله تعالى حظرها وأمر بالمنع منها، ويتشفّون من المسلمين بذلك، فلا تجوز الاستعانة بهم على البغاة [37].

الثاني: أن الكافر لا يستعان به في قتال الكفار؛ فلأن لا يستعان به في قتال مسلم من باب أولى [38].

الثالث: أن هذا القول يجعل المشـرك في منزلة ينال بها مسلمًا حتى يسفك بها دمه؛ مع أن القائل به يمنع المشـرك من ذبح النسك، إذا كان تقربًا إلى الله عز وجل، فكيف أجاز أن يجعل المشـرك في منزلة ينال بها من مسلمٍ، مع منعه من تسليطه على شاته التي يتقرب بها إلى ربه؟! [39].

ومما سبق فإن القول بجواز الاستعانة بالكفار على البغاة – حتى إذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر – فإنه قول لم يستقم له دليل، بل يعارض الأدلة الصحيحة المستقيمة؛ ومن هنا كانت نصوص الأئمة حاسمة حازمة في بيان هذا الحكم:

فقد قال الإمام الشافعي: «لا يجوز لأهل العدل عندي أن يستعينوا على أهل البغي بأحد من المشركين؛ ذمي ولا حربي، ولو كان حكم المسلمين الظاهر؛ ولا أجعل لمن خالف دين الله، الذريعة إلى قتل أهل دين الله» [40] ، فتأمل هذه الجملة الأخيرة.

وقال الشوكاني: «وأما الاستعانة بالكفار فلا تجوز على قتال المسلمين؛ لأنه من تعاضد الكفر والإسلام على الإسلام، وقبح ذلك معلوم، ودفعه بأدلة الشرع لا تخفى» [41].

وعليه؛ فلا يجوز تجنيد غير المسلمين في قتال المسلمين وإن كانوا بغاة.

ومما يترتب على ذلك من الآثار في واقعنا ومسألتنا هذه: عدم مشـروعية هذا التحالف والتداعي إليه والمشاركة فيه بأي صورة من الصور، وخطأ من يجوز التحالف مع الأمريكان وغيرهم من الكفار ضد هذا الفصيل المسمى داعش- رغم كل ما نسب إليه من شطط وغلو وانحراف-.

وغير خاف أن هذا الفصيل لم يبلغ من القوة والبأس والاستعصاء ما يدعو لتحالف عالمي على هذا النحو، في الوقت الذي يغض العالم فيه الطرف عن الجرائم والمجازر الوحشية التي تقع بحق الشعوب المسلمة السنية سواء في سورية أو فلسطين أو العراق أو أفريقيا أو في الصين وبورما وغيرها؛ ومن ثم فإن الريبة في أهداف هذا التحالف وتداعياته الخطيرة على أهل السنة، وتوقيت تدشينه لاتخفى على ذي عينين.

ناهيك عما في هذه الحرب من استنزاف هائل لمقدرات وثروات الشعوب العربية والإسلامية المنضوية تحت راية هذا التحالف؛ فهي وقود المعركة وميدانها، وبقية دول هذا التحالف من غير المسلمين هي المستفيد الأعظم اقتصاديًا؛ حيث ستزدهر وتروج بضاعتها من الأسلحة الكاسدة، والبضائع الراكدة، وهي المستفيدة سياسيًا؛ حيث ستفرض كلمتها وتبسط نفوذها، وعسكريًا؛ حيث تستنزف قوة أعدائها من الدول السنية، وتزيدها ضعفًا وتمزقًا وتشتتًا، وتورثها ثارات وعداوات بين أبنائها وعلمائها، ودينيًا ؛ حيث تفتح المجال واسعًا لمؤسسات التنصير، أو لحليفها التاريخي الرافضـي ليبسط نفوذه وينشـر مذهبه ويتوسع في بلاد السنة.

إن عبء منع إقامة مثل هذا التحالف الخطير يقع على العقلاء والحكماء من السياسيين والقادة، وعلى العلماء الربانيين الناصحين، والأمة والحمد لله لا تعدم هؤلاء ولا أولئك.

ولاشك أن مواجهة هذا الفصيل يقع بالدرجة الأولى على كاهل علماء الأمة الثقات الربانيين المشهود لهم بالعلم والورع والصدع بالحق، وفي الرد على الشبهات التي يثيرها أصحابه، والتي قد تلتبس على كثير من الشباب المخلص المتحمس الذي خرج غيرة على الدين ونصـرة له ولإخوانه وأخواته في سوريا وغيرها، وتكون كذلك بقيام العلماء بواجبهم في الإنكار على الطغاة والظالمين، قيامًا بما أوجبه الله عليهم من البلاغ والبيان، وامتثالًا بهدي الأنبياء الكرام الذي هم ورثتهم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) [الأحزاب:39].

فالواجب على المسلمين حكامًا ومحكومين هو أن يمتثلوا أمر ربهم ويقيموا شرعه، ويقيموا العدل بينهم، فإن لم يُجدِ النصح والحوار مع أهل البغي والغلو، ولم يندفع شرهم إلا بقتالهم؛ فإن من يتولى ذلك القتال هم أهل الإسلام وحدهم؛ في ضوء مقاصد السياسة الشـرعية وفقه المصالح والمفاسد، ولايجوز الاستعانة بغير أهل الإسلام في ذلك القتال.

ولايصح توصيف المسألة باعتبارها استعانة بالكفار على قتال أمثالهم؛ والتي فيها خلاف مشهور بين أهل العلم، ليس هذا محل استعراضه، فهذه غير تلك؛ ومن ثم لايصح استصحاب الخلاف السائغ في الاستعانة بالكفار على أمثالهم بضوابط معروفة عند المجيزين- لايصح استصحاب هذا الخلاف إلى هذه المسألة التي نحن بصدد الحديث عنها، والتي تختلف تمامًا حالًا ومآلًا .

وهذا والله تعالى أعلى و أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* * *


[1] ينظر: نواقض الإيمان القولية والعملية ص381، وشرح نواقض التوحيد ص92، والمراجع اللاحقة في حكم هذه الصورة – إن شاء الله -.

[2] ينظر: تفسير الطبري (8/507)، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (3/217/220)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/530)، والردة عن الإسلام، كمال الدين قاري ص205، تقديم: فتحي يكن، ومصطفى سعيد الخن، والموالاة والمعاداة في الشـريعة الإسلامية، د.محماس الجلعود (2/894)، والولاء والبراء في الإسلام، د.محمد سعيد القحطاني ص232-235، ونواقض الإيمان القولية والعملية، د.عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ص385، وص101، ونواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، د.محمد بن عبد الله الوهيبي ص166-168.

[3] ينظر: تفسير الطبري (8/507).

[4] ينظر: المرجع السابق (8/507).

[5] ينظر: المحلى لابن حزم (12/33).

[6] ينظر: تفسير الطبري (5/315-316).

[7] ذكر ذلك تحت مسألة (2198): «من صار مختارًا إلى أرض الحرب مشاقًا للمسلمين أمرتدٌ هو بذلك أم لا؟…». ينظر: المحلى (11/199، 200).

[8] ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/530).

[9] ينظر: المرجع السابق (28/534).

[10] ينظر: أحكام أهل الذمة (1/67).

[11] ينظر: مجموعة التوحيد (1/38).

[12] ينظر: المرجع السابق (1/39).

[13] ينظر: الدرر السنية (7/201).

[14] ينظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (1/274)، ضمن جواب مهم على سؤال عن حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الاشتراكية والشيوعية، ويحاربون حكم الإسلام، وحكم الذين يساعدونهم في هذا المطلب.

[15] ينظر: مجلة الأزهر، المجلد (27) ص682 686، السنة 1357ﻫ – 1956م.

[16] أي بمجرده، أما لو انضم إلى ذلك ما يوجب الكفر، كأن يكون هذا الفعل لأجل دين الكفر، أو أن مذهب الكفار المخالف للشرع صحيح، أو أن حكم الدولة المسلمة بالشـرع لا يناسب العصـر، أو غير ذلك من نواقض الإسلام، فهذا كفر عقدي حتى لو لم يستنصـر بالكفار، ويلاحظ أن هذا في الاستعانة، أما مسألة الموالاة فلها تفصيل آخر ذكره العلماء. وينظر: شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي العواجي ص88 وما بعدها، وضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني ص231، 214، و نواقض الإيمان القولية والعملية، د.عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ص381، وينظر ماتقدم من المراجع في الحال الأولى.

[17] قال ابن حزم: «وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشـركين الحربيين، وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين أو على أخذ أموالهم أو سبيهم؛ فإن كانت يده هي الغالبة، وكان الكفار له كأتباع، فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافرًا؛ لأنه لم يأت شيئًا أوجب به عليه كفرًا؛ قرآنٌ أو إجماع. وإن كان حكم الكفار جاريًا عليه فهو بذلك كافر على ما ذكرنا». المحلى (11/200، 201).

ويشير ابن حزم بقوله: «على ما ذكرنا» إلى قوله: «من لحق بدار الحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها». المحلى (11/199، 200).

ومقصود ابن حزم أن الكفر المنفي هو: الكفر الاعتقادي، وأما الكفر العملي فلا، وإن كان الكفار تابعين له؛ ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» متفق عليه؛ أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لايشعر (1/19) ح(48)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ:«سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (1/81) ح (64)، من حديث عبد الله بن مسعود، فالرسول ﷺ قد سمى قتال المسلم كفرًا.

ينظر: شرح نواقض التوحيد لحسن العواجي ص94، 95، وينظر: فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، د.سعد العتيبي (2/649 )، و الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، د.عبد الله الطريقي ص73.

[18] وهذه الحال يمكن أن تقع من كلِّ من يخرجون على الإمام؛ من بغاة، وخوارج، وقطاع طرق؛ فأدلة المنع من ذلك أدلة المنع هنا في كل نوع بحسبه، إضافة إلى ماتقدم من أدلة المنع من الاستعانة بالكفار في القتال مطلقًا، أو تحت رايتهم- ينظر: فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، د.سعد العتيبي (2/649-650 ).

[19] ينظر: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، د.عبد الله الطريقي ص73. بل إن قتال الكفار لأجل هذا الغرض لا يعد جهادًا شرعيًا. ينظر: صفوة الآثار والمفاهيم لعبد الرحمن الدوسري (3/249).

[20] ينظر: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، د.عبد الله الطريقي ص73.

[21] وسيأتي مزيد بيان له بذكر الأقوال في المسألة وأدلة كل قول – إن شاء الله تعالى – عند الحديث عن الصورة الثالثة وهي الاستعانة بالكفار على أهل البغي.

وقد تحدث الفقهاء عن الأحكام المترتبة على استعانة أهل البغي أو البغاة بالكفار على أهل العدل. ينظر – مثلًا: المغني مع الشـرح الكبير (10/69)؛ فهم يسمونهم (بغاة)، و ينظر: قوانين الأحكام الفقهية لابن جزي ص312، وحاشية الدسوقي (4/299)، وينبغي مراعاة مفهوم مصطلح (البغاة) وما يلحق به تبعًا للآراء الفقهية في ذلك. وينظر الهامش التالي، وما تقدم في تعريف أهل البغي والبغاة ص 625 من هذه الرسالة.

وما سبق ذكره بيان لحكم الاستنصار بالكفار في الحالتين السابقتين؛ أما بيان حكم أصل هذا الفعل، وهو: (الخروج على الإمام العادل)، كما في الصورة الأولى، و(الخروج على الإمام الجائر) كما في الصورة الثانية، فهذه تقرر رأي أهل السنة والجماعة على منعها في شأن الإمام العادل باتفاق؛ وفي شأن الجائر – جورًا لا يصل إلى حد الكفر البواح – على رأي الجمهور، وحكى النووي الإجماع على منعه، في شرحه على مسلم (12/229)، وهي مبحوثة في كتب العقيدة.

وينظر: الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبد الله الدميجي ص499- 548، وغيرها، والغلو في حياة المسلمين المعاصرة لعبد الرحمن اللويحق ص411- 443، وحكم الاستعانة بالبغاة على البغاة في رسالة الأحلاف العسكرية والسياسية المعاصرة للكاتب ص 625، وما بعدها.

[22] ذهب الحنفية والمالكية والظاهرية إلى أن البغاة هم الخارجون على الإمام العادل مع اشتراط المنعة والتأويل، واعتبر الشافعية والحنابلة أن البغاة هم الخارجون بالتأويل والمنعة على الإمام سواء كان عادلًا أم جائرًا، ولمزيد البحث في بيان أقسامهم وحكمهم، ينظر ص625 وما بعدها، من رسالة الأحلاف العسكرية والسياسية المعاصرة والآثار المترتبة عليه للكاتب.

وعلى الرغم من أن الترويج لهذا التحالف ضد هذا الفصيل المسمى داعش كان باعتبارهم بغاة وخوارج؛ إلا أنه من الناحية العلمية والبحثيية، لايصدق عليهم هذا الوصف؛ فخروجهم إنما هو ضد النظام النصيري الكافر في سوريا، أو الرافضـي الظالم في العراق، المدعومين حقيقة من المحتل الأمريكي الفعلي للعراق، وصاحب السلطة الفعلية في سوريا- ومن ثم فلم يكن خروجهم على إمام عادل أو حاكم شرعي، وهذا لايعني مطلقًا موافقتهم على مانقل عنهم-خاصة في سورية- فيما يشبه حد التواتر من علماء وثقات- من غلو في الأحكام، وتكفير لأهل الإسلام من علماء ومجاهدين، مع استهانة بالدماء والأعراض، بما لايقره شرع أو عقل، وبما لاينفع إلا أعداء الأمة.

[23] ينظر: المبسوط للسـرخسي (10/133، 134)، والمبسوط (10/133، 134)، وفتح القدير (6/109)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (5/154)، و التاج والإكليل (6 / 277) ، وحاشية الدسوقي (4 / 299)، وحاشية الصاوي على الشـرح الصغير( 4 / 429)، والأم للشافعي (4/228)، والمهذب للشيرازي (5/198)، والإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (3/260)، وكتاب قتال أهل البغي من الحاوي الكبير للماوردي ص156، 157، والأحكام السلطانية للماوردي ص122، والبيان للعمراني (12/27)، وروضة الطالبين للنووي (7/179، 180)، وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري (2/154)، ونهاية المحتاج للرملي (7/387)، ومغني المحتاج للشربيني (4/128)، و الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص55، والمغني لابن قدامة مع الشـرح الكبير (10/55)، والكافي لابن قدامة (5/311)، والمحرر في الفقه للمجد ابن تيمية (2/166)، وكشاف القناع للبهوتي (6/164)، وشرح منتهى الإرادات (3/383)، والموسوعة الفقهية الكويتية (8/151).

[24] ينظر: قوانين الأحكام لابن جزي ص312، والذخيرة للقرافي (12/9)، وحاشية الدسوقي (4/299).

[25] ينظر: الأم (4/228، 229)، والمهذب للشيرازي (5/198)، والإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (3/260)، وكتاب قتال أهل البغي من الحاوي الكبير للماوردي ص156، 157، والأحكام السلطانية للماوردي ص122، والبيان للعمراني (12/27)، وروضة الطالبين للنووي (7/179، 180)، وفتح الوهاب بشـرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري (2/154)، ونهاية المحتاج للرملي (7/387)، ومغني المحتاج للشربيني (5/407)، والمجموع شرح المهذب، تكملة المطيعي (21/42).

[26] ينظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص55، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (10/55)، والكافي لابن قدامة (5/311)، ورءوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء للعكبري (5/570)، والمحرر في الفقه للمجد ابن تيمية (2/166)، وكشاف القناع للبهوتي (6/164)، وشرح منتهى الإرادات (3/383)، والدرر السنية لمجموعة من علماء نجد (7/171- 175).

[27] قال ابن حزم: «برهان ذلك قول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الآية [لأنعام: ١١٩]، وهذا عموم لكل من اضطر إليه إلا ما منع منه نص أو إجماع، فإن علم المسلم واحدًا كان أو جماعة أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة [يعني على أهل البغي] يؤذون مسلمًا أو ذميًا فيما لا يحل، فحرام عليه أن يستعين بهما وإن هلك…» المحلى لابن حزم (11/113).

[28] ربما يرجع سبب عدم إعمال الجمهور لقاعدة : «الضرورات تبيح المحظورات»، في هذه المسألة: أن الأصل في دم المسلم الحرمة، والبغاة مسلمون، وقتالهم إنما هو بالقدر الذي يدفع به بغيهم؛ ولهذا لا يقتل مدبرهم، ولا جريحهم، والكافر لا يرعى هذه الحرمة، فالاستعانة به أشبه باستباحة دم البغاة مطلقًا، ومعلوم أن دم المعصوم لا يباح، ولو للضـرورة، وتحريم دم المسلم مطلقًا، حتى في حال الضرورة، من الأمور التي نصّ العلماء على عدم دخول الرخصة فيها، والقتل بغير حق – الذي هو مقتضى القول بالمنع – من المحظورات التي لا تبيحها الضرورات بل «أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة» فلعل هذا وجه الخلاف هنا، والله تعالى أعلم.

ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص94، 95، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا ص185 (قاعدة 17)، ونظرية الضرورة في الشـريعة الإسلامية للزحيلي ص89، ورفع الحرج في الشـريعة الإسلامية لصالح بن حميد ص245، 246، طبعة دار الاستقامة، ط2- 1412ﻫ ، والإكراه وأثره في التصرفات، عيسى شقرة ص 205-209، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/120)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/539)، وفقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، د.سعد العتيبي (2/662-663 ).

[29] يجري التساهل في عبارات الفقهاء بإطلاق (الحاجة) محل (الضرورة). والحاجة هنا حاجة عامة، وهي تنزل منزلة الضـرورة في هذه الحال، والجميع يعتبرون الضرورة وأحكامها؛ وقد قال الشافعي رحمه الله: «ومعنى الضرورات يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها» الأم (4/199)، وينظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ضوابطه وتطبيقاته، د.صالح بن حميد ص55، والمدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقاء (2/996) فقرة (603)، طبعة دار القلم- دمشق، طبعة 1418ﻫ.

[30] ينظر: الذخيرة، للقرافي (12/9)، والقوانين الفقهية، لابن جزي ص239، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدسوقي (4/299)، ومنح الجليل شرح مختصر خليل، محمد بن أحمد بن محمد عليش (9/200)، والاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، د.عبد الله الطريقي ص273، وفقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، د.سعد العتيبي (2/661 ).

[31] ينظر: كتاب أهل البغي من الحاوي الكبير للماوردي ص156، وروضة الطالبين للنووي (7/279)، ومغني المحتاج للشربيني (4/128).

[32] ينظر: المغني لابن قدامة [مع الشرح الكبير] (10/55)، والدرر السنية لعدد من علماء نجد (7/171، 175).

ومنهم من يورد منع الاستعانة بالكافر، ويعطفون على ذلك منع الاستعانة بمن يرى قتلهم مدبرين، ثم يستثنون حال الضرورة بعد ذلك، ومنهم من يستثني حال الضـرورة في الموضعين نصًا، ومنهم من يخص الأخير، ومنهم من يفهم من سياقه تخصيص الأخير. ينظر مراجع الحنابلة السابقة.

[33] ينظر: روضة الطالبين للنووي (7/279)، وينظر أيضًا: مغني المحتاج للشربيني (5/407)، وفتح الوهاب لزكريا الأنصاري (2/154)، ونهاية المحتاج للرملي (7/387)، وحاشية أبي الضياء الشبراملسي على نهاية المحتاج (7/387).

[34] شرح منتهى الإرادات (3/383)، وينظر: رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء للعكبري (5/570).

[35] أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحثّ عليه، وذم من علمه ثم نسيه (3/1449) ح(1817). من حديث عائشة ’ وله قصة.

قال ابن سعد في الرجل الذي أدرك النبي ﷺ: هو خبيب بن يساف. الطبقات الكبرى (3/535)، وقول عائشة: « (كنا) يحتمل أنها كانت مع المودعين فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها: (كنا) كان المسلمون، وحرة الوبرة: موضع على نحو أربعة أميال من المدينة». ينظر: شرح النووي على مسلم (12/198، 199).

[36] ينظر: المحلى (11/113).

[37] ينظر: كتاب قتال أهل البغي من الحاوي الكبير للماوردي ص156، 157، ونهاية المحتاج للرملي (7/387)، والمهذب للشيرازي (5/198)، والبيان للعمراني (12/27)، والمجموع شرح المهذب [تكملة المطيعي] (21/42)، و ورءوس المسائل الخلافية للعكبري (5/570)، والمغني [مع الشرح الكبير] لابن قدامة (10/55)، والكافي لابن قدامة (5/311)، وكشاف القناع للبهوتي (6/164).

[38] ينظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص55، وكشاف القناع للبهوتي (6/164).

[39] ينظر: فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، د.سعد العتيبي (2/658 ).

[40] ينظر: الأم للشافعي (4/232).

[41] ينظر: السيل الجرار (4/521). وينظر كلام النووي السابق في بيان الدليل الأول لأصحاب القول الأول، وكذلك بقية مراجع هذا الدليل.

(المصدر: مجلة البيان)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى