
غزة والانتخابات الأمريكية
بشائر التحوُّل وواجب النصرة
د. وصفي عاشور أبو زيد
ما شهدته الولايات المتحدة الأمريكية في انتخابات الثالث من نوفمبر ٢٠٢٦م من تحوُّل لافت في موازين القوى السياسية، وانتقال الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، وصعود شخصيات مسلمة وعربية وأصوات أمريكية حرة جهرت برفض الإبادة الجماعية في غزة، وتحدَّت النفوذ الصهيوني، وناهضت الدعم العسكري غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي؛ يحمل دلالات تتجاوز مجرد التنافس بين حزبين على مقاعد الكونغرس، وإن تعددت أسباب هذا التحول ودوافعه؛ ذلك أن القضية الفلسطينية باتت حاضرة بقوة في الضمير الأمريكي، وأن الدم الفلسطيني الذي استُبيح أمام أنظار العالم قد أسقط أقنعة، وفضح دعاوى، وأيقظ ضمائر، وحرَّك قطاعات من الشعوب لم تكن ترى في فلسطين إلا ما تصوِّره لها الدعاية الصهيونية.
ولنا أن نرجو أن يكون ذلك من بركات طوفان الأقصى وتضحيات أهله، ومن بشائر انحسار هيمنة الرواية الصهيونية على الوعي الغربي، وتراجع قدرتها على احتكار الحقيقة وتوجيه المواقف؛ وما كان يبدو بالأمس من المسلَّمات السياسية أخذ اليوم يتعرض للمساءلة والمراجعة، وما كان يُخشى التصريح به أصبح يُقال في الجامعات والميادين والمؤسسات التشريعية.
وليس معنى ذلك أن النفوذ الصهيوني قد انتهى، أو أن زوال الاحتلال قد أصبح وشيكًا، ولكنها شواهد على أن موازين القوة قابلة للتغيير، وأن الظلم مهما تجبَّر لا يملك أسباب البقاء إلى الأبد، وأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
وإننا لنرجو أن تتسع هذه اليقظة حتى تُثمر مواقفَ عادلةً وتغييراتٍ حقيقيةً في أمريكا وأوروبا والعالم العربي والإسلامي، ويعود الحقُّ إلى أهله، ويزول الاحتلال والعدوان.
غزة وتضحياتها.. سؤال الوفاء والمسؤولية
ولكنَّ السؤال الذي ينبغي أن يهزَّ ضمير كل مسلم، ويوقظ قلب كل إنسان:
ماذا قدَّمنا نحن لأهل غزة الذين دفعوا من دمائهم وأرواح أبنائهم وأشلاء أطفالهم وخراب بيوتهم ثمنًا لهذه اليقظة العالمية؟!
لقد قدَّم أهل غزة من التضحيات ما تعجز الكلمات عن وصفه، وصبروا على الجوع والحصار والتشريد والفقد، وشيَّعوا أحبابهم، ودفنوا أطفالهم، وفقدوا مساكنهم وأرزاقهم، وأصبح كثير منهم لا يملك من متاع الدنيا إلا ما يستر جسده، ولا من أسباب الحياة إلا ما يتعلَّق به أمله في رحمة الله.
وها هو الشتاء يُقبل عليهم ببرده وأمطاره ورياحه، وفيهم الطفل الذي لا يجد غطاءً يُدفئه، والأم التي لا تجد طعامًا تُسكِت به بكاء صغارها، والمريض الذي ينتظر دواءً يُسكِّن ألمه، والأسرة التي تبحث عن مأوى يحفظ كرامتها ويقيها قسوة الليل.
فأيُّ وفاءٍ أن نفرح بما أحدثته تضحياتهم من تحولات، ثم نتركهم يواجهون وحدهم الجوع والبرد والمرض والتشرد؟! وأيُّ أخوَّةٍ تلك التي تُلهب ألسنتنا بالثناء على صمودهم، ولا تحرِّك أيدينا لإغاثتهم؟!
لقد قال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمُه».
ومعنى «لا يُسْلِمُه»: لا يتركه لمن يؤذيه، ولا يتخلَّى عنه عند حاجته.
وقال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فأين تداعي جسد الأمة لجرح غزة النازف؟ وأين أثر هذه الأخوَّة في إطعام جائع، وإيواء مشرَّد، وكسوة عارٍ، وعلاج مريض، وحماية طفل من قسوة الشتاء؟!
إن أهل غزة لا يطلبون منَّةً من أحد، وإنما يطالبون بحقوق أوجبتها الأخوَّة، وأكدتها الشريعة، وفرضتها المروءة، ونادت بها الإنسانية.
إغاثة أهل غزة.. واجب شرعي وضرورة إنسانية
إن إغاثة أهل غزة اليوم ليست ترفًا في البر، ولا نافلةً من نوافل الإحسان، وإنما هي واجب شرعي، وضرورة إنسانية، وأمانة في أعناق الأمة، تتأكد على قدر الاستطاعة وشدة الحاجة، وقد تتعيَّن على القادر إذا توقف إنقاذ نفس معصومة على بذله.
فحفظ النفوس من الهلاك، وإغاثة المضطرين، وإطعام الجائعين، وإيواء المشرَّدين، وعلاج الجرحى والمرضى، من أعظم مقاصد الشريعة وآكد حقوق الإنسان.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75].
وإذا كان القرآن قد جعل نصرة المستضعفين من دواعي القتال المشروع بضوابطه، فكيف بما دون ذلك من واجب الإغاثة وبذل المال والطعام والدواء؟!
وقال سبحانه في وصف الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9].
وقال رسول الله ﷺ: «من نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة».
مسؤولية الأمة ومؤسساتها في نصرة غزة
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود الأفراد، بل تتوجه إلى الحكومات والمؤسسات الإغاثية والجمعيات الخيرية وأهل اليسار والعلماء والدعاة وعموم المسلمين؛ كلٌّ بما يملك وما يستطيع، من تمويل الإغاثة العاجلة، وتيسير وصول المساعدات، وتوفير المأوى والغذاء والدواء والكساء، ودعم إعادة الإعمار، والقيام بالجهود القانونية والحقوقية المشروعة لحماية المدنيين ورفع الحصار.
فلا يجوز أن تبقى ملايين القلوب متألمة، ثم لا تتحول آلامها إلى عمل منظم وعطاء متواصل، ولا أن تكون النصرة موسمًا عاطفيًّا يشتعل مع الصور المؤلمة ثم يخبو؛ بل لا بد أن تصبح عهدًا ثابتًا، وواجبًا حاضرًا، وسعيًا متصلًا لا ينقطع حتى تزول أسباب المحنة.
يا أمة الإسلام، إن غزة التي أيقظت ضمير العالم أولى بأن توقظ ضمائركم، وغزة التي دفعت من دمائها ثمنًا لتغيُّر المواقف أولى بأن تجد في أموالكم وأعمالكم ما يخفف آلامها!
لا تجعلوا فرحتكم ببشائر التحول السياسي تُنسيكم أصحاب التضحيات، ولا تنشغلوا بالحديث عن ثمار الدماء حتى تغفلوا عن أهلها الذين لا يزالون يعانون الجراح والجوع والفقد؛ فليس من الوفاء أن نُعجب بثباتهم ثم نتركهم لشدائدهم، ولا من المروءة أن ننتظر من تضحياتهم أن تُغيِّر وجه العالم، ثم نعجز عن أن نُغيِّر شيئًا من واقعهم المؤلم.
إن العالم قد بدأ يسمع صوت فلسطين على نحو لم نعهده من قبل، فهل يُعقل أن تستيقظ ضمائر البعيدين، وتغفو ضمائر القريبين؟!
نداء عاجل لإغاثة غزة قبل اشتداد الشتاء
إنني أناشد كل مسلم ومسلمة، وكل قادر وقادرة، وكل مؤسسة وهيئة وحكومة، أن يجعلوا من إغاثة غزة أولوية عاجلة، وأن يبادروا بما يستطيعون عبر الجهات الأمينة الموثوقة، وألَّا يستصغر أحد عطاءه؛ فرغيف الخبز حياة لجائع، وجرعة الدواء أمل لمريض، والغطاء دفء لطفل، والخيمة ستر لأسرة، وما تقدِّمه اليوم قد يكون سببًا في نجاة إنسان غدًا.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215].
فيا أهل الإسلام، أدركوا غزة قبل أن يشتد الشتاء، وأغيثوا أهلها قبل أن يستفحل البلاء، واجعلوا لصدق محبتكم أثرًا في حياتهم، فإن غزة قد بذلت من أجل فلسطين والأمة والإنسانية ما لا يُقدَّر بثمن، فلا أقلَّ من أن نبذل لها بعض ما آتانا الله، وإن أقلَّ الوفاء لمن قدَّموا كلَّ شيء ألَّا نتركهم اليوم بلا شيء!




