مقالات

غزة في ذكرى الطوفان؛ رسالة إلى أهل الصبر وأمة المسؤولية

غزة في ذكرى الطوفان
رسالة إلى أهل الصبر وأمة المسؤولية

د. وصفي عاشور أبو زيد

يا أهلنا في غزة؛ نكتب إليكم في هذه الذكرى -ذكرى طوفان الأقصى- والكلمات تستحي من جراحكم، وتتضاءل أمام ما حملتموه من أثقال؛ فما الذي يمكن أن تقوله الكلمات لأمٍّ أغمضت عيني ولدها بيديها، أو لأبٍ عاد إلى موضع بيته فلم يجد البيت ولا بعض أهله، أو لطفلٍ كبر في أعوام قليلة أكثر مما ينبغي لطفل أن يكبر، أو لأسرةٍ حملت ما بقي من حياتها في حقيبة وانتقلت به من مكان إلى مكان، ثم لم تجد في المكان الجديد إلا انتظارًا آخر وخوفًا آخر؟

ماذا نقول لمن رأوا من الموت ما لم يكن ينبغي لبشر أن يراه، وذاقوا من الفقد ما تضيق بحمله النفوس، ومشوا فوق ركام بيوتٍ كانت بالأمس دفئًا وذكريات وضحكات ومائدة تجمع الأسرة، ثم أصبحت حجارةً مبعثرة تشهد أن حياة كاملة كانت هنا؟

ولهذا لا أريد أن أبدأ رسالتي إليكم بكلمة: «اصبروا»؛ ففي هذه الكلمة، إذا قالها الآمن للمنكوب، والشبعان للجائع، ومن ينام في بيته لمن فقد بيته وأهله، شيءٌ من القسوة غير المقصودة، إن لم تسبقها مواساة صادقة واعتراف بحجم الألم.

لقد صبرتم حتى صار الصبر بعض سيرتكم، وثبتم حتى أصبح الثبات شاهدًا لكم، وحملتم من البلاء ما يجعل واجبنا أن نربت على أكتافكم، لا أن نضع عليها حملًا جديدًا، وأن نقول لكم بكل وضوح: نحن نعرف أنكم تعبتم، ونعرف أن الجرح عميق، ونعرف أن للصبر دموعًا، وأن للثبات لحظات ضعف، وأن المؤمن قد يضيق صدره ويشتد حزنه ويغلبه البكاء، ويبقى مع ذلك صابرًا محتسبًا متعلقًا بربه الكبير المتعال!

وليس الصبر في شريعة الله أن تتجمد المشاعر، ولا الثبات أن يفقد الإنسان إحساسه بالألم، ولا الرضا أن يكف القلب عن الحزن على الأحبة.

لقد بكى رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم، وقال:

«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». رواه البخاري.

فاجتمع في قلبه الشريف كمال الرضا وصدق الحزن، ولم يكن أحدهما نقيضًا للآخر.

ومن هنا نقول لأهلنا في غزة: لا يحملنكم حديث الناس عن صمودكم على أن تُخفوا وجعكم، ولا تجعلوا صورة البطولة التي رسمها العالم لكم عبئًا جديدًا فوق أعبائكم؛ فلكم أن تبكوا أحبتكم، وأن تشتاقوا إلى بيوتكم، وأن تتعبوا من طول الطريق، وأن تتمنوا يومًا عاديًّا بلا قصف ولا نزوح ولا جوع ولا خوف.

والله الذي أمركم بالصبر هو أرحم بضعفكم من الخلق جميعًا، وهو القائل:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

يا أهل غزة.. لقد علم الله ما قدمتم

قد ينسى العالم، وقد تتغير عناوين الأخبار، وقد تنصرف الشاشات إلى حرب أخرى أو أزمة أخرى، وقد تتحول المأساة، إذا طال أمدها في وعي البعيدين، إلى أرقام تتكرر حتى تفقد قدرتها على الإدهاش؛ ولكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب مؤمن: أن الله لا ينسى.

ما من ليلة خوف عشتموها إلا علمها، ولا دمعةٌ كتمتها أمٌّ حتى لا يراها أطفالها إلا رآها، ولا أبٌ اقتسم كسرة الخبز بين صغاره وبقي جائعًا إلا أحصى الله جوعه وإيثاره، ولا طبيبٌ واصل عمله بما بقي بين يديه من دواء، ولا مسعفٌ اندفع إلى جريح وهو يعلم أنه قد يصبح الجريح التالي، ولا معلمٌ جمع الأطفال ليحفظ لهم شيئًا من علمهم وطفولتهم، ولا جارٌ آوى جاره، ولا امرأةٌ تماسكت بعد فقد زوجها لتقيم لأطفالها ما بقي من معنى البيت، ولا طفلٌ حمل الماء لأسرته وهو أحوج إلى أن يحمل حقيبته المدرسية؛ إلا كان ذلك كله في علم الله الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة.

وهنا تتجلى إحدى أعظم مواساة القرآن للمنكوبين: أن الأشياء قد تضيع في الدنيا، ولكن ما كان لله لا يضيع.

قد يضيع البيت الذي أمضى صاحبه عمرًا في بنائه، ويذهب المال الذي جُمع عامًا بعد عام، وتحترق الصور والوثائق والكتب والذكريات، ويفقد الإنسان أشياء لا يستطيع أحدٌ أن يعيدها إليه كما كانت؛ ولكن الله يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

ويقول:

﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115].

وبين كل ما يمكن أن يضيع في هذه الدنيا، يبقى هذا اليقين حصنًا للقلب: أن شيئًا واحدًا لا يضيع أبدًا، وهو ما استودعه الإنسان عند الله من إيمان وصبر وإحسان واحتساب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى