تقارير وإضاءات

الإسلام بأستراليا ونيوزيلندا.. تأثير وتواصل سبق وصول الأوروبيين

الإسلام بأستراليا ونيوزيلندا.. تأثير وتواصل سبق وصول الأوروبيين

إعداد عمران عبدالله

قبل وقت طويل من اهتمام الأوروبيين بالشرق الأقصى، أصبح المسلمون العرب والإندونيسيون أسياد الطرق البحرية الشرقية من سواحل أفريقيا إلى الصين، ودفع التجار المسلمون سفنهم عبر المحيط الهندي.

وأقام المسلمون مستوطنات تجارية على طول سواحل الهند وسيلان وملايا (بماليزيا) وإندونيسيا، وعلى الساحل الشرقي لأفريقيا وحتى موانئ جنوب الصين، وهو ما جعل تأثير الإسلام هائلا في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، التي تضم حاليا أكبر تعداد للمسلمين في العالم يتمثل بإندونيسيا وما حولها.

وسافر العديد من سفن التجارة وقوارب الصيد الإندونيسية وخاصة من ساحل مدينة ماكاسار إلى السواحل الأسترالية قبل استيطان الأوروبيين في القارة الجزيرة، ويقدر بعض الأبحاث العلمية وصول هذه السفن لأستراليا ببداية القرن السادس عشر أو حتى قبل ذلك بكثير.

وفي التعداد الوطني الأسترالي عام 2001، تم إحصاء 641 مسلما من السكان الأصليين لأستراليا. وبحلول عام 2006، ارتفع العدد بأكثر من 60% ليصل إلى 1014 مسلما.

قد يبدو هذا الارتفاع الأخير في التحول للإسلام بين السكان الأصليين الأستراليين بمثابة إشارة جديدة للثقافة المشتركة بين المسلمين والسكان الأصليين لأستراليا. لكن ما يجهله كثيرون هو التاريخ الطويل بين السكان الأصليين لأستراليا ونيوزيلندا وبين ثقافة الشعوب المسلمة القريبة في جنوب شرق آسيا.

قرون من التاريخ المشترك
لم ينقطع التواصل بين مجتمعات السكان الأصليين والمسلمين القريبين من السواحل الأسترالية في الأرخبيل الإندونيسي لثلاثة قرون، وشمل ذلك التواصل توطد العلاقات الاجتماعية والمصاهرة.

فمنذ أوائل القرن الثامن عشر الميلادي قام الصيادون المسلمون من إندونيسيا برحلات سنوية إلى الساحلين الشمالي والشمالي الغربي لأستراليا بحثا عن الرخويات البحرية ذات القيمة العلاجية والغذائية المرتفعة التي تسمى “خيار البحر”، وتطورت التجارة لتشمل سلعا عينية، ولكن الزوار المسلمين تركوا أيضا إرثا دينيا وثقافيا بقي في الأغاني والرسومات.

أبحاث حديثة تؤكد وجود أشكال إسلامية في بعض أساطير وطقوس السكان الأصليين في شمال أستراليا (غيتي)

ويعود بعض الرحلات المؤكدة من الساحل الإندونيسي إلى السواحل الأسترالية لمنتصف القرن السابع عشر على الأقل، وهو تاريخ مقارب لاكتشاف الهولنديين لسواحل القارة -أول أوروبيين يصلون لسواحلها البعيدة- قبل أن يؤسس البريطانيون لاحقا أول مستعمرة عام 1788.

وتؤكد أبحاث حديثة -بينها دراسة الأسترالي أيان س. ماكنتوش من جامعة إنديانا- وجود أشكال إسلامية في بعض أساطير وطقوس السكان الأصليين بشمال أستراليا.

وفي الشعائر الجنائزية التي تقيمها مجتمعات من السكان الأصليين لأستراليا، هناك إشارة إلى “اليثاوالثا”، وهي عبارة مشابهة للعبارة الإسلامية “الله تعالى”.

ولاحقا في ستينيات القرن العشرين استقر العديد من رعاة الجِمال المسلمين الذين جاء أغلبهم من أفغانستان، وطوروا علاقات مع السكان الأصليين المحليين بينها العديد من الزيجات التي نتج عنها عائلات من السكان الأصليين تحمل أسماء مثل خان وأكبر، بحسب بيتا ستيفنسون زميل معهد آسيا بجامعة ملبورن.

وفي ثمانينيات القرن المنصرم هاجر العديد من الملايو المسلمين إلى شمال أستراليا عمالا محترفين في صناعة اللؤلؤ البحري، وتزوجوا أيضا من نساء السكان الأصليين ونتج عن ذلك عائلات مختلطة تعيش في شمال أستراليا حتى الآن، وكان أول مسجد في أستراليا قد بني عام 1861 في ماري، جنوب أستراليا على يد مسلمين من أصول أفغانية.

وفي نيوزيلندا القريبة يوصف الإسلام بأنه الدين الأسرع نموا، إذ تشير الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين الماوريين (السكان الأصليون لنيوزيلندا) زاد من 99 مسلما إلى 708 في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين حتى عام 2001، وإلى 1074 بحلول 2006.

وفي بقية منطقة أوقيانوسيا، شهدت فانواتو وفيجي وجزر سليمان فضلا عن بابوا غينيا الجديدة وكاليدونيا الجديدة زيادة نسبية في عدد المسلمين والمتحولين إلى الإسلام من السكان الأصليين في العقود الأخيرة، لتصل في فيجي 7%.

ثقافة متقاربة
في كتابها “إسلام الحلم” تدرس بيتا ستيفنسون التاريخ الطويل للإسلام بين السكان الأصليين في أستراليا، وتشمل دراستها مجموعة واسعة من السكان الأصليين المسلمين من أولئك الذين لديهم أسلاف أفغان أو ملايويون لكنهم لا يمارسون الإسلام، والذين ليس لديهم أسلاف مسلمون لكنهم يتبعون الدين الإسلامي بصرامة.

وتقول ستيفنسون إنها لاحظت أن الكثير من السكان الأصليين المسلمين يعتبرون اعتناق الإسلام بمثابة عودة إلى جذورهم الأصلية، كما أن لدى المسلمين والسكان الأصليين نظرة متشابهة تجاه قضايا مختلفة، بينها البيئة على سبيل المثال.

وتضيف أن المسلمين من السكان الأصليين أخبروها أن اعتناق الإسلام لم يتضمن ممارسات شبيهة بالتبشير الديني القسري الذي فرض على السكان الأصليين.

كما أن النساء المسلمات من السكان الأصليين وجدن في الإسلام نمطا لا يصورهن باعتبارهن “متاحات جنسيا”، ويوفر لهن ارتداء الحجاب حماية من الاعتداء الجنسي، بحسب الباحثة الأسترالية.

وتقول الدراسة إن الإسلام قدم للسكان الأصليين نظاما بديلا تضمن مدونة سلوك وقواعد أخلاقية صارمة ترتبط بتراثهم التقليدي، وبالنسبة لبعض السكان الأصليين الذين حاورتهم الباحثة لعب تجنب الخمر والمخدرات والقمار -وفق المعتقد الإسلامي- دورا إيجابيا في حياتهم.

(المصدر: الجزيرة)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى