تقارير وإضاءات

الريسوني: التطبيع مع الصهاينة حرام والعالِم الذي يؤيده ينفذ إرادة ولي أمره وولي نعمته وصاحب الصولة عليه

الريسوني: التطبيع مع الصهاينة حرام والعالِم الذي يؤيده ينفذ إرادة ولي أمره وولي نعمته وصاحب الصولة عليه

يصف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أحمد الريسوني، مصطلح التطبيع أنه “تعبير جديد” والمراد به أن يتجاوز العرب كل ما وقع من اغتصاب واحتلال لفلسطين، ومن تهجير وتشتيت للشعب الفلسطيني، ومن جرائم لا تحصى في ثنايا ذلك، والترحيب بالصهاينة.

ويؤكد الريسوني، الذي خلف الشيخ يوصف القرضاوي في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، أن من يوصف بـ”العالم” ويبرر التطبيع فإنه ينفذ أهواء وإرادة ولي أمره وولي نعمته وصاحب الصولة عليه.

عن الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد العيس، فيقول عنه الريسوني في هذا الحوار مع الشروق، إنه “يقوم بواجبه الوظيفي وليس بواجبه الشرعي.. وهكذا نظراؤه من المشايخ الوظيفيين”، ويدين المتحدث الدور الإماراتي في المنطقة، ومن ذلك محاولة تشويه الشيخ يوسف القرضاوي.

وبخصوص جامع الجزائر الأعظم الذي سيدشن في الفاتح نوفمبر القادم، فيقول الشيخ الريسوني “نحن أمام معلمة دينية وحضارية كبرى، ولا يسعنا إلا أن نسعد بها ونهنئ بها الشعب الجزائري وعموم المسلمين”، ويؤكد على ضرورة أن يحظى باستثمار معنوي حقيقي، والتفكير والعمل ليكون مثل الأزهر، والزيتونة، والقرويين.

الموقف السياسي لهيئتكم واضح من “التطبيع” مع الكيان الصهيوني، لكن ماذا عن حكم الشريعة الإسلامية في العلاقات، تحت أي غطاء، مع دولة الاحتلال في حالتها الاحتلاليّة العدوانية تجاه الأمة ومقدساتها؟

التطبيع مصطلح جديد، وهو أصلا من وضع الطرف الآخر، والعرب فيه تابعون.. ولكن لنقل: لا مشاحة في الاصطلاح، خاصة إذا حددنا معناه ومقصوده عندهم. وبعد ذلك يتأتى الحكم عليه..

مرادهم الآن بالتطبيع، هو أن يتجاوز العرب كل ما وقع من اغتصاب واحتلال لفلسطين، ومن تهجير وتشتيت للشعب الفلسطيني، ومن جرائم لا تحصى في ثنايا ذلك. التطبيع معناه طيُّ ذلك كله، والترحيب بـ”إسرائيل” وإعطاؤها مكانة “طبيعية” داخل الدول والشعوب العربية، بحيث تكون جارا وصديقا وشريكا، يحظى بالترحيب والمودة وفتح الأبواب والمصالح أمامه. والغرض من هذا التطبيع هو إخراج “إسرائيل” من الوضعية الخانقة التي تعيشها داخل محيطها، بسبب الرفض التام الذي تلقاه لدى مجمل شعوب المنطقة، مع أن بقاءها في الأمد البعيد متوقف على قبولها واندماجها في محيطها العربي.

فالتطبيع الذي تتبرع به بعض الأطراف العربية هو خدمة لإسرائيل وطوق نجاة لها، وهو دعم واستدامة لاحتلالها، ومكافأة لها على جرائمها وتشجيع لها على الاستمرار فيها. ثم هو فتح لأبواب الاختراق والهيمنة لهم على جميع الأصعدة..

وموقف الشريعة، من هذا التطبيع، بهذه المعاني، لا يمكن أن يكون إلا التحريم الشديد والرفض التام. بل حتى الموقف الإنساني والأخلاقي، لا يمكن أن يكون إلا على هذا النحو.

هل تعتقدون، وفق إطلاعكم، أنّ من يبرّرون، من المحسوبين على العلماء، الخيارات السياسية في العلاقة بالكيان الصهيوني يستندون فعلا إلى رؤية شرعية اجتهاديّة قابلة للنظر، وفق مفاهيم التعايش والسلام، أم أن “فتاويهم” تصدر عن الأهواء مع سبق الإصرار؟

فعلا فتاويهم ومواقفهم إنما تصدر عن الأهواء، لكن هذه الأهواء في الأصل هي أهواء حكامهم. ولذلك لن تجد “عالما” واحدا مؤيدا للتطبيع إلا وهو ينفذ إرادة ولي أمره وولي نعمته وصاحب الصولة عليه، ويسعى في رضاه ويجاريه في هواه. فالقرار السياسي التطبيعي يأتي من الحاكم أولا، ثم يتبعه ويصفق له شيوخ الخدمة، حذو القذة بالقذة. بخلاف العلماء الرافضين للتطبيع مع العدو المحتل الغاصب، فهم إذا كان حاكمهم راغبا في التطبيع أو سائرا في ركابه، فهم يخالفونه ويعارضونه وينصحونه، وإن كان رافضا للتطبيع، فهم سابقون له ومتقدمون عليه.

البعض يقول إنّ فتوى حرمة التطبيع مع الصهاينة سياسية لا شرعية؛ ويستدلون لذلك بعدة دول تحتل مناطق إسلامية من دون أن تصدر فتوى مماثلة من العلماء كضم الصين لتركمانستان الشرقية واستمرار ضم روسيا للشيشان وداغستان وغيرهم، فما جواب ذلك؟

تحريم التطبيع في الحقيقة ليس سوى تحريم للظلم والاغتصاب والاحتلال وشتى أنواع الجرائم التي قام ويقوم بها الصهاينة ودولتهم منذ ثمانين سنة. وهذا هو الشرع الذي لا مرية فيه. وهذا أيضا موقف سياسي، نزيه وعادل. ولذلك نجد حتى من اليهود ومن العلمانيين من يرفضون هذا التطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان، ويعملون على فضح جرائمها.

وأما وجود حالات أخرى من الظلم والاضطهاد للمسلمين ولغير المسلمين، فحيثما ثبت ذلك فهو مرفوض ومجرم. ونحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نقف ضد الظلم والعدوان أيا كان فاعله، ونقف مع المظلوم المعتدى عليه أيا كان دينه وجنسيته. ولنا مواقف (فتاوى وبيانات ومراسلات) في قضايا مسلمي الصين ومسلمي الهند ومسلمي بورما وقضية كشمير وغيرها.. بل أصدرنا منذ أشهر قليلة بيانا ضد السلوك العنصري والعدواني الذي يعاني منه السود في أمريكا.. فنحن لا نكيل بمكيالين، ولكن القضايا تتفاوت في حجمها وفي شهرتها، وفي مدى عناية الإعلام بها. وقضية فلسطين والشعب الفلسطيني لها خصوصياتها المتعددة، وهي أكبر وأطول مظلمة في التاريخ الحديث.. فلذلك تحظى بعناية أكبر.

قبل خطوة التطبيع، كانت هنالك بعض المؤشرات التي تحوي بتحول العلاقة بين أقطاب العالم الإسلامي والكيان الصهيوني، على سبيل المثال، زار الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد العيسى، ما يسمى بمعسكر الإبادة الجماعية لليهود في بولندا إبان الحرب العالمية الثانية أوشفيتز، وذلك بالتزامن مع إحياء ذكرى “الهولوكوست”، كيف قرأتم هذه الزيارة؟

نعم هذا صحيح، هناك تحولات سياسية ومذهبية عميقة وانقلابية، تجري في بعض الدول الخليجية. والشيخ العيسى يعمل منذ مدة على تقديم الخدمة الدينية للسياسات والتوجهات الجديدة، ويعمل على تسويغها وتجميل وجهها القبيح. فهو يتصرف بصفته موظفا في الشؤون الدينية، ويقوم بواجبه الوظيفي وليس بواجبه الشرعي.. وهكذا نظراؤه من المشايخ الوظيفيين..

بعد عقود من التدافع الأيديولوجي، رخّصت الحكومة الجزائرية مؤخرا للبنوك العمومية بتقديم خدمات مالية وفق قواعد المعاملات الإسلامية لتفعيل الدورة الاقتصادية، بماذا تعلقون على ذلك من خلال إطلاعكم على تجارب البنوك الإسلامية عبر العالم؟

في جميع الحالات فالخطوة مشكورة ومرحب بها. وكما يقال: التأخر في الوصول خير من عدم الوصول.
وتجربة المصارف الإسلامية، أو تقديم معاملات لا ربوية من داخل البنوك الربوية التقليدية، هي أيضا شيء إيجابي من حيث المبدأ، مهما تكن دوافعه. فكم من شيء دوافعه سلبية ونتائجه إيجابية.

ومع ذلك، فإنّ دوائر مشبوهة تثير الشكوك حول مطابقة تلك البنوك للقواعد الشريعة بل يزعمون أنّ صيغها المالية ليست سوى احتيال مقنّع لا يختلف عن النشاط الربوي للبنوك التقليدية، فهل فعلا توجد مؤسسات بعناوين إسلامية لكنها مشبوهة شرعيّا، مع توضيح تلك الشبهات الفنيّة/التقنية؟

تجربة المصارف الإسلامية، وشبابيك المعاملات الإسلامية، تُوجه لها انتقادات ومؤاخذات كثيرة، بعضها صحيح، وبعضها يأتي بحكم التنافس المهني أو الإيديولوجي. ولكن الذي يعنيني هو الانتقادات المعقولة الموجهة لهذه التجربة، سواء من الناحية الشرعية، أو من الناحية المهنية. فهي تجربة فعلا لها عيوبها ونقائصها. ولا ننس أيضا أن هذه التجربة يقوم عليها مستثمرون ورجال أعمال، بعقلياتهم التجارية وأهدافهم الربحية بالدرجة الأولى. والحقيقة أن فكرة المصارف والمعاملات اللاربوية لا يمكنها أن تحقق نجاحها الكامل، وتعطي نتائجها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، المقصودة إسلاميا، إلا إذا كانت محتضنة ومدعومة من الدولة. أما إذا كانت تتعرض للتضييق والحصار والازدراء، وتخضع لمنطق التجارة والربح، وتحتاج إلى خوض المنافسة ومتطلبات السوق، فستبقى تعاني وتتعثر..

في الفاتح نوفمبر الداخل، والجزائر تحيي ذكرى اندلاع الثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي، ستدشن “جامع الجزائر الأعظم”، وهو ثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، بعض الأصوات في الجزائر، عارضت المشروع، وصنفته في خانة تبذير المال العام، وبحسبها البلاد في حاجة إلى مدارس مستشفيات ومؤسسات لتوظيف البطالين، هل هذا حق أريد باطل؟

هذا موضوع له زوايا متعددة من النظر؛ فأولا نحن أمام معلمة دينية وحضارية كبرى، ولا يسعنا إلا أن نسعد بها ونهنئ بها الشعب الجزائري وعموم المسلمين. والشعوب سواء كانت فقيرة أو غنية تعتز وتفتخر على مر العصور بمثل هذه الإنجازات، التي تنمي فيها الحس الحضاري والقومي..

وأما من حيث الكلفة المالية الكبيرة لهذا المشروع، وأنها تبذير، وأنَّ الأَوْلى بنا صرفها إلى مشاريع أخرى تعليمية وصحية واجتماعية، هي أولى بها..

فأولا، يجب أن نوجه عنايتنا إلى التبذير الحقيقي الذي لا يترك أثرا ولا نفعا، من أي ناحية، أو لعله يضر ولا ينفع.. فهذا هو التبذير المحرم الذي وصف أصحابه بأنهم “إخوان الشياطين”. والأموال العامة والخاصة التي تبذر حقيقة، على مر السنين والأجيال، لا تعد ولا تحصى. فهذا هو ما يجب الكلام فيه..

وثانيا، يجب أن نفكر في الأموال العمومية المنهوبة والمختلسة، وهي أيضا لا تعد ولا تحصى..

ويجب ثالثا، أن نفكر في قطار الإنتاج والتنمية، الذي إذا تعثر أو توقف أو تراجع، أو تعرض للتخريب والقرصنة، خسرنا أيضا ما لا يحصى من الأموال والثروات، المادية والمعنوية..

فإذا استحضرنا هذه الجوانب الكارثية، فإن كلفة المسجد ستتضاءل أمامها. ثم إذا نظرنا إلى إيجابيات هذا الجامع وأبعاده اليوم وغدا، فسنرى أن مثل هذا المشروع، يستحق ما أنفق فيه وأكثر، وأنه شيء ضئيل بالنسبة إلى حجم الجزائر وثرواتها ومكانتها دولة وشعبا.

ولكن أيضا، يجب أن يحظى هذا “المسجد الأعظم” باستثمار معنوي حقيقي، روحي وحضاري وعلمي وتربوي. وباختصار يجب ألا نكتفي بالقول: إنه أضخم مسجد بعد الحرمين.. ولكن يجب نفكر ونعمل لكي نقول قريبا: إنه مثل الأزهر، والزيتونة، والقرويين؛ جامع يتحول إلى جامعة. أما مجرد إقامة الصلوات، فلا تحتاج إلى شيء من هذه الضخامة والفخامة.

هل تعتقد أن تراجع الإسلاميين عقب الثورات المضادة أثر سلبا على الاتحاد؟

أما الاتحاد في حد ذاته، فهو بالعكس، استفاد من هذا الوضع وأصبح بمثابة بديل وتعويض عما أصاب الحركات الإسلامية من منع وقمع. ولكن الاتحاد ينظر إلى الخسائر التي أصابت الأمة كلها بفعل الانقلابات والثورات المضادة، التي تصدت لكل التطلعات الشعبية النبيلة، وحولتها إلى فتن وحروب وصراعات.

ماذا عن مجلس الحكماء المسلمين، هل تعتقد أن تأسيسه من الإمارات هو محاولة لضرب اتحاد العلماء المسلمين؟

الكيان الإماراتي له تحالفاته التي انكشفت أخيرا وظهرت للعيان، وهو بحاجة إلى “تغطية وخدمات دينية” لسياساته. فلذلك أنشأ عددا من المنظمات والهيئات والكيانات الموازية، لمساعدته في الدعاية والعلاقات العامة، مع عدد من الجهات الإسلامية.. فهو محتاج لهذه الخدمات الدعائية، سواء بوجود الاتحاد ولضربه، أو بدون ذلك.

ماذا تعني لك هذه التصنيفات، سلفي، إخواني، مدخلي، صوفي، تبليغي، حداثي؟

هذا يحتاج إلى موسوعة للتوصيف والتصنيف والتحليل والتقييم. فالسؤال يشير إلى كل التيارات الموجودة في الساحة..

توليت رئاسة الاتحاد خلفا للشيخ يوسف القرضاوي، الذي بعث رسالة قبل أيام وصفت بأنها “رسالة مودع”، الشيخ وبعد هذه السنين، هل أخذ مكانته حقا في العالم الإسلامي، وهو يقيم خارج وطنه الأم، ومدرج في قوائم الإرهاب؟ ولكن ألا تعتقد أن الشيخ قد أخطأ في السنوات الأخيرة، نذكر هنا فتوى إهدار دم القذافي والأسد؟

نحن نعتقد – كما قال الإمام مالك – أن كل واحد يؤخذ منه ويُـرد، وكل واحد يصيب ويخطئ.. ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

أما القرضاوي حفظه الله، فهو بحق إمام من أئمة المسلمين في هذا العصر، وبدرجة أكبر في العصور اللاحقة. عالم مجدد، ومفكر رائد، وداعية مصلح. ولكن دائما تتعرض الشخصيات من هذا النوع ومن هذا الحجم لمحاولات التشويه والإذاية. وللكيان الإماراتي منظمة متخصصة في تشويه بعض الشخصيات الإسلامية المزعجة وهدم سمعتها ومكانتها، والقرضاوي في طليعتهم، وهي المنظمة المسماة “مؤمنون بلا حدود”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • ضمن الحوارات التي يجريها رئيس الاتحاد الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني، مع المؤسسات الإعلامية، فقد في حاور الصحفي: عبد السلام سكية جريدة الشروق مع فضيلته، بتاريخ 30 أغسطس الماضي.

(المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى