مقالات

حين تحوِّل السياسة النصر إلى هزيمة

حين تحوِّل السياسة النصر إلى هزيمة

د. محمد إلهامي

نعيش ذكرى 6 أكتوبر، وسيعمل الإعلام المصري على تشغيل الأغاني والمعزوفة المعروفة عن الجيش المصري العظيم، وعن النصر الهائل غير المسبوق ولا الملحوق… إلخ!!

لا بأس.. لن أخوض الآن في أيَّة تفاصيل تتعلق بالحرب، لكني أريد لفت النظر إلى خطورة هذا المنصب المسمى: الرئيس!!

منصب الرئيس هذا يستطيع ببساطة أن يحوِّل النصر إلى هزيمة، وأن يفرِّط في دماء آلاف الناس، وأن يرتكب الخيانة العظمى، ثم يستطيع بعد ذلك أن يتغنى بالنصر -الذي حوَّله إلى هزيمة- وأن يجعل نفسه به بطلًا عظيمًا، وأن يحاسب غيره على أنهم لم يعترفوا بهذا «النصر العظيم»، ولم يقدروه حق قدره!!

الشعب المصري، مثل غيره من سائر الشعوب، لا يقرأ الكتب والدراسات، بل يتأثر بالإعلام.. وهذه ليست مشكلة الشعب المصري، فتلك طبيعة الشعوب.

المشكلة أن بقية الشعوب لديها الفرصة لتعرف وتقرأ وتبحث وتدرس؛ لأن نظامها السياسي لا يمنعها من الوصول إلى المعلومات، ولا يضطهد من يكتب الحقائق، ولا يخبئ الأرشيف في دار المحفوظات، ويجعل الوصول إليها عملية معقدة تستحق تصاريح أمنية.

هنا تكمن مشكلة الشعب المصري والشعوب العربية والشعوب الواقعة تحت الأنظمة الطغيانية.. الوعي ممنوع!!

مثلًا، لا يعرف أغلب الناس أن الحكومة المصرية لم تصدر حتى الآن بيانًا مفصلًا بالضحايا في حرب أكتوبر، ولذلك تأخذك المصادر في خبط عشوائي يمينًا ويسارًا، وتذهب للبحث في التقديرات الغربية للباحثين والمؤرخين والصحافيين، بينما الحكومة الإسرائيلية تصدر أرقامًا منضبطة، ويقل عندها هامش الخطأ؛ لأنه يترتب على ذلك تكريم للضحايا وأسرهم.

يمكنك أن تسأل أي برنامج ذكاء اصطناعي، فالأمر الآن صار أسهل، لترى كيف أن عدد القتلى المصريين يتراوح بين 5000 و15000، أي أن هامش الخطأ بلغ عشرة آلاف نفس!!!

بينما الإسرائيليون يتراوح عدد قتلاهم بين 2650 و2700، أي أن هامش الخطأ هو خمسون شخصًا فحسب!!

فإذا ذهبت إلى الجرحى، فالجرحى المصريون بين 10 آلاف وثلاثين ألفًا، والفجوة بينهما عشرون ألف نفس!!

بينما الإسرائيليون يتراوح عدد جرحاهم بين 7250 و9000، أي بفجوة أقل من ألفين!!

ومن كان في مثل جيلي فهو يعرف في قريته وبين جيرانه عن مفقودين في هذه الحرب لم يُعرف مصيرهم على وجه الحقيقة!! حتى بعد نصف قرن من هذه الحرب.

وليست هذه هي المأساة الأكبر..

المأساة الحقيقية هي مصائر الطرفين بعد الحرب.

المصريون يشربون من الإعلام والأفلام والأغاني أنها كانت نصرًا عظيمًا.. لن أجادل الآن في هذا.. ما يهمني هو: ماذا فعلت السياسة بهذا النصر؟!

يمكن أن نلخص المصائر المأساوية في قصة زينب!!

وهذه القصة صدمتني حقًّا، بل صعقتني، حين قرأتها في مذكرات موشيه ساسون -ثاني سفير إسرائيلي في مصر- والتي عنوانها «7 سنوات في بلاد المصريين».

قال ساسون:

«زينب.. تبلغ من العمر 35 عامًا، ولكن وجهها يبدو كما لو كانت تبلغ من العمر 50 عامًا، لقد تجعدت من عبء الحياة وقسوتها، نحيفة هزيلة من سوء التغذية، ولكنها مجتهدة وعلى مسؤولية. إنها منطوية على نفسها، علمتها حكمة الحياة واكتسبت ذكاءً طبيعيًّا، تقوم بعملها في غسيل الملابس باتفاق كمن تقوم بعمل مقدس، مبتسمة في طلعتها ومتمالكة النفس في تصرفاتها. عندما بحثنا عن خادمة أحضرها إلينا من القرية الجنايني قُرَنِي، فهي إحدى أقربائه. قدمت لنا نفسها قائلة: أنا أرملة ولدي طفلان صغيران، أسعى لكي أوفر لهما ما يحتاجانه. قالت: لا، إن زوجي لم يمت من المرض. لقد أخذوه».

هذه أرملة جندي حارب في أكتوبر، ذهب واختفى، لم يحصل أهله على شيء، وانتهت القصة بأن عملت زوجته لدى السفير الإسرائيلي في مصر.. لكي تعول نفسها وطفليها!!

ولن أنقل لك باقي القصة، فهي مؤلمة ومزعجة.. تخبرك عن مصائرنا التي صنعتها بنا السياسة الفاسدة والسياسي الخائن.

السياسة الفاسدة والسياسي الخائن الذي، بعدما فرَّط في دماء شبابنا، اضطرت أعراضنا أن تعمل في خدمة من قتلوا أزواجهن!!.. فضلًا عن التجهيل المروع الذي جعل المرأة تخدم من لا تعرف أنه ممثل قتلة زوجها!!

وها نحن، بعد أكثر من نصف قرن على هذه الحرب.. أخبرني أنت أيها المصري: ماذا صنعت بك السياسة، وإلى أي هاوية أطاحوا بك؟.. وانظر إلى قرينك الإسرائيلي: ماذا صنع به الإسرائيليون!!

الآن برامج الذكاء الاصطناعي تسهِّل عليك البحث.. قارن بين مستوى الدخل، وبين مستوى التعليم، وبين مستوى الصحة، وبين مستوى البحث العلمي، وبين قوة جواز السفر المصري والإسرائيلي، وبين مستوى التسلح والدفاع، وبين سيادة كل واحد على أرضه، وبين مستوى اختراق كل طرف لعدوه، وبين تحقيق كل طرف لمصالحه الأمنية والعسكرية والاقتصادية لدى الآخر… إلخ!!

ابحث وتأمل لتعرف أننا، مهما اتفقنا أو اختلفنا: هل كان ما حصل في أكتوبر نصرًا أم هزيمة؟.. فلن نختلف أبدًا في أن ما بعد أكتوبر كان هزيمة مروعة وساحقة ولا مثيل لها!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى