مقالات المنتدى

هل جزاءُ الإحسانِ إلا الموت في العتمة؟

أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية قبل فوات الأوان

هل جزاءُ الإحسانِ إلا الموت في العتمة؟
أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية قبل فوات الأوان

د. وصفي عاشور أبو زيد

في زاوية معتمة من زنازينراكيفيتالقابعة تحت الأرض في سجننيتسان، حيث يُحجب الضوء ويُداس الضمير الإنساني، يَلفظ أحدُ أنبل أطباء فلسطين أنفاسه الأخيرة: الدكتور حسام أبو صفية؛ ذلك الطبيب الذي سهر الليالي ليداوي جراح الأطفال الخدج والمصابين تحت واهج القصف في شمال غزة، يُساق اليوم بأصفاده وزيّه الطبي الأبيض إلى مقصلةالاغتيال المؤجل؛ حيث لم يكن جرمه إلا أنه آمن بقدسية مهنته، وامتثل لأمر ربه في إغاثة الملهوف وصون النفس البشرية، رافضاً أن يترك مرضاه لقمة سائغة للموت والدمار.

اليوم، لم يعد الوقت ترفاً، بل بات يُقاس بالأنفاس المتهدجة لقامة علمية وإنسانية تواجه شبح الموت المحقق تحت سياط التعذيب الممنهج، إنها صرخة نطلقها إلى ضمير العالم المثقل بالصمت، مستحضرين قيم السماء العادلة التي جعلت من إنقاذ النفس الواحدة إحياءً للبشرية جمعاء، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” [المائدة: 32] .

صمودٌ في وجه الإبادة.. حين يكون الوفاء للمرضى تهمة

لم يكن الدكتور حسام مجرد مدير لمستشفىكمال عدوان، بل كان شريان الحياة الأخير لأهالي شمال غزة المحاصرين وسط النيران والرماد، وحين دوت أوامر الإخلاء العسكرية، واختار الكثيرون النجاة بأنفسهم، وقف هذا الطبيب الإنسان شامخاً كأشجار الزيتون، متسلحاً بيقين المؤمن وعزيمة العالم، ومردداً كلمته الحرة التي سيسجلها التاريخ بمداد من نور: إن أردتم قتلنا فاقتلونا ونحن نقدم الخدمة في هذا المكان“.

لقد دفع أبو صفية ضريبة هذا الصمود الإنساني دماً؛ ففقد ابنه الشابإبراهيمشهيداً في غارة غادرة، وصلى عليه بدموع حارة في ساحة المستشفى، ثم مسح دموعه بيديه المرتجفتين وعاد فوراً إلى غرف الجرحى ليكمل واجبه الطبي. لقد كان يرى في مهنته فرض عين وباباً عزيراً من أبواب الإحسان والنفع، متمثلاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً“. [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 176].

هذا العطاء اللامحدود، وهذا الإحسان النبيل الذي جسده الدكتور حسام في أحلك الظروف، يُكافأ اليوم بمسالخ تعذيب وحشية تهدف إلى سحق جسده وروحه، في مفارقة صارخة تقشعر لها الأبدان.

صرخةٌ من تحت الأرض: “هذه آخر مرة ستراني فيها

التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة في تموز/يوليو 2026، والشهادة المفجعة التي نقلها محاميه ناصر عودة، تضع الأمة الإسـلامية والمنظمات الدولية أمام صدمة ضميرية غير مسبوقة، الطبيب الذي فقد أكثر من 40 كيلوغراماً من وزنه نتيجة التجويع الممنهج، يمثل اليوم بجسد أثخنته جراحُ المطارق والهراوات؛ كدمات وإصابات بالغة في الرأس والعينين والرقبة، وأربعة أضلاع مكسورة تجعل من شهيقه وزفيره قطعة من العذاب الأليم، فضلاً عن قيود وأصفاد تحز معصميه وقدميه النحيفتين تحت حراسة جلادين مقنعين.

حين يقول الدكتور حسام بصوت واهن يوشك على الغياب: “هذه آخر مرة ستراني فيها، لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني. لا أرى نفسي حيًّا، هذه هي النهاية، فإنه لا يستعطف أحداً، بل يوقع على وثيقة إدانة تاريخية ضد عالم يدّعي التمدن وحماية حقوق الإنسان، بينما يترك أطباءه المدنيين يُقتلون بدم بارد خلف الجدران الصخرية السميكة، إن نجدة هذا الطبيب الأسير وفك كربه هي فريضة شرعية وواجب أخلاقي لازب، فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بإنقاذ الأسرى والتخفيف عنهم حيث قال: “فُكُّوا العَانِيَيَعْنِي: الأسِيرَوَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ“. [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم 3046].

القانون الدولي تحت أقدام الطغاة.. “المقاتل غير الشرعيغطاءً للتصفية

تحت عباءة قوانين جائرة ومفصلة لشرعنة الجريمة وتبرير السادية، كـقانون المقاتل غير الشرعي، يُحتجز الدكتور حسام وزميله الدكتور مروان الهمص (مدير مستشفى محمد يوسف النجار، الذي تعرض لنوبة حادية وتوقف لقلبه جراء التعذيب) وغيرهم من النخب الطبية، دون تهمة، ودون محاكمة، وبملفات سرية ينسجها المحققون لتبرير التنكيل.

إن قهر طبيب أطفال، وإجباره تحت وطأة الضرب المبرح لـ 13 ساعة متواصلة على الاعتراف بجراح لم يمارسها قط، هو قمة العبث والوحشية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تمنح الطواقم الطبية حماية خاصة حتى في أعتى الحروب؛ فضلا عن مناقضة ذلك لمقاصد الشريعة، وهي مقاصد إنسانية سمحة لا يختلف عليها دين ولا قانون.

إن هؤلاء الأطباء يتعرضون لأبشع صور الظلم، والظلم عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة، كما ورد في الحديث القدسي الجليل: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا” . [أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم 2577].

وفي الحديث الشريف أيضاً: “اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَة“. [أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم 2578].

نداء عاجل إلى أحرار العالم والمؤسسات الدولية والأمة الإسلامية

إن الواجب الإنساني والأخلاقي والشرعي نحو الدكتور حسام أبو صفية يتجاوز مجرد إصدار بيانات القلق الروتينية والتنديد الخجول؛ إنها معركة ثوانٍ ودقائق معدودة لإنقاذ حياة إنسان يوشك أن يقضي نحبه،  ومن هنا، نتوجه بنادء عاجل وصارخ إلى:

  • منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر: للخروج عن صمتهم المريب، والتحرك الفوري والضغط بكل ثقلهم الدولي لزيارة طارئة لقسمراكيفيتالسري تحت الأرض، ونقل الدكتور حسام فوراً إلى مستشفى مدني لتلقي الرعاية العاجلة قبل فوات الأوان.
  • الاتحادات الطبية والمنظمات الحقوقية والأممية: لإثارة القضية في كافة المحافل القضائية الدولية كجريمة حرب مكتملة الأركان تستهدف الكوادر الطبية بشكل ممنهج، واعتبار ما يجري تصفية جسدية متعمدة.
  • الحكومات والجهات الهيئات الإسلامية والدولية ذات التأثير: للتدخل الفوري والدبلوماسي النافذ للضغط على سلطات الاحتلال للإفراج غير المشروط عن الطبيبين أبو صفية والهمص، فالإفراج عنهما ليس منّة من أحد، بل هو واجب قانوني وحق إنساني حتمي للمدنيين المحميين.

فهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان؟ كيف يقبل الضمير البشري، وكيف ترضى الأمة الإسـلامية، أن يُصعق ويُمزق بالهراوات الجسد النحيل الذي داوى آلاف الأطفال والضعفاء؟ وكيف نرتضي لطبيب أطفال ألجم الحصار وصنع الحياة بفضل الله من قلب الموت، أن يموت وحيداً مستضعفاً ومظلوماً في زنزانة معتمة تحت الأرض؟

نختم مستبشرين بوعد الله الحق للمؤمنين المحسنين، ومذكرين بمسؤولية الجميع في نصرته: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” [الرحمن: 60].

أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية.. أنقذوه قبل أن يسقط شهيداً آخر تحت وطأة التنكيل، وينضم إلى قافلة الشرفاء الأبرار (كالدكتور عدنان البرش والدكتور إياد الرنتيسي) الذين قضوا في مسالخ التعذيب لأنهم أبوا خيانة الأمانة، إن إنقاذه اليوم هو نصرة للمظلوم، وإعلاء لكلمة الحق، واتساق مع مقاصد الشريعة الإنسانية، وإنقاذ لما تبقى من ملامح الإنسانية في هذا العالم المحتضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى