مقالات مختارة

لماذا لا يأخذ الظالم عقابه فوراً؟!

لماذا لا يأخذ الظالم عقابه فوراً؟!

د. محمد إلهامي

لو كان كل ظالم يأخذ عقابه فورًا، أو حتى بعد وقت قريب، لما كان للإيمان معنى ولا قيمة، ولا كانت هذه الحياة اختبارًا، ولا تجرأ أحدٌ على الظلم أو على مخالفة أمر الله!

لقد قضى الله أن تكون الحياة ابتلاءً واختبارًا، وأن يتنعم الظالم أمدًا حتى ينسى هو عاقبة ظلمه، ويغتر بما هو فيه، وكذلك يكون مثالُه هذا فتنةً وغرورًا لغيره من أتباعه أو ممن يتفرجون!

ولو كان كل مؤمن يجد ثمرة الإيمان عزًا ونصرًا وتمكينًا في الدنيا، مباشرة أو بعد وقت قليل، لصار الناس كلهم مؤمنين!.. وحينها لم يكونوا ليؤمنوا بالله، بل هو إيمانهم بالنتائج المادية والفوائد العائدة على المؤمنين!

صلب الابتلاء حين يبدو الباطل قويًا

هذا هو صلب الابتلاء في هذه الدنيا.. أن يبدو الحق شاقًا عظيم التكاليف، وأن يبدو الباطل متجبرًا مهيمنًا قابضًا على زمام الحياة، وفي هذا الحال يتبين من آمن بالله وكلامه واليوم الآخر حقًا، ممن لم يؤمن به، وغرته مظاهر القوة والسطوة والغلبة!

لن يمكن الصبر على بلاء الدنيا إلا باستحضار الآخرة.. كذلك لن يرتدع الإنسان عن الظلم والطغيان إلا باستحضار الآخرة!

رحمة الله مع الابتلاء

ثم إن الله رحمن رحيم، حكيم حليم، عليم بعباده، فهو -مع أصل هذا الابتلاء- يُعطي عباده في الدنيا مشاهد من مصائر الظالمين، وعواقب المتجبرين، وانتصار المظلومين، وانقلاب الأحوال والمقادير.

فلو قد استمر الأمر على حال واحدٍ لكفر الناس جميعًا، فالإنسان لم يزل إنسانًا، لا يحتمل طول الأمد.. ولذا قال تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضةٍ ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبوابًا وسُررًا عليها يتكئون. وزخرفًا، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا}.

المعنى: إن الذين كفروا لن يتمتعوا إلا بالحياة الدنيا، وإن الله قادرٌ على أن يجعل لكل من اختار الكفر أن يعيش سائر حياته في نعيم وغنى وترف ورفاهية، حتى يصبح الواحد منهم في بيت سقفه من فضة، له شرفات عالية يُطل منها، واسع فسيح عديد الأبواب، كثير الأَسِرَّة والوسائد والأرائك، مزخرف مزين.. غير أن الله لن يفعل ذلك، فإنه لو فعله فإن الناس كلهم سيُفتنون ويكفرون.. لما يرونه من تعدد مُتَع الكافرين!

ومن رحمة الله بعباده أيضًا أن يُريهم ويخبرهم كيف أن متعة هذه الحياة الدنيا التي يرفل فيها الظالمون وأتباعهم إنما هي متعة ظاهرة، وتحتها عذاب طويل، كما في قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا}، وفي قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا}!

الطغيان لا يمنع الخوف ولا يرد القدر

ألم تر كيف يحيط الخوف والرعب بسكان القصور، حتى ليحسبون كل صيحة عليهم؟! فلا يهنؤون بمتعة، ولا يتنعمون بنعيم!

ثم جعل الله لعباده المؤمنين سعادتهم وراحتهم وسكينتهم في صدورهم، فكم من رجل تراه قد غُمِس في البلاء غمسًا، ثم رُزِق معه الصبر والرضا والطمأنينة!

وكما قيل بحق: المال يشتري الوسادة، ولا يشتري النوم، ويشتري القصر، ولا يشتري الراحة، ويشتري الطعام، ولا يشتري اللذة!

والسلطة والتمكين والهيلمان والصولجان الذي كان فيه فرعون لم يمنع عنه الخوف، حتى صار يقتل كل طفل يولد، يخشى أن يكون في حياته النهاية!

والجيش الحافل لم يحمِ الطاغية أن يغرق في البحر، أو أن يُغتال في حفل، وكم من جيش انقلب على الطاغية فأنزله من القصر إلى السجن!

الخلاصة

القصدُ: حقيقة الابتلاء أن تبدو الحياة غير عادلة! وأن يبدو الحق مقهورًا، والباطل متمكنًا.. فبهذا يُمَحَّص الإيمان! وعلى هذا يكون الجزاء!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى