
العبادة في الهرج
أ.د. محمّد حافظ الشريدة
قال رسول الله ﷺ: «العِبادةُ في الهَرجِ كَهِجرةٍ إلَيَّ» (رواه الإمام مسلم)، لقد كان الصّحابة الكرام يهاجرون من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإذا وقعت الفتن، فينبغي للمسلم أن يفرّ بدينه، أغلى ما يملك، إلى عبادة مالك الملك!
في هذا الحديث الشّريف يخبرنا الصّادق الأمين ﷺ أنّ العبادة في الهرج، في أوقات الفتن وفشوّ القتل، وعدم التّحاكم لشريعة المولى عزّ وجلّ، وكثرة الشّبهات والشّهوات، واختلاط الأمور، كهجرةٍ إليه ﷺ، أي كثواب من هاجر من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة يوم أن كانت الهجرة واجبةً على كلّ الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وسبب فضل العبادة في زمن الفتن أنّ النّاس يغفلون عن الطّاعات في تلك الأوقات، ويتكاسلون عنها، ولا يتفرّغ لها سوى القليل. ولأنّ الهجرة تؤدّي إلى ترك الدّيار رغبةً في ثواب العزيز الغفّار، فالعبادة في الهرج تفرض على صاحبها ترك متاع الحياة لوجه الله جلّ وعلا.
وكما أنّ المهاجرين في أوّل الأمر كانوا قلّةً لعدم تمكّن أكثر النّاس من ذلك، فهكذا العابدون زمن الفتن قليلون!
حين تضطرب أحوال الدّنيا، ويختلط الحابل بالنّابل، وتعلو الأصوات، وتكثر الفتن، ويصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويضيع الحقّ بين ضجيج الباطل، ويصبح من ثبت على دينه كالقابض على الجمرات؛ هنا تظهر قيمة عبادة الله فاطر الأرض والسّموات ﷻ، ويعلو قدر الثّبات، بل وتصبح السّجدات في هذه الحالات أعظم من كثير من الطّاعات في الأوقات الحالكات!




