زمن الجاهلية الجميل! | بقلم أ. محمد إلهامي

زمن الجاهلية الجميل! | بقلم أ. محمد إلهامي

كانت الأصنام في الجاهلية كثيرة.. لكل قبيلة صنم، في كل بيت صنم، ومن أراد أن يتخذ صنما لنفسه فعل، وحين يكون القوم في سفر يحمل الرجل صنما صغيرا، إن تكاسل عن الحمل بحث في لحظات الراحة عن حجر فاتخذه صنما ليعبده، فإن مرَّ بحجر خير منه ألقى الأول وعبد الثاني، فإن كانوا بأرض غير ذات حجارة جمعوا ترابا ثم جاءوا بشاة فحلبوها عليها فتتماسك فيعبدونها ويطوفون حولها.. وهكذا! وحول الكعبة وحدها انتصب ثلاثمائة وستون صنما!!

كان عصر حريات دينية من أوسع ما يكون!

هذا إن كان الدين مجرد علاقة بين الرجل وربه، فليس يضر ملأ قريش أن ينتقل الرجل في اليوم بين خمسة أصنام أو ستة، أو يترك عبادة الأصنام كلها ويقضي يومه وليله يتأمل في السماء وينسج الأشعار، أو حتى يتعلم الكتاب الأول فيتهود أو يتنصر.. كل شيء مباح ما دام المرء مواطنا صالحا يمشي على النظام المتبع ولا يخرج عنه أو يخرج عليه.

من هنا فهم العرب التهديد الخطير الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهموه من الكلمة الأولى “لا إله إلا الله”، فهموا منه ما لا يفهمه أغلب الناس اليوم، فهموا في لحظة واحدة أن كلمة التوحيد تعني هدم الأصنام، وهدم الأصنام يعني تغيير النظام.. كانت كلمة “لا إله إلا الله” في أسماع ملأ قريش ككلمة “الشعب يريد إسقاط النظام” في أسماع الحكام العرب، إلا أن كلمة التوحيد بناء بعد هدم، وتصور شامل للحياة، ولهذا انتفض النظام القرشي ضد الدعوة الجديدة..

فلو أن متحدثهم ينطق بلسان اليوم أو أن متحدث الأنظمة اليوم كان في زمانهم لقال: “إن الدولة القرشية تدافع عن الحريات الدينية المكفولة لكل مواطن، فهي لا تدافع عن صنم بعينه ولا عن عبادة شمس أو قمر، بل تدافع عن حق كل مواطن في عبادة ما يشاء، فالدين هو مجرد علاقة بين العبد وربه، لا دخل للدولة فيه.. وهذه الدعوة الجديدة التي جاء بها فتى بني هاشم إنما هي تطرف وتعصب بغيض ومحاولة إجبار الناس على عبادة إله واحد، وضرب استقرار المجتمع وتعكير السلم الاجتماعي وقلب نظام الحكم عبر السعي إلى السلطة بوسائل مخالفة للقانون والدستور القرشي الذي وضعه الآباء المؤسسون العظام”. قد قيل كل هذا الكلام لكن بألفاظ أخرى، وصدق ربنا (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم).

قد كانت أزمتهم على الحقيقة أن الإسلام ليس مجرد طقوس وشعائر وعلاقة بين العبد وربه، إنما هو نظام ومنهج يصوغ الحياة وفق رؤية شاملة تمتد إلى مناحي السياسة والاجتماع والاقتصاد، ومثل هذا لا يمكن القبول به في دائرة الحريات الممنوحة في النظام الجاهلي. وتلك هي أزمة الإسلام حتى الآن مع الأنظمة الحاكمة ومع النظام الدولي.

على أن قوة الإسلام التي رسخت في الناس لا تجعل النداء بالعودة إلى “زمن الجاهلية الجميل” مقبولا، حتى من يتابع أحلام المستشرقين والمنصرين وتطورها يجدها في انحدار، ففي مطلع القرن الماضي كانت مؤتمراتهم ومؤلفاتهم تبشر بقرب تنصير العالم الإسلامي، ثم بدأت تظهر نبرة أن المطلوب ليس تنصيرهم بل المطلوب إخراجهم من الإسلام (وأوضح تطبيق على هذا المعنى أن الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى اكتفوا بإخراج الإسلام من القسطنطينية وقهرها على العلمانية ولم يحاولوا إعادتها إلى المسيحية)، وعند نهاية القرن وبداية القرن الجديد كانت التقارير الغربية وكثير من المستشرقين قد وصلوا إلى مرحلة “صناعة الإسلام المعتدل” ودعم الفئات “الإسلامية” التي تمثل دينا مستكينا مهتما بالعلاقة بين العبد وربه ومستسلما للنظام الحاكم ومن فوقه النظام الدولي. وتنوعت التوصيات من دعم فئات متدينة في حياتها الخاصة لكنها ملتزمة بالنظام السائد (كانوا يتوقعون أن تكون تجربة تركيا مثالا ناجحا على هذا) إلى دعم فئات لا تتدخل بالسياسة من قريب أو بعيد (كجماعة التبليغ التي تسمح لها الأنظمة بمعسكرات ورحلات وخطب على المنابر) إلى دعم فئات تتدين بعبادة الحاكم وتمهيد الأمر له (كما في حالة السلفية المدخلية والطرق الصوفية). ومع تضاؤل نجاحهم في التجربة الأولى ثم قلة نجاحهم في الثانية يبدو أن التوصيات الآن محتفية على وجه الخصوص بدعم السلفية المدخلية والطرق الصوفية.

قبل شهور طالعت دراسة عن قوانين التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، يقول كاتبها (الخبير في مكافحة الإرهاب!) في السطور الأولى أنه كتبها بغرض إقناع الجماعات الإسلامية التي تتطلع إلى الخلافة وحكم الشريعة أن الدولة العثمانية التي يعتبرونها خلافة إسلامية كانت في آخر أيامها تسير في الطريق إلى العلمانية وتقصي الشريعة الإسلامية وتستبدل بها القوانين العلمانية الأوروبية، وأن هذا قد حدث برعاية الخليفة، وأن الدولة العثمانية كانت أبعد ما تكون عن الخلافة الدينية التي يتطلع إليها الإسلاميون، إنما كانت إمبراطورية عسكرية برجماتية تسعى بأي وسيلة للبقاء على قيد الحياة[1].

هنا نصل إلى مستوى جديد من الخطاب، وهو مستوى يقول: التجربة التي تنشدونها وتتطلعون إليها إنما كانت في حقيقة الأمر علمانية، لم تكن بالصورة التي تتخيلون، فدعكم من الأوهام، واقتنعوا بالعلمانية. ويمكن تجميل الصياغة على نحو آخر لتصير: إن النموذج الإسلامي العظيم المتمثل في الدولة العثمانية التي كانت خلافة إسلامية كبيرة هو في حقيقته كان يسير نحو الحداثة والتطور ويتقبل بشكل رائع ومرن المستجدات العالمية، حتى إن الخليفة نفسه وفي ظل مشيخة الإسلام نفسها بدأوا في استبدال القوانين الأوروبية بالقوانين الإسلامية، وبقبول مفهوم المواطنة كبديل عن الأمة، وعلينا أن نواصل مسيرة الخلفاء والعلماء المستنيرين لنصل إلى ما لم يمهلهم الوقت ليصلوا إليه.

نفس هذا المنطق كان أحد أهم الدوافع وراء نشر وترويج كتاب “الدولة المستحيلة” لوائل حلاق، فالكتاب يسوق لفكرة أن الدولة الإسلامية وإن كانت عظيمة ورائعة وبها من القيم ما تفتقر إليه الحداثة إلا أن تحققها في الواقع مستحيل، ومن ثم فعلى من يسعون في إعادة إحيائها أن يكونوا أكثر واقعية. ومن هنا أثار الكتاب ردود فعل مختلفة بين العلمانيين والإسلاميين جميعا، لأن كل طيف في كل فريق رآه داعما أو مهددا لفرضية أساسية لديه. فالإسلاميون الجهاديون والثوريون احتفوا بالكتاب لأنه يثبت تناقض الإسلام مع منظومة الحداثة تناقضا يمنع التقاءهما وهي فكرة داعمة للمسار الثوري الجهادي النضالي ثم اختلفوا مع استحالة التحقق فإن عودة الخلافة وعد الله، والإسلاميون الديمقراطيون تلقونه بالرفض لأن بناءهم الفكري يسوق لالتقاء الإسلام بالحداثة واستطاعته استيعابها أو التكيف معها أو الاستجابة لها بأخذ خير ما فيها ورفض شر ما فيها ثم قالوا بأن هذا هو دليل إمكانية التحقق لا استحالته كما يسوق المؤلف. وعلى الجانب الآخر: رفض فريق من العلمانيين الكتاب لما فيه من ثناء على التجربة الإسلامية وإثبات افتقار الحداثة لبعض قيمها بل واحتياجها للاستفادة من الإسلام، ومنهم فريق لم يهمه من الكتاب إلا أنه يقدم رواية فيها إرضاء للمتدينين والإسلاميين وتجربتهم العظيمة مع إثبات أنها كانت ولن تعود وأنها مستحيلة التحقق.

حين ننظر فيمن ترجم وروج للكتاب سنجدهم من الفريق الأخير.. فريق من يعتنق مفهوما علمانيا قوميا يحرص على نوع إرضاء أو لنقل عدم خسارة للتيار الإسلامي في مشروعه الجديد. ذلك هو مشروع عزمي بشارة صاحب النفوذ الثقافي الطاغي من خلال نوافذه البحثية والإعلامية، ومن لا يخفى على متابع سعيه في تصنيع الكوادر على نفس المثال.

عزمي بشارة، وهو ألطف من يتحرك في سياق تفكيك مفهوم الدولة الإسلامية، قال في فيديو منشور نفس ما قاله خبير مكافحة التطرف، يكاد أن يكون بالحرف، ولربما أن يكون قد نقل عنه، يقول ما مفاده: دراسة نهاية المرحلة العثمانية مهمة لنرى التطور الطبيعي لتبني العلمانية، والقوانين التي تبدأ باحترام الشريعة لتؤصل لإقصائها واستبدالها، وقد فعل هذا السلطان العثماني، الذي استعمل الديباجات الشرعية في سعيه “للإصلاحات المدنية”، حتى إلغاء الخلافة على يد أتاتورك إنما كان بفتوى!

وختم بشارة كلمته بقوله “أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم”!!! في أسرع تطبيق عملي على مراده الذي نستطيع أن نقول إنه: إقصاء الإسلام عبر التأصيلات الشرعية نفسها، والشخصيات والمؤسسات والحركات الإسلامية نفسها.

تبدو الفكرة نفسها بائسة ومعبرة عن الإفلاس، ذلك أن الإسلاميين –من أول الغنوشي زعيم الحريات المدنية يسارا وحتى داعش زعيمة الخوارج يمينا- لا يفكرون في الاقتداء بالدولة العثمانية، بل هم يرون آخرها هذا هو المرحلة الكارثية التي أسقطت الخلافة، بل إنه لا تعجبهم ولا حتى الدولة الأموية أعظم الدول الإسلامية قوة واتساعا ونفوذا.. إنما يتعلق أولئك في تنظيراتهم وأدبياتهم بالخلافة الراشدة، ومن خلالها يستدل كلٌّ منهم لمشروعه. لكن اللافت للنظر هنا أن مستوى الخطاب الساعي لإقصاء فكرة الدولة الإسلامية وصل إلى مرحلة يدغدغ فيها مشاعر المسلمين ويحاول إرضاء الإسلاميين بتسويق العلمانية على أنها ليست متناقضة جوهريا مع الإسلام.

وهنا أتذكر كلمة صديقي الساخر: الإسلام دين وسطي جميل لا يتعارض مع الإلحاد!!

تحت نفس لافتة “الإسلام الوسطي الجميل” يتحرك السيسي ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، كذلك يفعل حسن نصر الله وروحاني وبشار “يحاربون التكفيريين”!! بل إنك لتقرأ كلمات الإسلام المعتدل عند أفيخاي أدرعي ونتنياهو وترامب!! حتى أنشد صديق يقول:

إذا أفتى لأمتنا أوباما .. وعلمنا أصول الدين كيري

فدعنا من حلال أو حرام .. فقد طابت مسامرة الحمير

مهما تضاربت أو اتفقت مشاريع أولئك، فإن تسويقها يتخذ نفس الشعار “العودة إلى الإسلام الوسطي الجميل”، وهنا تتعدد التفسيرات والتأصيلات والفقهاء، بل ويتنوع الفقهاء أنفسهم، فربما كان إعلاميا كمحمود سعد الذي تحسر يوما على زمن الاعتدال الذي كانت تقف فيه المرأة في الشرفة بملابس النوم، ويمسك زوجها بزجاجة الخمر! أو أكاديميا كأسامة الغزالي حرب الذي لا يعترف بالحدود جزءا من الإسلام، أو حتى شيخا معمما يحكم بالجنة على من مات في سبيل الوطن وإن لم يكن مسلما!

القدر المتفق عليه بين كل أولئك أن يتخلى المسلم عن فكرة منافسة الحكام في مساحة النظام، وأن يكتفي من دينه بالشعائر والطقوس، فمن شاء كان سلفيا (مدخليا) أو صوفيا (مهادنا)، ومن شاء ترك الإسلام واعتنق ما شاء متى شاء وكيفما شاء، عش حياتك كما تهوى.. بشرط واحد: أن تكون مواطنا صالحا ملتزما بالنظام!

يكررون سيرة أشباههم من ملأ قريش.. تزعجهم “لا إله إلا الله” وتثير أعصابهم، على أن أولئك أرادوا إخمادها، وهؤلاء يريدون تذويبها وتزويرها!

قال تعالى (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي. إن الله لقوي عزيز)

 

 

(المصدر: مدونة أ. محمد إلهامي – منشور في مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى