كتب وبحوث

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

إعداد د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

القضيَّة الفلسطينيَّة والنّظام العالمي

يتطرَّق هنري كسنجر إلى مسألة في غاية الإلحاح، على الأقل بالنّسبة إلى المعنيين بدفع المهانة عن مسلمي العالم بتطهير قبلتهم الأولى من دنَس الاحتلال الصُّهيوني، وهي قضيَّة احتلال الأرض المقدَّسة، الشَّائع تسميتها القضيَّة الفلسطينيَّة. يتفاخر المفكّر السّياسي اليهودي بأنَّ إسرائيل، “بوجودها وجبروتها العسكري”، تمثّل للمسلمين “منبع الإحساس بالإهانة والإذلال”، ممَّا دفَع الكثيرين من الملتزمين بصحيح الكتاب والسُّنَّة النَّبويَّة بالتَّصريح بضرورة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بقوَّة السّلاح (ص132). بالطَّبع، يعتبر كسنجر الحركات الإسلاميَّة الدَّاعية إلى تحرير المسجد الأقصى المبارك، لما له من قدسيَّة وفق العقيدة الإسلاميَّة، جماعات جهاديَّة متشدّدة تسعى إلى ترويع إسرائيل المسالمة لقبول منْح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًّا على جزء من أراضي فلسطين التَّاريخيَّة من خلال “سلسلة من الحملات الإرهابيَّة” (ص133). وكما يدَّعي السّياسي اليهودي، كان العنف هو ردُّ الإسلامويين على مساعي إحلال السَّلام والوصول إلى تسوية سياسيَّة تغني عن المواجهات المسلَّحة، مدلّلًا على ذلك بمقتل الرَّئيس المصري الأسبق، أنور السَّادات، بعد عامين من إبرامه معاهدة السَّلام مع إسرائيل، “على أيدي إسلامويين متطرَّفين في الجيش المصري” (ص133). وكان الاغتيال كذلك مصير إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بعد عامين من إبرام معاهدة أوسلو في 13 سبتمبر 1993م، الَّتي أسفرت عن تأسيس السُّلطة الفلسطينيَّة عام 1995م، على اعتبار ذلك خطوة تمهيديَّة لإعلان دولة فلسطينيَّة مستقلَّة؛ وكان الاغتيال على يد طالب يهودي متطرّف.

يقسّم كسنجر المواقف العربيَّة تجاه إسرائيل إلى ثلاثة مواقف: موقف يتزعَّمه فريق محدود يقبل بالتَّعايش السّلمي مع إسرائيل ولا يرفض تقاسُم الأرض معها؛ وفريق يمثّل السَّواد الأعظم من العرب يسعى إلى تدمير إسرائيل ويعتبرون الحلَّ العسكري الأسلوب الأمثل لمواجهتها؛ وفريق يقبل التَّفاوض، ولكن من باب إلحاق الهزيمة بدولة الاحتلال وتعزيز مركز العرب في مواجهتها بمرور الوقت؛ ويعترف السّياسي الأمريكي المخضرم بأنَّ موقف هؤلاء دعائي، لا يستهدف سوى اكتساب زخمًا شعبيًّا، ولم يخدم قضيَّة الفلسطينيين مطلقًا، وإلَّا لما وصلت سيطرة الاحتلال إلى 80 بالمائة تقريبًا من مساحة أراضي فلسطين التَّاريخيَّة. وتجدر الإشارة في السّياق إلى خضوع صائب عريقات، السّياسي الفلسطيني والعضو البارز في منظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة والملقَّب بـ “كبير المفاوضين الفلسطينيين”، للعلاج في مركز هداسا الطّبّي الإسرائيلي بعد إصابته بفيروس كورونا، ووفاته في ذلك المركز الطّبّي في مدينة القُدس المحتلَّة في 10 نوفمبر 2020م. والسُّؤال: لو كان عريقات خدم قضيَّة الفلسطينيين بما آرق دولة الاحتلال فهل كانت ستوفّر له العلاج في أحد مشافيها؟!

فقدت القضيَّة الفلسطينيَّة شيئًا من إلحاحها في الشَّارع العربي بعد انصراف التَّركيز إلى إيران بسبب نشاطها النَّووي، وبسبب دعمها المطلق لميليشيات متطرّفة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا؛ وكأنَّما تمارس إيران الشّيعيَّة، المحسوبة من بين البلدان المسلمة، تأثيرًا سياسيًّا وعسكريًّا أقوى من إسرائيل في الشَّرق الأوسط لدرجة جعلت منها العدوَّ الأشرس للعرب، بل ولدولة الاحتلال الإسرائيلي ذاتها! نشغل العرب، كما يشير السّياسي اليهودي، بالنّزاعات الدَّاخليَّة الَّتي خلَّفها النُّفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة؛ وانضمَّ إلى القضيَّة الفلسطينيَّة قضايا عربيَّة ربَّما تفوقها إلحاحًا، وعلى رأسها القضيَّة السُّوريَّة والقضيَّة العراقيَّة والقضيَّة اليمنيَّة. وفي تلك الأثناء، تواصَل الاستيطان الإسرائيلي لأراضي فلسطين التَّاريخيَّة، حتَّى إعلان خطَّة ترامب للسَّلام، أو صفقة القرن، في 28 يناير 2020م، باعتبارها الحلَّ النّهائي للصّراع العربي-الإسرائيلي. منحت الإدارة الأمريكيَّة الفلسطينيين حقَّ التَّفاوض للحصول على مساحة من الأراضي لتأسيس دولتهم، على الأقل كما يُصرَّح به في أروقة المؤتمرات الدُّوليَّة، وإن كانت الحقيقة على أرض الواقع تؤكّد خلاف ذلك. فقد صرَّح بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ عام 2009م، خلال مشاركته في مؤتمر “جمعيَّة مسيحيين موحدين من أجل إسرائيل” أواخر يونيو 2020م بأنَّ خطَّة ترامب للسَّلام، باعترافها بشرعيَّة الحيازة الإسرائيليَّة لغالبيَّة مساحة أراضي فلسطين التَّاريخيَّة، قد “وضعت حدًّا لأوهام حل الدَّولتين”، منتقدًا المطالَبة بتأسيس دولة فلسطينيَّة على حدود 5 يونيو 1967م، ومناديًا بالتَّفاوض بغية “إيجاد حل واقعي لدولتين فيه لإسرائيل وحدها المسؤوليَّة الكاملة عن أمنهما”، نقلًا عمَّا نشره موقع روسيا اليوم بتاريخ 29 يونيو 2020م.

يشير هنري كسنجر إلى مساعي بعض الزَّعامات العربيَّة إلى الوصول إلى تسوية نهاية للصّراع العربي-الإسرائيلي، من خلال تسليم العرب بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربيَّة باعتباره أمرًا واقعًا، دون الاعتراف بدولة إسرائيل وشرعيَّتها. غير أنَّ دولة الاحتلال أبت ألَّا تحصل على اعتراف كامل من جيرانها العرب بشرعيَّة وجودها. لعلَّ مساعي العديد من الدُّول العربيَّة والإسلاميَّة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل منذ أغسطس 2020م، وبداية بدولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة، تنفيذًا لمطلب إسرائيل بسلام مع جيرانها ينطوي على “نوع من الاعتراف المعنوي-الأخلاقي والحقوقي المترجَم إلى أفعال ملموسة”، يقضي على المخاوف الأمنيَّة لدى دولة الاحتلال ويؤكّد على قبول هويَّتها اليهوديَّة. وقد أبرمت إسرائيل 4 اتّفاقات للتَّطبيع من الإمارات والبحرين والسُّودان والمغرب خلال 4 أشهر، ويجري التَّفاوض مع دول إسلاميَّة أخرى للحاق بذلك الرَّكب، بوساطة المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، حاضنة الحرمين الشَّريفين، كمت نَشَر موقع الحرَّة الأمريكي في 13 ديسمبر 2020م.

موقف السَّعوديَّة من نظام وستفاليا قديمًا وحديثًا

تسعى دولة الاحتلال إلى العيش سليمًّا، دون تهديدات أمنيَّة من محيطها الإسلامي؛ ولا يمكن ذلك إلَّا من خلال تخلّي محيطها عن النّظام الإسلامي، المؤيّد لإقامة خلافة تستند إلى الشَّريعة الإسلاميَّة الَّتي تتنافي كليًّا مع عقيدة اليهود؛ ولعلَّ في تعميم نظام الحُكم العلماني على كافَّة دول الشَّرق الأوسط ما يأتي بالنَّفع في هذا الصَّدد. وبالإشارة إلى دور السَّعوديَّة في هذه الآونة، بقيادة وليّ العهد الشَّاب، الأمير محمَّد بن سلمان بن عبد العزيز، حفيد مؤسّس المملكة، في التَّنسيق بين دولة الاحتلال وباقي الدُّول الإسلاميَّة من أجل تطبيع العلاقات وإبرام اتّفاقات تجاريَّة وأمنيَّة، يتَّضح أنَّ خطوات تقوي نظام الحُكم الإسلامي قد وصلت إلى الذُّروة! لم ننسى أنَّ الدَّولة السَّعوديَّة الأولى تأسَّست منتصف القرن الثَّامن عشر للميلاد بجهد مشترك من الإمام محمَّد بن سعود، حاكم إمارة الدّرعيَّة، والشَّيخ المجدّد محمَّد بن عبد الوهَّاب التَّميمي، الدَّاعية الإسلامي المتَّبع لمذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ وتضافرت جهود كلّ من بن سعود وبن عبد الوهَّاب لتخليص شبه الجزيرة العربيَّة من مظاهر البدع والخرافات والمحدثات الَّتي أُدخلت على صحيح الإسلام تأثُّرًا بالصُّوفيَّة. ظلَّ نظام الحُكم الَّذي استنَّه بن سعود وبن عبد الوهَّاب يقوم على إيكال المهام السّياسيَّة إلى أحد أفراد أسرة آل سعود، واضطلاع آل الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب بمهام الإفتاء والرّقابة الدّينيَّة. يُذكر أنَّ دور أبناء عائلة آل الشَّيخ قد تجاوَز الدَّعوة الإسلاميَّة إلى مجالات أخرى بعيدة تمامًا عن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

و

ظلَّت السَّعوديَّة حتَّى يومنا هذا الدَّولة العربيَّة الوحيدة الَّتي لا تستند إلى دستور وضعي، وتتمتَّع بطبيعة دينيَّة يفرضها وجود الحرمين الشَّرفين داخل حدودها. يُذكر أنَّ الدَّولة السَّعوديَّة الأولى (1744-1818م) هُدمت على يد الجيش العثماني بقيادة إبراهيم باشا، ابن محمَّد علي باشا الوالي العثماني على مصر؛ وتأسَّست الدَّولة السَّعوديَّة الثَّانية (1818-1891م) وأزيلت على يد مملكة آل رشيد الَّتي حكمت شمال وسط شبه الجزيرة العربيَّة؛ وأخيرًا تأسَّست الدَّولة السَّعوديَّة الثَّالثة عام 1902م على يد عبد العزيز بن عبد الرَّحمن بن سعود. اكتملت حدود الدَّولة السَّعوديَّة الثَّالثة كما تُعرف اليوم بعد ضمّ مملكة الحجاز إلى سلطنة نجد، وبعد توحيد عبد العزيز بن عبد الرَّحمن بن سعود كافَّة أجزاء شبه الجزيرة العربيَّة، لتُعلن المملكة العربيَّة السَّعوديَّة في 23 سبتمبر 1932م. وبرغم الاستناد إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، وبرغم دور آل الشَّيخ في تشكيل سياسة الحُكم، حرِص حُكَّام المملكة منذ تأسيسها على التَّقرُّب إلى الغرب وتكوين علاقات تجاريَّة معه، وبخاصَّة بعد اكتشاف النَّفط وما تبع ذلك من تكوين ثروات نقديَّة هائلة. ويعتبر كسنجر السَّعوديَّة أكثر بلد تعرَّض لتهديد الانتفاضات الإسلامويَّة؛ لتبقى المملكة في صراع بين “ولائها الرَّسمي للمفاهيم الوستفاليَّة الَّتي تتركَّز على الأمن والاعتراف الدَّولي بوصفها دولة سياديَّة شرعيَّة من ناحية”، و “النَّقاء الدّيني الَّذي يغذّي تاريخها من ناحية ثانية”، و “مناشدات النَّزعة الإسلامويَّة الَّتي تفسد تلاحمها الدَّاخلي من ناحية ثالثة” (ص140).

يستغلُّ هنري كسنجر انتماء أسامة بن لادن، مؤسّس تنظيم القاعدة وزعيمه السَّابق، إلى السَّعوديَّة في التَّدليل على انتشار الفكر الإسلامي المتشدّد هناك، واعتبار المملكة إحدى بؤر إعداد المتطرّفين. كما سبقت الإشارة، يعتبر المفكّر السّياسي اليهودي تأسيس تنظيم القاعدة نتاجًا لدعوة سيّد قطب في كتابه معالم في الطَّريق (1964م) إلى تكوين طليعة ثوريَّة تعيد تشكيل النّظام العالمي بإعادة العمل وفق الشَّريعة الإسلاميَّة. كانت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أكبر خصم تسلَّطت عليه لعنات بن لادن؛ ليس فقط لدعمها حكومات الدُّول ذات الأغلبيَّة المسلمة غير المطبّقة للشَّريعة الإسلاميَّة والمتّبعة لأساليب قمعيَّة ضدَّ مواطنيها المطالبين بأبسط وسائل العيش الكريم، إنَّما كذلك لتدنيسها أرض الحرمين الشَّريفين عند دخول قوَّاتها إليها خلال حرب الخليج عام 1990م. وكان أسامة بن لادن قد أصدر فتوى، نشرتها جريدة القدس العربي الصَّادرة من لندن في 23 فبراير من عام 1998م، تبيح “قتْل الأميركيِّين ونهْب أموالهم” لاحتلالهم ديار المسلمين خدمةً لمساعي “دويلة اليهود”.

ويجد كسنجر أنَّ تهديدات بن لادن لأمريكا قد أفضت إلى الهجوم الإرهابي الأشدَّ وحشيةً، وهو هجوم 11 سبتمبر 2001م، الَّذي خلَّف 2977 قتيلًا وآلاف الجرحى من المدنيين المسالمين. وتكمن مشكلة النّظام القائم في السَّعوديَّة، كما يرى كسنجر، في سعيه إلى التَّوفيق بين مصالحها مع النّظام الغربي الوستفالي، مع الاحتفاظ بنهج التَّمسُّك بالأصوليَّة الإسلاميَّة؛ ويتَّهم كسنجر السَّعوديَّة بـ “دعم بل وحتَّى توظيف الحركات الإسلامويَّة الرَّاديكاليَّة في الخارج”؛ والنَّتيجة هي أنَّ تلك الحركات صارت تهدّد السَّعوديَّة والدُّول الحليفة لها (ص141). ولا يقتصر التَّهديد الإسلاموي الأصولي للسَّعوديَّة والغرب على تلك الحركات السُّنّيَّة المتشدّدة، بل صار يمتدُّ إلى نظام ملالي الشّيعة في إيران، والَّذي ربَّما يشكّل خطرًا أكبر على العالم بأسره؛ بسبب برنامجه النَّووي، الَّذي يصرُّ الغرب على استغلاله في تطوير أسلحة دمار شامل. ويعتبر كسنجر أنَّ الصّراع بين إيران والسَّعوديَّة صراعٌ وجوديٌّ، ربَّما يدفع المملكة إلى السَّعي إلى امتلاك رؤوس نوويَّة تردع بها العدوَّ الإيراني، إمَّا باقتنائها من بلد صديق، قد يكون باكستان؛ أو بتمويل تصنيعها في بلد آخر.

ومن أحدث ملابسات الصّراع الدَّائر بين الإدارة الأمريكيَّة ونظام الملالي في إيران بشأن البرنامج النَّووي الإيراني ما يُثار عن تفكير الرَّئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، في توجيه ضربة لموقع نووي إيراني قبيل مغادرته البيت الأبيض في 20 يناير 2021م، ثمَّ تراجُعه بعد مشاورة معاونيه.

غير أنَّ أصابع الاتّهام وُجّهت إلى أمريكا، إلى جانب إسرائيل والسَّعوديَّة، في اغتيال الفيزيائي والضَّابط السَّابق في الحرس الثَّوري الإيراني، محسن فخري زاده، الملقَّب بـ “الأب الرَّوحي” لبرنامج إيران النَّووي، في 27 نوفمبر 2020م، كما جاء على لسان وزير الخارجيَّة الإيراني، جوَّاد ظريف. وقد رأى البعض أنَّ خطوة اغتيال الفيزيائي الإيراني البارز قد تشعل صراعًا إقليميًّا حاميًا، إذا ما ردَّت إيران على الاغتيال بما قد تعتبره الإدارة الأمريكيَّة عملًا استفزازيًّا يستدعي القضاء على الخطر الإيراني.

المصدر: رسالة بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى