
في ذكرى وفاة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. تونس تستحضر عالمًا موسوعيًا ورائدًا من رواد الإصلاح
تحلّ اليوم ذكرى وفاة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، أحد أبرز أعلام تونس في القرن العشرين، وأحد كبار العلماء والمصلحين الذين تركوا أثرًا عميقًا في الفكر الديني والتربوي والثقافي والاجتماعي، فقد توفي يوم 20 أبريل 1970، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والوطني، بينما ظلّ حضوره الفكري والإصلاحي متواصلًا في الذاكرة التونسية والعربية إلى اليوم.
ويستعيد التونسيون في هذه المناسبة سيرة رجلٍ جمع بين الرسوخ في العلوم الشرعية والانفتاح على الفكر الحديث، فكان عالمًا موسوعيًا، وخطيبًا مفوهًا، ومربّيًا بارزًا، وصوتًا إصلاحيًا جمع بين الأصالة والتجديد.
المولد والنشأة
وُلد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور بمدينة المرسى يوم 16 أكتوبر 1909، ونشأ في بيت علم ودين، فهو ابن الإمام الكبير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، أحد أعظم علماء الزيتونة في العصر الحديث، وقد حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تلقّى علوم العربية والفقه والتوحيد والقراءات، إلى جانب تعلّمه اللغة الفرنسية على أيدي معلمين خصوصيين.
التحق بجامع الزيتونة، وأحرز شهادة التطويع سنة 1928، قبل أن يبدأ مساره في التدريس سنة 1932 داخل الجامع الأعظم، حيث تدرج في سلك التعليم الزيتوني حتى صار من كبار مدرسيه، واشتهر منذ شبابه بذكائه الواسع وثقافته الموسوعية، حتى لقّبه معاصروه بـ“العلامة البحر“.
عالم موسوعي وإصلاحي بارز في تونس
يُعدّ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور من أعظم ما أنجبت تونس من العلماء الأعلام ورواد الإصلاح الديني والتربوي، فقد برع في علوم الشريعة، وأصول الدين، والفلسفة الإسلامية، واللغة العربية، كما امتد اهتمامه إلى قضايا الاجتماع والعمران والفكر والثقافة.
وقد وصفه تلميذه ورفيق دربه الشيخ محمد الحبيب بلخوجة بأنه كان عالمًا يحدّث في كل فن، ويحاضر في مختلف المعارف، من الأدب والبلاغة واللغة، إلى التفسير والعقيدة، ومن الفقه وأصوله إلى الفلسفة والتاريخ والاجتماع، وهو ما جعله نموذجًا للعالم الموسوعي الذي يجمع بين سعة المعرفة وعمق الفهم وحسن البيان.
مناصب علمية وقضائية ووطنية رفيعة
شغل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عدة مناصب علمية وقضائية بارزة في تونس، فكان:
- مدرسًا بجامع الزيتونة والمدرسة الصادقية والمعهد العالي للحقوق وكلية الحقوق بتونس.
- مفتيًا مالكيًا سنة 1953.
- قاضيًا مالكيًا بالمحكمة الشرعية سنة 1956.
- رئيس دائرة بمحكمة التعقيب سنة 1956.
- عميدًا لكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الزيتونة سنة 1961، واستمر في هذا المنصب إلى وفاته.
- مفتي الجمهورية التونسية.
كما كان عضوًا في عدد من الهيئات العلمية الكبرى، من بينها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، إلى جانب عضويته في مؤسسات علمية عربية وإسلامية أخرى.
دور بارز في الإصلاح والتعليم والعمل العام
لم يقتصر دور الشيخ محمد الفاضل بن عاشور على التعليم والإفتاء، بل كان فاعلًا في مجالات الإصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي، فقد ترأس الجمعية الخلدونية منذ سنة 1945، وأسهم من خلالها في تطوير التعليم الزيتوني، عبر تأسيس مؤسسات علمية مهمة، من بينها:
- معهد البحوث الإسلامية
- معهد الحقوق العربي سنة 1946
- معهد الفلسفة سنة 1949
كما اضطلع بدور بارز في الحياة العامة، وارتبط اسمه بعدد من المحطات المهمة في تاريخ تونس الحديث، من ذلك عضويته في الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد إثر مؤتمر ليلة القدر سنة 1946، إضافة إلى ترؤسه المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946.
الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والقضية الفلسطينية
برز الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أيضًا بمواقفه القومية الواضحة، وخاصة دعمه المبكر للقضية الفلسطينية، حيث كان من أبرز الأصوات التي ناصرت فلسطين في تونس منذ أواخر الانتداب البريطاني، واستمر في ذلك بعد قيام الكيان الصهيوني وخلال حرب فلسطين سنة 1948.
وقد عُرف بخطبه القوية ومحاضراته المؤثرة التي شدّت الجماهير، وأسهمت في رفع الوعي الوطني والقومي والديني، وجعلت منه شخصية جامعة تحظى بالتقدير والاحترام داخل الوسط الزيتوني وفي الساحة الوطنية عمومًا.
حضور دولي ومشاركات علمية واسعة
كانت للشيخ محمد الفاضل بن عاشور مكانة علمية دولية، إذ شارك في مؤتمرات فكرية وعلمية مهمة، وألقى محاضرات في جامعات عربية وأجنبية، من بينها جامعة السوربون بباريس، وجامعة إسطنبول، وجامعة عليكرة في الهند، وجامعة الكويت.
كما زار عدة بلدان عربية وأوروبية، منها الجزائر ومصر وسوريا ولبنان والمغرب وليبيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا والنمسا واليونان وبلغاريا ويوغسلافيا السابقة، وكان في كل تلك المحطات سفيرًا للعلم الزيتوني والفكر التونسي المستنير.
أبرز مؤلفات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور
خلّف الشيخ الراحل عددًا من المؤلفات التي تعكس تنوع اهتماماته وعمق معارفه، ومن أبرزها:
- الحركة الأدبية والفكرية في تونس في العصر الحاضر
- أركان الحياة العلمية بتونس
- أركان النهضة الأدبية بتونس
- أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي
- تحقيق في معجز أحمد (أُعدّ ولم يصدر)
- التفسير ورجاله
- تفسير القرآن بالأحاديث النبوية (أُعدّ ولم يصدر)
ولا تزال هذه الأعمال تمثل جزءًا مهمًا من الرصيد الفكري التونسي والعربي، وتؤكد المكانة الرفيعة التي احتلها الشيخ في مجالات البحث والتأليف.
وفاة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور
شكّلت وفاة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور يوم 20 أبريل 1970 صدمة كبيرة في تونس والعالم العربي والإسلامي، لما كان يتمتع به من مكانة علمية ووطنية وإنسانية، وقد شاركت وفود رسمية من بلدان شقيقة وصديقة في تقديم التعازي، وحضور مراسم التشييع.
وفي 22 أبريل 1970، كان موكب دفنه في مقبرة الزلاج حدثًا وطنيًا نادرًا، حضرته حشود كبيرة من المواطنين الذين توافدوا من المرسى إلى العاصمة لتوديع واحد من أعلام تونس الكبار، في مشهد جسّد حجم المحبة والتقدير اللذين حظي بهما في حياته وبعد وفاته.
لماذا بقي محمد الفاضل بن عاشور حاضرًا في الذاكرة؟
لأن الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لم يكن مجرد عالم دين أو قاضٍ أو أستاذ جامعي، بل كان مشروع إصلاح متكامل، جمع بين العلم والعمل، وبين الهوية والانفتاح، وبين المرجعية الإسلامية والوعي بمتطلبات العصر، ولذلك بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الوطنية، وبقيت سيرته مصدر إلهام للأجيال الجديدة من العلماء والمفكرين والباحثين.
منتدى العلماء: استذكار رجل دولة وعالم أمة
وفي ذكرى وفاته، يؤكد منتدى العلماء أن استحضار سيرة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ليس مجرد وفاء لرمز علمي كبير، بل هو استدعاء لقيم العلم والإصلاح والاعتدال والانتماء الحضاري، فقد مثّل الراحل نموذجًا للعالم الذي يخدم دينه ووطنه وأمته بفكر مستنير وموقف ثابت وعطاء متواصل.
رحم الله الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، وجزاه عن تونس والعالم العربي والإسلامي خير الجزاء، وأبقى أثره العلمي والفكري منارة تهدي الباحثين وطلاب العلم في كل زمان.




