كتب وبحوث

تَشْريع الوَقْف الإسلامي ومقاصده وبيان الإعْجاز فيه.. دراسة فقهية مقاصدية

قدم الدكتور علي القره داغي بحثاً علمياً في الندوة الدولية الأولى للإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة “الإعجاز التشريعي في الزكاة والأوقاف: أنموذجاً معاصراً” والذي تنظمه جامعة الزيتونة والهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة (مكتب تونس) في الفترة من 12 إلى 13 ديسمبر 2015م .

وجاء البحث بعنوان: ” تَشْريع الوَقْف الإسلامي ومقاصده وبيان الإعْجاز فيه.. دراسة فقهية مقاصدية “..

وفيما يلي نص البحث:

إن الوقف هو طُرّةُ حضارتنا الإسلامية ، ودُرّةُ معالمنا الحضارية ، وتاج مؤسساتنا الأهلية التي ساهمت مساهمة فعالة في القضاء على الجهل ، والفقر ، والمرض ، والتخلف ، بل شاركت في الارتقاء بالمجتمع من حيث الصحة ، والتعليم ، والتنمية الاجتماعية والتكافل الحضاري من خلال بناء المستشفيات (بيمارستان) والمدارس والجامعات ، وجميع أنواع ما تحتاج إليه الأمة ، بل حتى الحيوانات والطيور الضعيفة .
هذا الصرح الكبير للوقف لم يُبنَ على فراغ ، وتلك الآثار العظيمة لم تتحقق دون أن يكون الجانب التأصيلي والفكر التنظيمي والأدوات على مستوى كبير من الدقة والضبط في تشخيص الأهداف والرؤية ، وواقعية البرامج والمشاريع .

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية البحث بدقة عن الجانب التشريعي للوقف ، وأثر الوقف ودوره التنموي الشامل (الوقف والتنمية الداخلية والخارجية ، الوقف والتنمية الروحية ،  الوقف والتنمية الصحية ، الوقف والتنمية العقلية ، الوقف وتنمية البحث العلمي) .

 ونحن في هذا البحث نربط  هذه الإنجازات العظيمة للأوقاف بالإعجاز التشريعي فيه ، وذلك من منطلق أن القرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، وتشريعاته ، ومن أهم تشريعاته الوقف بمدلوله الشامل لجميع مؤسسات المجتمع الأهلي التي تعتمد عليها الحضارة المعاصرة.

والله أسأل أن يوفقنا جميعاً فيما نصبو إليه ، وأن يكتب لنا التوفيق في شؤوننا كلها ، والعصمة من الخطأ والخطيئة في عقيدتنا ، والاخلاص في أقوالنا وأفعالنا ، والقبول بفضله ومنّه لبضاعتنا المزجاة ، والعفو عن تقصيرنا ، والمغفرة لزلاتنا ،  إنه حسبنا ومولانا ، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير .

التعريف بعنوان البحث :

العنوان يتضمن الكلمات الآتية ، فنعرف بها:

أ – تعريف التشريع :
التشريع لغة مصدر : شرَّع يشرع ، وأصله من الشرع وهو لغة النهج والطريقة المستقيمة ، وشرعة المـاء مورده الذي يقصـد للشرب ، ويقـال : شرع لهم أي سنَّ لهم ، وهي من الشروع في الشيء قال ابن جرير :”وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ، ومن ذلك قيل لشريعة الماء شريعة ، لأنه يشرع منها إلى الماء ، ومنه سميت شرائع الإسلام لشروع أهله فيه” .
وقد ورد لفظ ” شرع ” ومشتقاته في القرآن خمس مرات ، وهي :

(1) قوله تعالى : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا ….)  قال الماوردي : (وفي شرع لكم أربعة أوجه : أحدها : سنَّ لكم . الثاني : بين لكم ، والثالث : اختار لكم ، والرابع : أوجب عليكم) .
(2) قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ)  أي أن المشركين يتبعون ما سنَّ لهم شركاؤهم من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة و السائبة … ، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار .
(3) قوله تعالى : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً)  . قال ابن عطية : أي تأتي حيتانهم مقبلات إليهم مصطفات ، كما يقال : أشرعة الرماح إذا مدت مصطفة   .
(4) قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)  ، قال الماوردي :” أما الشرعة فهي الشريعة ، وهي الطريقة الظاهرة ، فيكون معنى قوله : شرعه ومنهاجاً أي سبيلا ً وسنة وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد ، وقتادة   .
(5) قوله تعالى : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)   أي جعلناك على طريقة ومنهاج من أمرنا ، فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك   .

وقد ذكر أكثر المفسرين أن المراد بالشريعة في الآيتين الأحكام العملية دون العقائد وأصول الأخلاق الثابتة التي لا اختلاف فيها بين الرسل ، لقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا…)    فإقامة الدين لله من خلال العقيدة الصحيحة ، وعدم التفرق فيه متفق عليهما بين جميع الأديان ، قال ابن عطية : (وهذا عندهم في الأحكام وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم … ، وقد ذكر الله في كتابه عــدداً من الأنبيـــاء شرائعهم مختـــلفة ، ثم قال لنبيه: صلى الله عليه وسلم (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) . فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط ، فأما في الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) .

 وقد نقل المفسرون عن قتادة في تفسير هذه الآية : أي لكل واحد منهم سبيل وسنة والسنن مختلفة ، للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء كي يعلم الله من يطيعه ممن يعصيه ، وفي رواية عن قتادة : الدين واحد والشريعة مختلفة ”   .

 فعلى ضوء ذلك أن الشريعة هي الأحكام العملية التي قد يختلف بعضها عند بعض الرسل عن بعضها عند الآخرين ، ولذلك نسخت شريعـة محمـد صلى الله عليه وسلم كل الشرائع السابقة ، وأن المطلوب منه هو اتباع شريعته فقط كما نصت على ذلك آية سورة الجاثية .

  فالمراد بالشريعة الأحكام العملية التي يكلف بها الإنسان من حيث الوجوب والندب ، والحرمة والكراهية والإباحة ، ومن حيث الوضع والعلامة ، سواء كان تشريع هذه الأحكام بالقرآن أم بالسنة ، لأن الكل وحي من عند الله تعالى قال تعالى : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)   قال الشافعي : (فذكر الله الكتاب وهو القرآن وذكر الحكمة ، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 وخطاب الشرع إما خطاب تكليف أو خطاب وضع ، فالأول هو ما يتعلق بفعل المكلف على سبيل الاقتضاء أو التخيير ، والثاني هو ما أخبرنا أن الله تعالى وضعه ويسمى بخطاب الإخبار أيضاً   .
والمراد بالاقتضاء : الطلب وهو إما طلب فعل أو طلب ترك ، وكل منهما إما أن يكون طلباً جازماً أو غير جازم ، فخطاب الشرع الدال على طلب الفعل طلباً جازماً ــ مع المنع من تركه ــ يسمى بالإيجاب ، وإذا كان غير جازم فيسمى بالندب ، وخطاب الشرع الدال على طلب ترك الفعل طلباً جازماً ــ أي مع المنع من فعله ــ يسمى بالتحريم ، وإذا كان غير جازم فيسمى بالكراهية ، والتخيير هو الإباحة ، وهي ما لم يقتض الخطاب أحد الطلبين ، بل خير المكلف بين الفعل والترك .

 هذه هي الأحكام الخمسة التكليفية  ، ويسمى الفعل الذي يتعلق به الإيجاب بالواجب ، وقد رسم بأنه ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، ويسمى الفعل الذي يتعلق به الندب بالمندوب ، ورسم بما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ، ويسمى الفعل الذي يتعلق به التحريم بالمحرم ، ورسم بأنه ما يذم فاعله من حيث هو فعل ، ويسمى الفعل الذي يتعلق به الكراهية بالمكروه ، ورسم بأنه ما يكون تركه راجحاً على فعلـه لنهي ورد في فعله وإن كان فعله جائزاً ، ويسمى الفعل الذي يتعلق به الإباحة بالمباح ورسم بأنه : ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب عليه من حيث هو.

ثم إنه لا خلاف في أنه قد وردت آيات في القرآن الكريم تدل على إباحة بعض الأشياء كقوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)  وقوله تعالى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً)   فمطلق الأكـل والشرب والطــعام حــــلال مباح من حيث هو  ، لكنه ثار خلاف في أن ثبوت المباح هل يحتاج إلى دليل من الشرع ؟ فذهب المعتزلة إلى أنه لا معنى للإباحة إلا انتفاء الحرج في فعله وتركه ، وذلك لأن هذا الحكم ثابت قبل الشرع وهو مستمر بعده ، إذن فلا يكون حكماً شرعياً . غير أن الجمهور قالوا : لا يثبت أيُّ حكم إلا بالشرع ، كما أنه ليس معنى الإباحة ما ذكروه ، بل هي الخطاب الشرعي الدال على عدم الحرج في فعله وتركه ، فعلى هذا يكون هذا الحكم غير ثابت قبل الشرع ، وهي بهذا المعنى ليست حكماً عقلياً ، بل هو حكم شرعي ، وقد ذكر الصفي الهندي أن هذا الخلاف لفظي راجع إلى الاصطلاح ، وذلك لأنه إن عني بالمباح ما لا حرج في فعله ولا في تركه لا غير فالمباح ليس حكماً شرعياً ، وإن عني بالمباح ما ذكرناه فهو حكم شرعي لا محالة   .

وخطاب الوضع له خمسة أنواع وهي السبب ، والمانع ، والشرط ، والصحة ، والبطلان   . فالسبب هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الشرع على كونه معرفاً للحكم ، كجعل دلوك الشمس معرفاً لوجوب صلاة الظهر ، والمانع هو الوصف الذي دل الشرع على كونه معرفاً لعدم وجود الحكم ، وعرف أيضاً بأنه ما ينتفي الحكم لوجوده كالحيض حيث هو مانع من وجوب الصلاة على الحائض أثناءه . والشرط هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط ، لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط . والصحة هي الموافقة لمقتضى ما دل عليه الشرع ، والفساد والبطلان عكس ذلك ، فالمراد بصحة العقود : أن تتحقق فيها أركانها وشروطها ، بحيث تترتب عليها آثارها الشرعية ، والبطلان عدم تحقق الأركان والشروط وبالتالي عدم ترتيب الآثار عليها  .

فعلى ضوء ما سبق لا يختص الشرع أو التشريع بجانب الإلزام فحسب بل يعمه وغيره من الأحكام التكليفية والوضعية ، فمن الخطاب ، أو الحكم ــ سواء كان قرآناً أو سنة ـــ ما هو ملزم ، ومنه ما هو غير ملزم ، وذلك لأن كلا ً من ذلك حكم ، والحكم لا يكون إلا لله تعالى وحده .

ب- تعريف الوقف:

لغة : الحبس ، وذكر بعضهم أن الوقف أقوى من الحبس  ، ويطلق كذلك على الموقوف عليه تسمية بالمصدر ، وجمعه أوقاف  .
وفي الاصطلاح اختلف الفقهاء في تعريفه نظراً إلى نظرتهم إلى الوقف ، لذلك فالتعريف الراجح في نظري للوقف هو : حبس الأصل ، وتسبيل المنفعة ” ولا يفهم من الحبس الخلود والدوام إلى يوم القيامة ، وإن كان ذلك هو الأصل ، وإنما يشمل أيضاً ما يطلق عليه اسم ” الحبس ” حسب العرف ، لأن الشرع لم يحدد زمن الوقف ، والحبس للمال الموقوف ، فيخضع للعرف ، وبذلك يدخل فيه الوقف المؤقت كما أجازه جماعة من الفقهاء ، والمراد بالأصل كل شيء موجود تنتج عنه منفعة أو ثمرة وبالتالي فهو أعم من العين فيشمل العقار والمنقول ، والمراد بالتسبيل هو التصدق والبر ، وذلك لأن الوقف شرع للبر والإحسان ، والمراد بالمنفعة هو كل شيء ينتفع به مباشرة كالسكنى بالنسبة للعقار ، والثمرة بالنسبة للأشجار ، والغلة بالنسبة للأرض ، أو غير مباشرة كما هو الحال في وقف النقود للاستثمار لصالح الفقراء مثلاً ، حيث يستفيدون من الناتج لاستخدامه في قضاء حوائجهم كما يشمل منفعة القرض من حيث استفادة المقترض كما هو الحال في نقد النقود للاقراض .

ج- التعريف بالمقاصد :
المقاصد جمع مقصد ، وهو لغة من القصد بمعنى العزم ، والتوجيه ، والعدل ، والاعتدال ، والوسط.
واصطلاحاً عرفت المقاصد بعدة تعريفات ، منها : أنها هي الحكم والغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد   .

د- تعريف الإعجاز :
وهو مصدر أعجز ، يقال أعجزه فلان أي جعله عاجزاً غير قادر عليه ، أو على مواجهته ، ومنه المعجزة التي هي : أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد نبي تأييداً لنبوته  ، وعبّر جمع عنها بأنها : أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة  .

مشروعية الوقف :
الوقف مشروع من حيث الأصل ، عند جماهير الفقهاء ، بل مستحب ، وقد يعتريه بعض الأحكام الأخرى  .
ويدل على مشروعيته واستحبابه واعتباره من القرب المندوب إليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة ، وإجماع الصحابة ، ولا حاجة لذكرها هنا .

كيفية شمول الإعجاز القرآني للوقف :
حينما تتدبر الآيات التي وردت في الإعجاز ، والتحدي بالقرآن العظيم نجد ان هذا التحدي ليس موجهاً إلى العرب فحسب ، ولا إلى الإنسان فقط بل إلى الجن والانس ، مما يشعرنا بأن هذا التحدي بوجوه تعجز هؤلاء جميعاً فقال تعالى : (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )   كما خاطب جميع المخاطبين به أيضاً فقال تعالى : (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ )   فهذه الآية جاءت مباشرة بعد قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)   مما يدل على أن المخاطب به هو جميع الناس ، ثم تضمنت الآية نفسها أن يدعوا شهداءهم من الجن ليأتوا بسورة واحدة مثل القرآن الكريم .

 إذن فالإعجاز والتحدي بالقرآن الكريم لجميع من طولبوا بالايمان به ، وهم جميع الانسن والجان ، ففي ضوء ذلك تكون وجوه الإعجاز والتحدي شاملة لهم جميعاً ومحققة ذلك على علم وبصيرة .
والمقصود بالتحدي والاعجاز هو أن يتضمن القرآن الكريم من وجوه الإعجاز ما تعجز عنه العرب وغير العرب من الشعوب والأقوام ، وكذلك ما يعجز عنه العلماء وعامة الناس.

 ومن جانب آخر فإن القرآن الكريم استعمل في جميع آيات الإعجاز والتحدي لفظ ( المثل ) دون تحديده بالإعجاز البياني والبلاغي فقال تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ )   حيث تحداهم بحديث مثل القرآن الكريم في البيان والفصاحة والبلاغة ، وفي بيان الغيبيات السابقة واللاحقة ، وفي التشريع والأخلاق والمعاني وفي الإعجاز العلمي والاقتصادي  ، إلى آخر ما تتحمله هذه الكلمة من معان ومفاهيم ودلالات ومبادئ وقواعد لرسم الحياة الطيبة وسعادة الدنيا والآخرة .

 وقد ذكر الله ذلك في بقية الآيات الخاصة بالتحدي بالقرآن كله أو بعضه ، فقال تعالى : (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )   وقال تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)   وقال تعالى : (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)   وقال تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )   .

 فقد رأينا أن التحدي بمثل القرآن كله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة من مثله ، وذلك دون تحديد ولا تقييد ولا تخصيص حتى يشمل كلّ ما في القرآن الكريم : لفظه ومعناه وأسلوبه ومبْناه …الخ .
والإعجاز في الوقف يأتي من خلال سبق الإسلام بتشريع الوقف بجميع أنواعه ، ومؤسساته ، وتنظيم المجتمع الإسلامي من خلاله كما يتبين فيما بعد .

الوقف ومؤسسات المجتمع الأهلي :
ظهر مصطلح (مؤسسات المجتمع المدني) أو (الأهلي) في العقود الأخيرة للدلالة على المؤسسات الأهلية غير الحكومية ، ودورها في خدمة المجتمع في مختلف مجالات الحياة ، وفي خدمة الإنسان من حيث حقوقه ، وحماية كرامته .

ونستطيع القول : بأن مؤسسات المجتمع الأهلي تسعى جاهدة ـ خارج إطار الدولة ومؤسساتها ـ لتحقيق المقاصد الضرورية والحاجية للإنسان والمجتمع من خلال حماية الإنسان ، وحريته الدينية ، وحماية النفس والعرض ، والمال ، وغيرها من المقاصد المعتبرة بالإضافة إلى تحقيق العدل ، وحماية ممتلكات الشعب من خلال المؤسسات الرقابية والإعلامية .

يقول المستشار إبراهيم البيومي غانم : ” وإذا قبلنا بأن المجتمع المدني ـ في أحد تعريفاته العامة والشائعة يشير إلى “كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخبرات والمنافع العامة من دون توسط الحكومة” وباستقلال عن الجهاز القهري للدولة ، وأن موضوعه ينصب على ” المجال المعرفي الذي يتناول المؤسسات ، والممارسات التي تقع بين مجالي الأسرة والدولة ” ، فإن إدراك علاقة الوقف بالمجتمع المدني في الوطن العربي على وجه التحديد يتطلب بالضرورة تجاوز المعاني اللغوية والمشاحات الاصطلاحية المجردة ، والنفاذ مباشرة إلى التجليات العملية والممارسات الاجتماعية لكليهما في أرض الواقع .. ” ثم ختم ورقته بأن ” ثمة علاقة أكيدة نشأت بين نظام الوقف والمجتمع المدني / الأهلي العربي بغض النظر عن النمط الذي أخذته هذه العلاقة”   .

وقبل أن أبين هذه العلاقة أود أن أؤكد على أن المجتمع القوي المتحضر هو الذي تقوم الدولة فيه بواجباتها العسكرية ، والسياسية والاقتصادية ، والاجتماعية من خلال منظوماتها ومؤسساتها ومواردها المالية الخاصة بها …
وبالتوازي لأعمال الدولة ينهض المجتمع أيضاً بواجباته الأهلية من خلال مجموعة من المؤسسات المتنوعة التي لها أيضاً منظومتها ومواردها الخاصة بها .
فحينما يلتقي هذان الخطّان ، ويتحركان عبر خطة محكمة ، ومنهج صحيح كل في دائرته ومن خلال منظوماته الخاصة بها يتكامل المجتمع ، فيتقدم تقدماً سريعاً في كافة مجالات الحياة ، ويتكون التكافل الاجتماعي ، والتماسك الداخلي ، والأمن السياسي والأمان الاقتصادي ، وتتحقق الحضارة والرفاهية ، كما نشاهد ذلك ـ على المستوى المادي ـ في الدول المتقدمة .
وقد رأينا من خلال النصوص السابقة التي ذكرناها حرص الإسلام على الوقف والصدقات العامة ، والقرض الحسن حتى وصلنا إلى فكرة الواجب الكفائي في مجال التكافل الاحتماعي ـ كما سبق ـ
ومما لا شك فيه أن الوقف الذي حرض عليه الإسلام وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم ومعظم صحابته ـ إن لم يكن جميعهم ـ يدخل في هذا الإطار الكفائي التكافلي .

ثم إن الوقف تنوعت أشكاله ، وتعددت مصادره ، وموارده ، ومصارفه ، وشملت مؤسساته مختلف مجالات الحياة ، نذكر هنا أهمها :

1 ـ أوقاف ضخمة على المساجد والجوامع وعلى رأسها الوقف على المساجد الثلاثة ، المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى .
2 ـ أوقاف عظيمة على المدارس والجامعات ، بدءاً من المحاضر ، والكتاتيب ، والمدارس الملحقة بالمساجد ، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، إلى الجامعات والمدارس النظامية ، وبشكل متكامل حتى نستطيع القول بأن الوقف هو الذي تحمل أعباء التعليم في الأمة .
3 ـ أوقاف عظيمة على الأماكن الخاصة بالتربية ، والتزكية كالتكايا ، والخانقاه والرُّبُط ونحوها ، حيث ساهمت هذه الأوقاف في تمويل هذه المؤسسات باستمرار .
4 ـ أوقاف عظيمة على الجهاد في سبيل الله ، وحماية الثغور ، ونحو ذلك ، حيث ساهمت هذه الأوقاف في تحمل أعباء كثيرة للدفاع عن الأمة ودينها .
5 ـ أوقاف عظيمة على البيمارستانات ( المستشفيات ) بأنواعها الكثيرة وبشكل تكفي أموال الوقف لإدارة هذه المستشفيات على صورة مؤسسية وعلى الرفاهية، ولذلك نستطيع القول بأن الوقف وحده هو الذي تحمل أعباء الصحة والمستشفيات في الأمة الإسلامية خلال عصورها الزاهية .
6 ـ أوقاف خاصة بالفقراء والمساكين .
7 ـ أوقاف خاصة بالذين انقطع بهم السبيل وهم محتاجون إلى مساعدات لتوصيلهم إلى بلادهم وأوطانهم.
8ـ أوقاف خاصة بالخانات ، أي أماكن الاستراحات بين المدن ( أي الفنادق المجانية للمسافرين ) لتطوير حركة السفر ، وحتى لا يكون عدم المال مانعاً من السفر ، والرحلات العلمية ، أو التجارية.
9 ـ أوقاف خاصة بالعلماء من الدعاة والمدرسين ، ونحوهم .
10 ـ أوقاف خاصة بطلبة العلم ، لمعيشتهم وكفالتهم حتى يستكملوا العلوم المطلوبة .
11 ـ أوقاف خاصة بالثغور ( أي حماية الحدود الإسلامية ) .
12 ـ أوقاف خاصة بالقرآن الكريم من حيث كتابته ونسخه ، وتعليمه ، وحفظه ، ونشره .
13 ـ أوقاف خاصة بالسنة المشرفة من حيث حفظها وتعليمها ، ونسخها ونشرها بين المسلمين ، بل هناك أوقاف خاصة بصحيح البخاري ، أو صحيح مسلم.
14 ـ أوقاف خاصة بنشر الدعوة من حيث تخصيص ريع الوقف للدعاة ، والمدعوين والمسلمين الجدد ، أو المهتدين الجدد ، ومن حيث الانفاق على الأدوات والوسائل الجديدة للدعوة من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ، والمقروءة والمكتوبة .
وفي عصرنا الحاضر يمكن الوقف على الدعوة من حيث الأشرطة ، ووسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة من الانترنت وهكذا .
15 ـ أوقاف خاصة لتزويج غير القادرين من الرجال والنساء ، بحيث تضمن لهم مصاريف الزواج ، بل والنفقة إلى أن يجدوا العمل المناسب .
16 ـ أوقاف خاصة بالنساء الأرامل ، وأوقاف خاصة للأرامل اللائي لديهن أولاد ، بل وجدنا أوقافاً خاصة بالأرامل التي لديها بنات فقط .
17 ـ أوقاف خاصة باليتامى وكفالتهم .
18 ـ أوقاف خاصة بأداء الديون .
19 ـ أوقاف خاصة بالمكتبات ، والكتب للقراءة والبحث ، حتى اشتهرت الحضارة الإسلامية بالمكتبات الضخمة منذ زمن قديم .
20 ـ أوقاف خاصة للجسور ، والطرق .
21 ـ أوقاف خاصة بمشاريع المياه من حفر الآبار ، وشق الترع ، ونحو ذلك .
22 ـ أوقاف خاصة بالمقابر ، حيث أوقفت أراضي كثيرة لتكون مقابر للمسلمين
23 ـ أوقاف خاصة لصالح العجزة وذوي الاحتياجات الخاصة ، بل وجدنا بعض الأوقاف الخاصة بالأعمى فقط ، أو بالأصم ، وهكذا .
24 ـ أوقاف خاصة بالمسنين .
25 ـ أوقاف خاصة بالخدم والخادمات في حالات كسر الأواني ، أو الإضرار بأموال أسيادهم .
26 ـ أوقاف خاصة بمن حبس عنه أجره ظلماً من قبل أصحاب العمل .
27 ـ أوقاف خاصة بالحيوانات أو الطيور عامة ، أو أنواع معينة مثل الخيل .
28 ـ أوقاف خاصة لأماكن الوضوء للنسوة خاصة .
29 ـ أوقاف خاصة لمن يدخل السرور في قلوب المرضى من الوعظاء والقصاصين .
30 ـ أوقاف خاصة بالحيوانات عند عجزها أي تخصيص الأموال لحالات الحيوانات التي تحال على المعاش بسبب السن ، أو المرض وبعبارة أخرى الضمان لحالات العجز وكبر السن .
31 ـ أوقاف خاصة بالخيول بصورة عامة ، وبالخيول العاجزة عن العمل .
32 ـ أوقاف خاصة بنزهة العوائل ، كما فعل ذلك السلطان نور الدين زنكي ، حيث كان له قصر ، فقام بتعميره وأضاف إليه أراض واسعة وربوة فجعلها منتزهاً خاصاً بالفقراء وعوائلهم وسماها :” قصر الفقراء ” حيث أنشد فيه تاج الدين الكندي شعراً قال فيه :

            إن نورالدين لمــا أن رأى   من البساتين قصور الأغنياء
عمَّر الربـوة قـصـراً شاهقاً       نـزهـة مطلقــة للفقـراء

33 ـ أوقاف خاصة لشراء حلي العروس وإعارتها إياها عند عرسها .
وهذه بعض أنواع الوقف السائدة في العصور الزاهرة لحضارتنا الإسلامية   ، وقد أبدع الحاج أحمد بن شقرون في ذكر هذه الأنواع شعراً حيث قال :

اصغ تدر ما أسدى أخ الذوق جدا                وفي حبس يستحسن السبق للخير
إذا عطب اللقلاق يومـاً فإنــه                بمال من الأوقاف يجبر من كسر
وإن لم تجد أنثى مكاناً لعرسهـا                 فدار من الأوقاف تنقذ من فقـر
وإن لم تجد عقداً لجيد ، فإنــه                يعار من الأوقاف يوصل للخـدر
وإن جن مجنون ، فإن علاجـه                بمال من الأوقاف يصرف للفـور
وقد أوقفوا جبر الأواني ، ربمـا               يهشمها طفل ، فتقطع من أجــر
ولكن بمال الوقف يأخذ غيرهـا                بلا عوض منه ، فيسلم من خسر
وقد أوقفوا دار الوضـوء لنسوة                يردن صلاة في حياء وفي ستـر
وقد أوقفوا وقفاً يخص مؤذنــاً                يؤذن للمرضى بعيداً عن الفجـر
ليكشف عنهم من كثافة غربــة               حجاب ظلام الليل والسقم والوتـر
مبرات أوقات الألى قصدوا إلى              معان من الإحسان جلت عن الحصر

وأشار الشاعر العراقي معروف الرصافي في قصيدة رائعة إلى أهمية الوقف وتنوعه فقال :

للمسلمين على نــزوة وفرهم                   كنز يفيض غنى من الأوقـاف
كنز لو استشفوا به من دائـهم                   لتدجروا منه الـدواء الشــافي
ولو ابتغوا للنشء فيه ثقــافة                   لتثقفوا منـه بخـير ثقـــات
ولو ارتقوا بجناحه في عصرهم                  لأطـارهم بقـوادم وخــوافي
لكنهم قــد أهملـوه وأعملـوا                في جانبيه عوامـل الإتـــلاف
فإذا نظرت رأيت ثمــة أرضه               تجري الرياح بها ، وهن سـوافي
قد تابعوا الموتى عليه وما وقوا                أهـل الحياة بـه من الإجـحاف
وقفوا به عند الشروط لواقــف               وتغـافلوا عن حكمـة الإيقـاف
تركوا له في العصر نفعاً ظاهراً                وتعاملــوا فيه بنفـع خــافي
لم يستجدوا فيه شيئاً ، واكتفـوا                في كل حــال منه بالسفسـاف
قل للذين تقيــدوا بشروطــه               ماذا التوقف عند ” رسم ” عـافي
غرسوه غرساً مثمراً ، لكن جرت              غير الزمان فعــاد كالصفصاف
هل بين شرط الواقفين ، وبين ما               نفع العمـوم ، تناقض وتنــافي
أزيد أن يقفو الزمــان أمـورنا              وأمورنا ، هي للزمـان قــوافي
هلا جعلن مدارســا فيــاضة               من كل علم بالـزلال الصــافي
ينتابها أبناؤكــم كي يأخــذوا              من كل فــن بالنصيب الــوافي
فيفيض فيض العـلم حتى يرتوي               منه بنو الأمصــار والأريـاف
إن لم يكن شرف البـلاد محصنا               بالعلم ، كان مهــدد الأطـراف
وإذا النفوس تسافلت من جهلـها                لم يعلــها شمم على الآنــاف
هذي الخزانة أنشئت فبنــاؤهـا              للأمر فيـه تــدارك وتــلاف

34- وقف جميع الأراضي المفتوحة في عصر عمر وقفاً على الدولة والأجيال القادمة .
وفي نظري أن أعظم وقف في تاريخ البشرية كلها هو ما قام به عمر من وقف الأراضي المفتوحة عنوة في العراق ، والشام ، وغيرهما وقفاً على مصالح الدولة والأجيال اللاحقة.

فقد اتفق المؤرخون  على أن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح العراق ، والشام ، والبلاد الأخرى لم يوزع الأراضي المفتوحة على الفاتحين كما هو الحال لبعض الأراضي المفتوحة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما أبقاها بأيدي أصحابها ، وجعل ريعها وما ينتج منها من الخراج لصالح الدولة والأجيال اللاحقة ، وهذا محل إجماع واتفاق بين الفقهاء ، وإنما الخلاف في التكييف ، بل إن الإمام مالكاً وأصحابه يذهبون إلى أن على الإمام ـ بعد عمر ـ إذا فتح أرضاً أن يقفها على المسلمين   كما فعل رضي الله عنه في أرض سواد العراق ، وقال أبو حنيفة والكوفيون يتخير الإمام بحسب المصلحة في قسمتها ، أو تركها في أيدي من كانت لهم بخراج يوظفه عليها وتصير ملكاً لهم كأرض الصلح .. ”   .

وذكر ابن عابدين أن أرض سواد العراق ، وأرض مصر والشام تبقى بأيدي أصحابها ، ولكن الخراج يكون للدولة ، وهذا يعني أنها مملوكة ـ ملكية المنفعة والتصرف لأهلها ، حيث قال :” وهذا ـ أي ثبوت الملكية لهم ـ على مذهبنا ظاهر ، وكذا عند من يقول : إنها وقف على المسلمين ، فقد قال الإمام السبكي : إن الواقع في البلاد الشامية والمصرية : أنها في أيدي المسلمين فلا شك أنها لهم إما وقفاً وهو الأظهر من جهة عمر رضي الله عنه وإما ملكاً وإن لم يعرف من انتقل منه إلى بيت المال..”  .

يقول القرطبي :” وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة : أن عمر أبقى سواد العراق ومصر ، وما ظهر عليه من الغنائم ، لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة والذراري ، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم … وأنه تأول في ذلك قول الله تعالى : ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ …..) إلى قوله تعالى :(وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) .

ويقول ابن عاشور : (وقد انتزع عمر بن الخطاب من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ )   دليلاً على إبقاء أرض سواد العراق غير مقسومة بين الجيش الذي فتح العراق ، وجعلها خراجاً لأهلها قصداً لدوام الرزق منها لمن سيجيء من المسلمين)  .
عند الشافعية أن سيدنا عمر عندما فتح سواد العراق ، والشام ، ومصر اتفق مع الفاتحين على جعلها وقفاً  .

والخلاصة أن الفقهاء اختلفوا في الأراضي المفتوحة عنوة (سواد العراق ، والشام  ومصر) هل هي وقف أم لا ؟ على رأيين أساسيين :
الرأي الأول لجمهور الفقهاء حيث ذهبوا إلى أنها أراض وقفية ، فلا يجوز بيع رقبتها ، ولا رهنها ، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم على رأيين :
1 ـ فذهب المالكية في المشهور عنهم ، والحنابلة في رواية ، والأوزاعي والإمامية   إلى أنها تصبح وقفاً بالفتح نفسه من غير حاجة إلى صيغة وقف ، حيث تدل على ذلك آيات سورة الحشر وهي (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ)  .

وجه الاستدلال بها أن الله تعالى ذكر في هذه الآيات حكم الفيء الذي يتم دون حرب ولا قتال حيث يكون تحت تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم فينفق منه نفقته ، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح وإعداد القوة ، والمصالح العامة للأمة ، حيث بين الله بأن هذا الفيء الذي جاء عن طريق الصلح مع بني النضير ليس للمقاتلين حق فيه ، ولذلك قسّم النبي صلى الله عليه وسلم أراضيهم ونخيلهم بين المهاجرين ، لأنهم كانوا محتاجين ، ولم يعط للأنصار شيئاً إلا ثلاثة فقراء منهم .

ثم بعدما ذكر القرآن الكريم هذا الحكم تحدث عن فيء آخر يتم بغير الصلح ( أي الغنيمة ) ، فهذا النوع يكون مآله لهؤلاء الذين ذكرتهم الآيات اللاحقة وهي لله وللرسول (أي الدولة والحق العام) ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) أي لهم الخمس وبالتالي فيكون الباقي للمهاجرين ، والأنصار ، والذين جاؤوا من بعدهم ، حيث دلت الآيات بوضوح أن الأراضي المفتوحـة يجب أن يستفيد منـها جميع هؤلاء (في الجملة) وهذا لا يتحقق إذا وزعت على المقاتلين فقط ، وإنما تكون وقفاً يستفيد من ريعها وثمارها وخراجها الجميع إلى يوم القيامة .

ولكن هذا الاستدلال يستكمل بأن هذه الآيات في سورة الحشر خاصة بالأراضي وما فيها من نخيل وزروع وثمار ، وأن آيات الأنفال (الغنائم) في سورة الأنفال بما عدا الأرض وما عليها ، وبذلك انتظمت الحالات الثلاث وفقاً للآيات الثلاث .

ويرد إشكال آخر ، وهو أن الفيء خاص بما يؤخذ من غير قتال ، والغنيمة خاص بما يؤخذ بقتال:

للجواب عن ذلك نقول : إن أهل اللغة متفقون على أن الفيء يطلق على الغنيمة أرضاً أو أنه أعم منها فإن قيّد بالقتال فهو غنيمة كما رأينا في آيات سورة الحشر ، حيث قيدت الآية 6 بعدم القتال (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)  أي لم تحصلوا عليه بالقتال ، وإنما بالصلح حيث قذف الله في قلوب بني النضير الخوف فضاقت عليهم الأرض فتنازلوا عن جميع أموالهم .

في حين نرى الآية الثانية من السورة نفسها غير مقيدة بالصلح ، حيث قال تعالى : (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)  حيث يظهر منها أنها تتحدث عن جميع الغنايم التي تحصل من أهل القرى بالحرب والقتال ، لأنها في بيان حكم جديد ، ولذلك صيغت الآية بصيغة القطع دون الوصل بالعطف .

وبناءً على هذا الرأي والتفسير فهناك ثلاثة أنواع من الغنايم ، والفيئ وهي :
1- غنايم منقولة (غير العقارات) حصلت بالحرب فإن حكمها قد ذكرته آيات سورة الأنفال .
2- وغنايم غير منقولة (الأراضي والأشجار) فهذه تصبح وقفاً لمصالح الأمة .
3- وفيء تحقق بدون قتال فهذا يتصرف فيه الإمام حسب المصالح العامة ، وأما سهم الرسول فهو خاص به فقط ، فلا يقاس غيره عليه .
وقد ذكر القاضي ابن العربي أن : (الآية الأولى (وما أفاء الله على رسوله منهم …) لرسول الله خاصة ، أي فإن الله تعالى خصَّ هذه الأموال التي جاءت من بني النضير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك لما جاء العباس وعلي إلى عمر يطلبان بما كان في يد النبي صلى الله عليه وسلم من المال ، وذلك بحضرة عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد ، قال لهم عمر : أحدثكم عن هذا الأمر أن الله خصَّ رسوله صلى الله عليه وسلم من هذا الفيء بسهم لم يعطه أحداً غيره وقرأ ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل … ) فكانت هذه خالصة لرسوله صلى الله عليه وسلم وأن الله اختارها ، والله ما أحتازها دونكم ولا أستأثر بها عليكم …)   .
يقول ابن العربي :” واختلف الناس هل هي ـ آيات سورة الحشر ـ ثلاثة معان ، أو معنيان ، ولا إشكال في أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات ، أما الآية الأولى فهي قوله ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) ثم قال ( وما أفاء الله على رسوله منهم .. ) ولذلك قال عمر إنها كانت خالصة لرسول الله … الآية السادسة قوله تعالى ( ما أفاء الله على رسوله .. ) هذا الكلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول)  أي تحمل على الفيئ بمعنى الغنيمة ، ولكن في الأراضي .

وهناك تفاصيل كثيرة حول توجيه هذه الآيات لا يسع الخوض فيها   .

2 ـ وذهب الشافعية ، والمالكية في قول ، والظاهرية ، والحنابلة ، إلى أن هذه الأراضي آلت إلى الوقف ، حيث طيَّب عمر رضي الله عنه نفوسهم فوافقوا على جعلها وقفاً ، وهناك تفاصيل داخل هذه المذاهب لا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيها   .
وأياً كان فإن النتيجة واحدة وهي أن هذه الأراضي المفتوحة هي وقف للأمة تشرف عليها الدولة ، وتنفق من ريعها للصالح العام ، وهذا هو الرأي الراجح الظاهر الذي ذكرنا بعض أدلته ولا يسع المجال للخوض في ذكر بقية الأدلة   .

الرأي الثاني للحنفية : حيث يذهبون إلى أن هذه الأراضي بمثابة الوقف وليست وقفاً ، ولذلك يحق لأصحاب هذه الأراضي بيعها ورهنها ، ولكن يبقى الخراج مصاحباً لها ، وتنتقل مع الأرض إلى المالك الجديد ، يقول الكاساني : ( ويجوز بيع أراضي الخراج … والمراد من الخراج أرض سواد العراق التي فتحها سيدنا عمر رضي الله عنه ، لأنه منَّ عليهم ، وأقرهم على أراضيهم ، فكانت مبقاة على ملكهم فجاز لهم بيعها .. )  وقال ابن عابدين :” وأرض السواد ـ أي سواد العراق .. وكذا كل ما فتح عنوة وأقر أهله عليه ، أو صولحوا ، ووضع الخراج على أراضيهم فهي مملوكة لأهلها … ويجوز بيعهم لها ـ أي الأراضي الشامية والمصرية ـ وتصرفهم فيها بالرهن ، والهبة ، لأن الإمام إذا فتح أرضاً عنوة له أن يقر أهلها عليها ، ويضع عليها الخراج .. فتبقى الأرض مملوكة لأهلها ”   .

والذي يهمنا هنا أن جماهير الفقهاء متفقون على أن تلك الأراضي المفتوحة وقف وقفها عمر رضي الله عنه لصالح الأمة وأجيالها اللاحقة ، وهذا من فقه عمر وبصيرته النافذة وبعد نظره واجتهاداته الإستراتيجية ( رضي الله عنه ) .
والحق أن هذا الوقف هو أعظم وقف استراتيجي على مرِّ التأريخ ، ليس من حيث الحجم الكبير فحسب ، وإنما من حيث ربطه بالأجيال اللاحقة لتوفير الحياة الكريمة لهم ، ومن حيث إشراكهم في خيرات الحاضر ، وعدم حصرها في الحاضرين الذين هم اكتسبوها وتعبوا لأجلها ، بل سالت دماؤهم حتى تحققت تلك النتائج من النصر والفتح ، ومع ذلك يضعها عمر لصالح الأمة إلى يوم القيامة .
فمثل هذا التفكير الاستراتيجي هو الذي يجب أن يسيطر على المسؤولين في عالمنا الإسلامي ولا سيما بشأن البترول والغاز والمعادن الأخرى ، بأن تضع للأجيال اللاحقة صندوقاً لها ، وأن لا نسرف في صرف ما لدينا من طاقة ومعادن خلال عصرنا الحاضر.

فنظرة متواضعة في هذه الأنواع السابقة تبين لنا كم كانت الأوقاف ضخمة ومؤثرة وكم كانت لها أدوارها العظيمة ، كما أنها تظهر لنا أن مؤسسات الوقف هي التي تبنت حضارتنا الإسلامية ، وصح قولنا بأن حضارتنا هي هبة الوقف ـ بعد فضل الله ـ .

كما يتبين لنا أن هذه المؤسسات الكثيرة المتنوعة هي فعلاً مؤسسات المجتمع المدني / الأهلي ، سواء سميناها بهذا الاسم أو لم نسم فالعبرة بالمقاصد والمآلات وليست بالألفاظ والمصطلحات .

آثار هذه الأوقاف ودورها :

أ- كان لكل وقف مما ذكرنا ، ومما لم نذكره آثار كبيرة للنهوض بالأمة وتحقيق رقيها وحضارتها ، فالأوقاف الخاصة بالمدارس دفعت بالتعليم شأواً بعيداً ، وساهم في إرساء دعائم التعليم ، وإشاعة ثقافة واسعة في المجتمع الإسلامي وتوفير مصادر متنوعة للتعلم ، وتمكين غير القادرين من المبدعين في التعلم والوصول إلى أرقى مراتب العلم والثقافة في مختلف العلوم .

ب- وكذلك كان للوقف دور عظيم في نشر الدعوة على مر تأريخنا القديم والمعاصر ، حيث كانت هذه الأوقاف تكفل لعدد كبير من الدعاة والمصلحين ورواد التجديد ، وحراس العقيدة العيشَ الكريمَ والاستقرارَ النفسيَّ ، وهدوءَ البال ، وراحةَ الضمير ليؤدوا رسالتهم الدعوية على الوجه المطلوب دون الخوف من قطع الرزق ، أو المرتب من الدولة ، بعيدين عن التبعية ، وضغط الإدارة الرسمية   ، وهم(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)   .

ج- ولم تكن آثار الوقف محصورة في نشر الدعوة ، والتعليم بل كانت له آثاره العظيمة في التنمية الشاملة للأمة والمجتمع ، وبناء الحياة الاجتماعية المستقرة من خلال ضمان العيش الكريم لفئات كثيرة وكبيرة من المجتمع كما أشرنا إلى أنواع الموقف عليهم ، حيث شملت معظم البنية التحتية للتنمية الشاملة ومعظم الأنشطة الاجتماعية ، حيث يمكن تلخيصها فيما يأتي :

1- أوقاف على التكافل الاجتماعي ، وهذه تشمل الفقراء والغرماء ، والأيتام والأرامل ، و ….
2- أوقاف على البنية التحتية الاقتصادية من الجسور والقناطر والطرق ، ومشاريع المياه ، وبناء المساجد ، والمدارس ، والمستشفيات ونحوها .
3- أوقاف خاصة بكل ما يتعلق بالعلم والكتب ، والتعليم والثقافة والحضارة .
4- أوقاف على المجالات الدينية ، والجهادية ، والتربوية ، والدعوية وأماكنها من حيث المساجد ، ومراكز الدعوة والتكايا ، والخانقاهات ، ونحوها .
5- أوقاف للجوانب الإنسانية ، والرحمة الإسلامية بالحيوانات .
6- المشروعات الاجتماعية ، والصحية   فهذه الأوقاف العظيمة لها دور عظيم في الإنتاج والتشغيل ، والقضاء على البطالة ، والتضخم ، والتنمية الزراعية ، والصناعية والتجارية ، ولها دور أعظم في تنمية الموارد البشرية ، وتنمية الإنسان بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة ، وأما الأثر المباشر للوقف في التشغيل فيكمن في تشغيل عشرات الآلاف ، بل مئات الآلاف ، بل الأكثر في هذه المؤسسات التعليمية ، والصحية ، والاجتماعية لتشغيلها وأداء دورها بالإضافة إلى تشغيل الأئمة والعلماء والدعاة ، بل تكونت لدى حضارتنا الإسلامية مجموعة من الوظائف الجديدة لم تكن موجودة مثل القيِّم ، والناظر ، والمدرس ، والمعيد ، والفقيه ، ونائب الوقف ، ووكيل الناظر ، والمباشر ، والشاهد ، والكاتب ، والجابي ، والصراف ، والشآد ، وأمين المخزن ، والسباك ، والنجار ، والمرماني وغير ذلك بالإضافة إلى وظائف الأمن والحراسة للأوقاف   .

د- وأما الأثر غير المباشر فيتم من خلال تزويد الوقف المجتمع بالمتخصصين والمؤهلين والمدربين من خلال ، بالإضافة إلى أثره في التشغيل عن طريق الاستثمار   .
وكذلك فإن للوقف دوراً تشغيلياً عظيماً في تنشيط المصانع من خلال الوقف على الجهاد ، حيث يحتاج المجاهدون إلى الأسلحة ، وكذلك له دور في الزراعة من خلال أراضي الوقف الزراعية الكثيرة حيث تحتاج إلى التشغيل والتطوير ، وكذلك دوره في التجارة من خلال توفير الوقف للخانات وغير ذلك   .

هـ- دور الوقف الاقتصادي :
إذا اعتبرنا الأراضي المفتوحة وقفاً ـ وهو رأي جماهير الفقهاء وهو الذي تبنيناه ـ وأضفنا إليها بقية الموقوفات فإن الوقف يمثل نسبة كبيرة جداً من الموارد المالية للأمة الإسلامية ولا سيما في العصور المزدهرة للحضارة الإسلامية ، حيث أستطيع القول بأن الموارد الوقفية ( أصلاً وغلة ومنفعة ) كانت تمثل بين 60 ـ 75 % من الموارد .
ويمكن الاستئناس بما ذكره بعض الباحثين من أن الموارد الاقتصادية قد بلغت في أواخر العصر العثماني بالمجتمع العربي نسبة تراوحت بن 30 إلى 50 % من الأراضي الزراعية والعقارات المبنية   وهذه النسبة لا تدخل فيها ما ذكرناه من الأراضي المفتوحة الموقوفة.

وكانت الكارثة الكبرى على الأوقاف تكمن فيما خطط لها الاستعمار ونفذه حول المحاولة الجادة لإلغاء الأوقاف ، أو دورها ، ثم فيما فعلته الأنظمة الاشتراكية الشيوعية في محاولة طمس معالم الأوقاف بإلغاء الوقف الذري في بعض البلاد ، وتأميم الأوقاف ، وإخضـاع كثير من الأراضي الوقفية لقـانون الإصلاح الزراعي   .
كان للوقف دوره في الأنشطة الأساسية الخمسة للاقتصاد ، وهي الإنتاج ، والاستهلاك ، والتبادل والتداول ، والتوزيع ، وإعادة التوزيع ، ولذلك حققت الأوقاف في ماضينا الزاهر التنمية الشاملة للمجتمع ، وتحضير المجتمعات الريفية والبدوية ، وفي مشروعات البنية التحتية ، بل حققت الحضارة ـ كما سبق ـ .

كيفية ربط الوقف بالاقتصاد ـ كما كان في الماضي :
كانت الأوقاف في ظل حضارتنا الإسلامية مرتبطة بالاقتصاد وأنشطته ، فكانت أداة فعالة للتنمية الاقتصادية ، وللتفعيل الحضاري وللإبداع العلمي ، ووسيلة للتكافل ، والتوزيع العادل ، وتحقيق النمو الاقتصادي والحضاري والإنساني كما سبق .

ومن جانب آخر فإن الوقف في حد ذاته تحويل أموال من الاستهلاك إلى أصول رأسمالية إنتاجية ، تنتج المنافع التي تستهلك جماعياً أو فردياً ، فالوقف إذن ادخار واستثمار معاً   .
فكيف يعاد هذا الدور إلى الوقف ؟ وكيف يربط الوقف بالدورة الاقتصادية الناجحة وبالدورة الاجتماعية التنموية ؟

إن ذلك يحتاج إلى جهود كبيرة من الجميع ، من العلماء والباحثين ، ومن الدولة ، والجامعات ، بل من المجتمع كله ، وذلك وفق ما يأتي :
أ ـ إعادة الموقوفات التي أخذت ظلماً وزوراً إلى مؤسسة الوقف.
ب ـ وضع خطة إستراتيجية لتطوير الأوقاف كمّاً وكيفاً ، واسترجاعاً لما ضاع ، واستنهاضاً للأمة ، ملهمة من الماضي الزاهر ومرتبطة بالحاضر المتطور ، ومتطلعة إلى المستقبل الواعد والعد المزدهر .
ج ـ إعادة الاعتبار إلى الوقف ، واعتباره نظاماً حضارياً دفع الأمة إلى الأمام ، وحقق لها حضارتها المزدهرة ، حيث نظر إليه في ظل الاستعمار والأنظمة الشيوعية كأنه نظام تسول وتعطيل للثروة ، وذلك ، فلا بد من دحض هذه الشبهات ، وإظهار الوجه الجميل المستبشر بكل خير للوقف .
د ـ التعمق في فهم أسس تفعيل الوقف ليكون له مردود اقتصادي يهدم جدران التخلف المعنوي ويحطم سور الجهل والفقر والبطالة   .
هـ ـ وضع خطة أخرى أيضاً للاستثمار الناجح والاستثمار الاجتماعي والإنساني لأموال الوقف تقوم على:

1 ـ ضوابط التقويم لأساليب استثمار الوقف تقويماً علمياً يقوم على المعايير الآتية :

أ ـ المعيار الشرعي والأخلاقي ، حيث يجب الالتزام به في الاستثمار وغيره .

ب ـ المعيار المادي من حيث تحقيق الأرباح المادية من الاستثمار ، وهذا هو ما أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ” اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ”   حيث يدل هذا الحديث الشريف على أن التجارة يجب أن تؤدي إلى الحفاظ على رأس المال مع تحقيق أرباح تكفي للزكاة المفروضة على المال ( في غير الأوقاف العامة ) .
بل إن القرآن الكريم بين بأن الاستثمار في أمـوال الضعفاء (ويقاس عليهم الوقف) وينبغي أن يكون استثماراً ناجحاً مغطياً لنفقاتهم ، ومحققاً الأرباح التي تعطى منها النفقة بالكامل من المعيشة والكسوة ونحوهما ، حيث قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً)   حيث عبرت هذه الآية بلفظ (فيها) أي في الناتج من رأس المال ، ولم تقل (منها) من رأس المال ، مما يفهم بوضوح ضرورة تحقيق الربح   .

والخلاصة يجب على الناظر ، أو الدولة ، أو القضاء أن لا يغفل عن هذا الجانب المادي الربحي بقدر الإمكان مع ملاحظة الجوانب الإنسانية والاجتماعية ، فمثلاً لو استثمرت أموال الوقف في قضايا اجتماعية تكون الأولوية لتحقيق هذا الهدف .

ج ـ المعيار الاجتماعي الإنساني ، أي رعاية الجوانب الاجتماعية والإنسانية ، وهذا يعني أن المؤسسة الوقفية إذا دخلت في استثمار يتعلق بالجانب الاجتماعي فينبغي أن تكون الأولوية لتحقيق الأهداف الإنسانية والاجتماعية أكثر من الأرباح المادية ، فمثلاً لو دخلت في مشروع جامعة ، أو مستشفى ، أو نحوهما ، فتكون الأولوية القصوى للنجاح في هذين الجانبين ـ مثلاً ـ مع وجوب رعاية حماية رأس المال (الأصل) إذا كان الاستثمار منه ، أما إذا كان الاستثمار من الربح فلا مانع من نقصانه ما دامت الأهداف الاجتماعية قد تحققت على شكلها المنشود .

المعيار الجامع في الاستثمار :   

إذا نظرنا إلى الأدلة المعتبرة في الوقف لتوصلنا إلى أن المعيار الجامع في الوقف كله هو معيار المصلحة   ، ولكن مع توسيع دائرة المصلحة لتشمل المصلحة الاجتماعية ، والمصلحة الإنسانية ، والمصلحة التنموية ، والمصلحة التكافلية ، بالإضافة إلى المصالح المادية .

ويأتي هنا دور فقه الأولويات ، وفقه الموازنات مع رعاية شروط الواقف ، مع دور التخطيط ، والابتعاد عن العشوائية ، والفساد الإداري والمالي ، مع توفير الكوادر البشرية المخلصة والمتخصصة ، والتوفيق في الأدوات الاستثمارية الناجحة الآمنة إلى حد كبير ، بالإضافة إلى الاستفادة من متطلبات العصر من التنوع الاستثماري ، والكفاءة الاستثمارية ، والحوكمة والشفافية ، والتجديد والإبداع ، ورعاية متطلبات الهيكلة التنظيمية المؤسسية لإدارة الوقف   .

و- أثر الوقف على استقلالية الدعوة والتعليم ، والدعاة والعلماء :
كان من أهم آثار الأوقاف التي ذكرنا بعضها استقلال الدعوة ، ومؤسسات التعليم ، والدعاة والعلماء والأئمة ، حيث كانت لهم مواردهم المالية المستقلة دون الحاجة إلى الحكومة وموظفيها .
وكان لهذا الاستقلال المالي دوره العظيم في استقلال القرارات والدعوة ، والتوجه ، بل في تطوير المؤسسات ، وازدهار الحضارة الإسلامية .
ولذلك نرى من الضروري أن يكون للدعوة والتعليم ومؤسساتهما أوقاف كافية خاصة بهما لتكون لهما استقلاليتهما ، ونرى أثر ذلك سلباً وايجاباً ـ مثلاً ـ على جامعة الأزهر الشريف حينما كانت مستقلة لها مواردها الخاصة حيث كانت تقوم بدور عظيم في خدمة الدعوة والتعليم … .

مقاصد الوقف  في الشريعة الغراء :

فهناك مقاصد عامة ، ومقاصد خاصة ، ونحن هنا نحاول أن نذكر المقاصد العامة من الوقف ، وآثارها على الأنشطة الوقفية :

1 ـ تحقيق العبودية لله تعالى في مجال المال ـ أو الابتلاء بعبادة الله فيه ـ وتنفيذ أوامر الله تعالى في الأمر بالصدقات ، والأوقاف ونحوهما مما يدخل في ( إقراض الله قرضاً حسناً ) فالعبودية لا تتحقق فقط بتنفيذ العبادات البدنية فقط ، بل إنما تتحقق بأن تكون حياة المسلم البدنية والمالية والاجتماعية والسياسية لله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)   .

ويترتب على هذا المقصد ما يأتي :
أ ـ أن تكون النية خالصة لوجه الله تعالى .
ب ـ أن يكون الموقوف عليه جهة بر ، أو على الأقل أن لا تكون معصية .
ج ـ أن يتوافر في الوقف الإحسان بجميع معانيه من حيث الانتقاء والاختيار ، ومن حيث وضعه في أحسن جهة ، ومن حيث الإدارة والاستثمار ، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل عندما سأله عن الإحسان ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)  .
فهذا الحديث يدل على ضرورة توافر أمرين أساسيين في الوقف :
أ ـ التقوى والإخلاص .
ب ـ أن يكون الوقف في قمة الإحسان والإتقان وهذا متفق تماماً مع الآيات التي فهم منها الصحـابة الوقف مثل قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)  .

فالرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق فسَّر الإحسان ( الذي هو حقيقته : أحسن شيء ، وأكثر الأعمال خيراً ) بما فسره في الحديث من باب التفسير بالأصل الدافع المحرك والمفجر للطاقات وهو التقوى ومراقبة الله تعالى .
2 ـ تحقيق رسالة الإنسان التي كلفه الله تعالى بها ، وهي رسالة الاستخلاف في الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة)   من حيث التعمير ، حيث قال تعالى : (وهو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)  .

ومن آثار هذا المقصد ما يأتي :

أ ـ أن تتوافق الأوقاف مع مقاصد الشرع في الاستخلاف والتعمير .
ب ـ أن أفضل أنواع الوقف هو وقف المباني والعقارات ، والمنشآت والمصانع ، لأن لها ارتباطاً مباشراً مع التعمير والاستخلاف ، بالاضافة إلى دوامها ، ولذلك لا خلاف في مشروعية وقفها ، في حين يوجد خلاف كبير في المنقولات .
ج ـ أهمية التعمير والصيانة والحماية حتى يبقى الأصل ، ولذلك يجب على الناظر أن يقوم به ، لأن الوقف هو حبس الأصل إلى أقصى قدر ممكن مع تسبيل منافعه .

وإذا نظرنا إلى الأوقاف العظيمة في عالمنا الإسلامي نجد أن الوقف كان له دور عظيم في التعمير وتحقيق الحضارة من خلال بناء الجوامع والمساجد الضخمة والمدارس والجامعات العظيمة والمستشفيات (بيمارستان) الواسعة العظيمة ، وكذلك حفر الآبار ، والمشروعات الخيرية المتنوعة من شق الطرق ، وبناء الجسور ، والقناطر ، ونحوها .

ومن هنا ساهم الوقف مساهمة عظيمة في التعمير والبناء بشكل فعال في تحقيق هذه العمارة بصورة متكاملة بل ساهم في تكوين تراث معماري حضاري في غاية من الروعة والجمال كما شاهدنا في المساجد والجوامع القديمة في حواضر العالم الإسلامي ، بغداد ، والقاهرة ، ودمشق ، وإستانبول وغيرها .

فكل تراثنا الحضاري اليوم ـ إلا ما ندر ـ من آثار الوقف الإسلامي ، ومن هنا كان للوقف أثر عظيم في تحقيق العمارة والحضارة لهذه الأمة .

3 ـ تحقيق التنمية الشاملة للإنسان ، والمجتمع والأمة من خلال الموارد المالية الكثيرة التي تنفق على المدارس ، والجوامع ، والمستشفيات وبقية المؤسسات ، وكذلك على العلماء ، وطلبة العلم ، والفقراء والمساكين ، والأرامل ، والغارمين وغيرهم من الذين أوقف عليهم الموقوفات العظيمة بجميع أنواعها المختلفة .

فهذه الأوقاف الكثيرة المتنوعة تؤدي بلا شك إلى تنمية شاملة للأفراد ، والمجتمع والأمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ، والعلمية والثقافية .

4 ـ تأمين مورد مالي ثابت لحاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها   :
وهذا المقصد واضح وظاهر فيما فعله عمر رضي الله عنه بالأراضي المفتوحة ، حيث أوقفها حتى يكون للدولة الإسلامية مورد ثابت ، ويكون للأمة في حاضرها ومستقبلها بأجيالها المتعاقبة ومؤسساتها المختلفة دخل يعينها في نوائبها ، ويحقق لها التقدم والازدهار .
ولذلك قال عمر رضي الله عنه :” لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً ليس لهم من شيء ما فتحت عليّ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله خيبر ، ولكن أتركها خزانة لهم ”   .

وليس هذا خاصاً بهذا الوقف ، بل جميع أنواع الوقف ساهم في توفير موارد ثابتة لفئة معينة من العلماء ، أو المدرسين ، أو الأطباء ، أو المؤسسات ، فكان لها دور عظيم في توفير متطلبات الحياة لجمهور عظيم من الأمة الإسلامية على مر عصورها ، وبخاصة عصورها الزاهرة .

ومن آثار هذا المقصد ما يأتي :

أ ـ أن يكون من شروط الوقف أن يترتب عليه منفعة مستقبلية ولذلك لم يجيزوا وقف أشياء لا منفعة لها في المستقبل ، أو أن منفعتها باستهلاكها مثل الطعام ، حيث لا يجوز وقفه .
ب ـ أن تُربط الأوقاف وريعها بتحقيق الضروريات والحاجيات ، بل والمحسنات الرفاهية لجمهور عظيم من الأمة .
ج ـ تحقيق الاستقلالية للأمة ، من حيث عدم حاجتها إلى الغير في كثير من مشاريعها .

وللسبب نفسه اختلف الفقهاء في بعض الأشياء مثل وقف النقود فمن تصور إمكانية الانتفاع بها بالإقراض ، أو المقارضة (المضاربة) أجازه ، ومن لم يتصور ذلك أو يعتبر ذلك منفعة مستقبلية معتبرة منعه .
5 ـ إعادة التوزيع أو توزيع الثروة وتداولها بين الفقراء والأغنياء ، بل بين الأجيال .

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في آيات سورة الحشر التي تتحدث عن الفيء ، والتي اعتمد عليها سيدنا عمر في وقف الأراضي المفتوحة على الأمة كلها حيث جاء فيها بعد ما ذكر مصـارف الفيء (.. كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)   وهذا ما أشار إليه معاذ بن جبل رضي الله عنه على عمر لما رأى إصرار بعض الصحابة على التقسيم بقوله : (والله إذاً ليكونن ما نكره ، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم يبيدونه فيصير ذلك إلى الرجل الواحد ، أو المرأة الواحدة ، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدُّون من الإسلام مسداً ، فلا يجدون شيئاً ، فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم)  ، وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه حيث وقف الأرض على المسلمين ، وضرب عليها الخراج ، وأصبح ينفق منه على مصالح المسلمين جميعاً   .

فالأوقاف المتنوعة التي ذكرناها لها دور عظيم في إعادة التوزيع ، أو توزيع الثروة على أكبر قدر ممكن ، حيث تخرج هذه الأموال من ذمم أصحابها القادرين إلى الآخرين من الفقراء والعلماء والمرضى إلخ ..

6 ـ تحقيق مبدأ التكافل الإسلامي المنشود (الجسد الواحد الذي يحس بالآخر) فقد تضافرت الآيات والأحاديث على أن المؤمنين أمة واحدة ، وأنهم إخوة وأن هذه الأخوة ليست مجرد شعار يُرفع ، أو كلمة تقال ، وإنما لا بد أن تكون لها حقيقتها وأثرها على الأرض ولذلك شبّه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المسلمين بجسد واحد فقال : (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم ، وتعاطفهم كمثل الجسد : إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)   .

ولذلك أوجب الإسلام حقوقاً مالية واجتماعية وإنسانية على المسلمين بعضهم على بعض بالإضافة إلى واجب الدولة للوصول إلى تحقيق التكافل داخل الأمة ، وأن مما لا يخفى أن الأوقاف بأنواعها الكثيرة تساهم مساهمة كبيرة في تحقيق التكافل الاجتماعي في مختلف مجالات الحياة ، وكانت هذه المساهمة فعالة من خلال الأوقاف الكثيرة الخاصة بالفقراء ، واليتامى والأرامل ، والعلماء وطلبة العلوم ، والمستشفيات ، وابن السبيل ، وكبار السن ، ونحوهم .

وإذا نظرنا إلى وقف الأراضي المفتوحة التي تشمل سواد العراق والشام ، ومصر ونحوها ، لعلمنا حجم الأوقاف ودخلها ودورها في تحقيق التكافل ، بل والتنمية والرفاهية .
ومن آثار هذا المقصد وجوب توجيه الأوقاف من خلال خطة محكمة إلى تحقيق هذا التكافل على مستوى الأسرة من خلال الوقف الذري ( الأهلي ) وعلى مستوى المجتمع من خلال بقية الأوقاف الكثيرة المتنوعة العظيمة .

7 ـ حماية الملهوفين والمحتاجين من الذل والانكسار :
أولى الإسلام عناية قصوى بكرامة الإنسان ، وعزة المسلم وحمايته من الذل والمهانة ، ومن التسول والانكسار ، ومن هنا كثرت الأوقاف الإسلامية لتحقيق هذا المقصد من خلال الأوقاف الخاصة بالفقراء والمساكين ، وبكبار السن والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة ، بالإضافة إلى الأوقاف الخاصة بالعلماء ، وطلبة العلوم ، وأصحاب الثغور ، والمغتربين الذين فقدوا القدرة على الإنفاق على أنفسهم ، ناهيك عن الموقوفات الخاصة بالكوارث والمتضررين ، وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج ، وكسب المعدوم ، وتفريج الكرب .

وترتب على هذا المقصد أن المجتمع الإسلامي في عصور ازدهار الوقف فيه لم تظهر فيه مظاهر التسول ، والفاقة ، والذل ، بل ظل مجتمعاً كريماً عزيزاً متماسكاً متعاوناً لا يسمح أحد بأن يصل أخوه إلى مرحلة الذل والمهانة والانكسار لأي سبب كان .

8 ـ تحقيق مبدأ الإيثار في الأمة وتربيتها على ذلك:
يلاحظ على معظم الذين وقفوا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أنهم كانوا يؤثرون آخرتهم ، ومصالح من يوقف عليهم على أنفسهم ، حيث كان معظمهم يقفون أموالهم على الرغم من حاجتهم إليها ، فهذا أبو طلحة حينما وقف بستانه بيْرحاء كان أحب أمواله إليه ، وكان محتاجاً إليه ، لأنه كان يعيش فيه ، ولكنه آثر رضاء الله تعالى ونيل الأجر العظيم في الآخرة ، حيث ذكرت الروايات أنه بعدما وقفه عاد إلى أهله الذين كانوا يعيشون في البستان فأخرجهم منه ـ كما سبق ـ .

وكذلك كانت الأرض التي بني عليها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني النجار الذين رفضوا بيعها وإنما جعلوها وقفاً على الرغم من حاجتهم   .
وكذلك زيد بن حارثة وقف فرسه التي كان يحبها ولم تكن لديه فرس أخرى حتى لابنه أسامة ، وهكذا .

أثر هذا المقصد يظهر في تحقيق القدوة ، والتربية ، والحث على الإيثار وتعويد الأمة على ذلك ، لأن الأمة لا تتحقق لها قوتها وتماسكها وعزتها إلا إذا كانت مستعدة للإيثار ، قال تعالى : (( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ))   .

9 ـ تربية الأمة على اختيار الأحسن والأكثر نفعاً :

وجه الإسلام الأمة الإسلامية إلى اختيار الأحسن في كل شيء ، والتربية على منهجية الأحسن ، والسعي للوصول إلى ما هو الأفضل قولاً ، وفعلاً ، واختياراً ، فلو تدبرنا القرآن الكريم وآياته التي تضمنت الأمر بالأحسن ، واختيار ما هو الأنفع ، لتوصلنا إلى أن الإسلام يريد من كل مسلم أن تكون لديه عقليـة متحركة ( ديناميكية ) تبحث عن الأحسن ، وتسعى للأحسن للوصول إلى ما هو الأحسن ، حيث يقول الله تعالى بعد ذكر الكون وما فيه من خيرات ، والحيـاة والموت : (…. ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)  .

وبناءً على هذه التربية الربانية ، تركزت التربية في عالم الوقف على اختيار ما هو الأفضل ليكون موقوفاً عليه ، فحينما نزل قوله تعالى : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) تسارع الصحابة الكرام إلى اختيار ما هو أحسن أموالهم وأحبها إليهم ليجعلوه وقفاً ، فقد روى أنس بن مالك قال :” فلما نزلت ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قام أبو طلحة فقال : يا رسول الله إن الله يقول ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إليَّ بيْرحاء ، وإنها لصدقة أرجو برَّها وذخرها عند الله ، فضعها حيث أراك الله…)   .

وكذلك سيدنا عمر لما حصل على أفضل أرض وأكثرها نفعاً ، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضعها في أفضل وسيلة لمزيد من الأجر ، فقال :” أصبت أرضاً لم أُصِب مالاً قط أنفس منه ، فكيف تأمرني به ؟ قال : إن شئت حبَّستَ أصلها وتصدقت بها ، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ، ولا يوهب ، ولا يورث ، في الفقـراء والقربى والرقـاب ، وفي سبيل الله ، والضيـف وابن السبيل .. ”   ، وفي رواية مسلم بلفظ :” أصبت أرضاً لم أصب مالاً أحب إليَّ ولا أنفس عندي ”   ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى على مر تأريخنا الإسلامي.

فهذه التربية على الأحسن والأفضل هي التي تبني الأمة والحضارة .
10 ـ حماية الكليات الخمس ، أو الست ، وهي : الدين ، والعقل ، والنفس ، والمال ، والنسل ، والعرض ، وكذلك حماية كلية أمن الدولة المسلمة ، وأمن المجتمع ، فالوقف في حقيقته وأنواعه يحقق كل ذلك ـ كما رأينا ـ .

المقاصد الخاصة بكل وقف : 
وبالإضافة إلى هذه المقاصد العامة ، فإن لكل وقف من أنواع الوقف مقاصده الخاصة لا تسمح طبيعة البحث بالخوض في تفاصيلها ، وإنما نوجز القول فيها ، فمثلاً إن مقاصد الوقف على الجهاد في سبيل الله هو حماية الأمة من العدو الخارجي والداخلي ، ونشر الإسلام عن طريق الدعوة بجميع وسائلها ونحو ذلك ، وكذلك فإن مقاصد الشريعة من الوقف على المشروعات الصحية حماية النفس والروح من الضياع والضعف ، والهلاك والتلف ، وتحقيق القوة المطلوبة في الإسلام ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )   وتحقيق التنمية الإنسانية ، وتكوين البنية الصحية والمشاريع الطبية ، وهكذا .

ولنذكر بشيء من التفصيل مقاصد الوقف على الأمة ( وقف الأراضي المفتوحة ) حيث لها مقاصد كثيرة منها :
أ ـ تأمين مورد ثابت للأمة الإسلامية بأجيالها المتعاقبة ـ كما سبق شرحه ـ
ب ـ توزيع الثروة ـ كما سبق ـ
ج ـ عمارة الأرض الزراعية ، حيث أبقى عمر هذه الأراضي بأيدي أصحابها دون تدخل من القائمين ، أو الدولة ، وذلك لإبقاء تلك الأراضي مزروعة تنتج الثمار ، وتحقق الخيرات للجميع ، وذلك لأن أهلها كانوا أقدر من المقاتلين على ذلك ، حيث الخبرة والقدرة على الزراعة ، وهذا ما أفصح عنه عمر فقال :” يكونون عمار الأرض فهم أعلم بها وأقوى عليها ”   .
د ـ تشغيل الأيدي الغنية العاملة ، حيث أبقى عمر رضي الله عنه الفلاحين على أراضيهم ، لأنه لو لم يفعل ذلك لأدّى إلى تعطيل تلك الأيدي ، وبالتالي إلى بطالة خطيرة .
هـ ـ الحفاظ على المقاتلين حتى لا ينشغلوا بفـلاحة الأرض ، أو الإشراف عليها ، وحينئذ أدى ذلك إلى ترك الجهاد .

نوعية الإعجاز في الوقف:

 تبين لنا من خلال العرض السابق أن الإسلام قد سبق الحضارة الغربية الحديثة في تنظيمه للمجتمع ، وبناه على المؤسسات الأهلية من خلال الوقف وأنواعه التي شملت جميع جوانب الحياة الانسانية ، والحضارية ، والاجتماعية ، والتكافلية ، والتعليمية – كما سبق- .

ويأتي الإعجاز في هذا السبق وفي التنظيم المبدع الرائع للمجتمع الذي يدل على أنه من الله تعالى .

أولاً – السبق :
فأما السبق فقد قال الإمام الشافعي : إن الوقف من خصائص الإسلام – كما سبق – ويقصد به الوقف بشموليته حيث كان موجوداً في بعض الأديان لكنه كان خاصاً بالوقف على الكنيسة ونحوها من أماكن العبادة ، مما يتعلق بالشعائر التعبدية المحضة بل خصصوه في بعض الأحيان لصالح الرهينة في حين أن الوقف في الإسلام صانع الحضارة والحياة بإذن الله تعالى ، فحضارتنا هي هبة الوقف ، والوقف قام على المؤسسية من أول يوم من خلال ذمته الخاصة به التي تسمى في العصر الحاضر بالشخصية الاعتبارية أو المعنوية ، وبالتالي استقلاليته المالية والادارية والتمويلية ، واستقلاله من حيث الصرف والانفاق ونحو ذلك.

ثانياً – التنظيم المبدع للمجتمع من خلال الوقف:
لم تكن هناك قبل الإسلام مؤسسات أهلية تحمل على كاهلها أعباء الحضارة والتقدم العلمي والصحي والاجتماعي وإنما كانت الأعباء على الدولة وقدراتها ، وأما المجتمع فيدفع الضرائب والأتاوات ، ولم يكن له دور في الحضارة والتقدم إلا من خلال الدولة ، ولذلك إذا سقطت الدولة سقطت معها الحضارة إن وجدت .
ولكن الإسلام نظم المجتمع تنظيماً غريباً فأعطى للمجتمع ذاتية الدفع والحركة من خلال الوقف وأنواعه الكثيرة ، فكانت الدولة الإسلامية ومؤسساتها مشغولة بالدفاع وتوفير الأمن والأمان والعدالة ، والمساهمة في تحقيق التكافل في حين ان مؤسسات المجتمع الأهلي المتمثلة في الوقف تقوم بالتكافل ، والتنمية الشاملة ، والتعليم ، والصحة ، والجسور ومشاريع المياه وكل ما يحتاج إليه الفرد ، أو الجماعة ، بل حتى الحيوان كما سبق.
ولذلك كان الحكام في العصر الأموي ، والعصر العباسي مشغولين بالحروب الداخلية والخارجية (في معظم الأحيان) ومع ذلك كانت الحركة الحضارية والعلمية تسير بشكل تقدمي ، وكانت هذه الحركة الحضارية تحت إشراف العلماء والقضاة وقامت مؤسسات الوقف ببناء أعظم الجامعات والجوامع والمدارس والمستشفيات ، والخانات (الفنادق العامة) والخانقاه ، والزوايا ، والثغور والقلاع ، والجسور والمشاريع المياهية وفكاك الأسرى  وغيرها ، وبالاضافة إلى الأوقاف على اليتامى والفقراء والعلماء وغيرهم، ويكفي للاستدلال على ذلك أنه كان يوجد في قرطبة 600 جامع كان كل واحد منها بمثابة مركز متكامل للعبادة والتعليم والتزكية والتربية، فكان لكل مسجد مدرسته الملحقة به ، كما كان فيها 300 حمام و20 مكتبة عامة ، وكان في بغداد في القرن الثالث الهجري  ، ودمشق في عصر الوليد بن عبدالملك والقاهرة مئات من المدارس (كانت بمثابة الجامعات) ومن أشهرها المدارس النظامية ، والجامع الأزهر ، وجامع القيروان ، والمدرسة النصرية بغرناطة ، وكان واقفوها يتنافسون في خدمة أساتذتها وطلبتها.
وكذلك تطورت المستشفيات مثل البيمارستان العضدي ببغداد 368هـ ، بل وصلت الرعاية الصحية إلى الحيوانات فقد أسس بدمشق مستشفى لعلاج الطيور والحيوانات ، كما ذكر ابن بطوطة مما شاهده في دمشق من الأوقاف : (منها أوقاف على العاجزين عن الحج يعطى لمن يحج عنهم كفايته ، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن ، ومنها أوقاف لفكاك الأسرى ، ومنها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم ، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها) ثم ذكر أوقاف الأواني ، فيقول : (مررت يوماً ببعض أزقة دمشق فرأيت بها مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم اجمع شققها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره …..، فكان هذا الوقف جيراً للقلوب جزى الله خيراً من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا)  .
وفي تونس كان هناك وقف لختان أولاد الفقراء مع منحهم كسوة ودراهم، ووقف خاص بتوزيع الحلوى في رمضان مجاناً ، ووقف لشراء السمك وتوزيعه على الفقراء ، بل كان هناك وقف غريب في مُرّاكش بالمغرب يسمى (دار الدُفّة) وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللاتي يقع بينهن وبين أزواجهن نفور وبغضاء فيلجأن إليها ويبقين فيها آكلات شاربات إلى أن يزول ما بينهنّ وبين أزواجهنّ من نفور ، كما كانت فيها ناصحات حكيمات للإصلاح .

 وقد أفاض الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله في الجوانب الحضارية الرائعة في كتابه الرائع (من روائع حضارتنا).

 هذا الانموذج لم يكن سائداً وإنما صنعه الإسلام من خلال الوقف، وقد اهتدى إليه الغرب من خلال المسلمين في الأندلس ، وبقاء الصليبين في ديار الإسلام (الشام والقدس الشريف) عشرات السنين ولما هزمهم صلاح الدين عادوا فملؤا سفنهم بالكتب والتراث الإسلامي .
وقد قامت الحضارة الغربية باعتراف المنصفين على المؤسسات الأهلية التي تقوم على نظام الوقف ، ولا زالت جامعاتهم مثل أكسفورد ، وكمبرج ، وهارفارد تقوم على نظام الوقف.
كما أن التنظيم الاجتماعي يقوم على أن الدولة في الغرب تقوم بواجبات الدفاع والحماية ، والتوجيه والاشراف تاركة تقدم المجتمعات وتحضرها لمؤسسات المجتمع الأهلي ، فالجامعات والمستشفيات ومراكز البحث والجمعيات الخيرية والانسانسية ونحوها كلها او معظمها أهلية وليست حكومية.
هذا السبق ، وذلك التنظيم للشريعة الإسلامية ، والفقه في مجال الوقف ليُعدّان من الإعجاز التشريعي في مجالات المجتمع والدولة ، وتحقيق التكافل ، وإعادة التوزيع.

الوقف الذري ، أو الأهلي والإعجاز :

 يقصد بالوقف الذري أو الأهلي ان يقوم المسلم بوقف جزء من ماله على أهله وذريته أوقاربه مطلقاً ، أو لحالات خاصة منهم مثل الوقف للأرامل منهم، أو للفقراء منهم أو لليتامى منهم .
هذا الوقف ساهم مساهمة فعالة في تحقيق تماسك الأسرة وتكافلها ، حيث من المعلوم أن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء الأمة ، والقلب النابض لتحريكها ، لذلك كانت إجازة الوقف للأسرة ومكوناتها عملاً عظيماً في هذا الاطار.ولا يسع المجال للخوض في تفاصيلها..

الخـلاصة :  

ظهر من خلال هذا العرض المتواضع دور الوقف ومقاصده ، ومدى توسع أنواعه حتى شملت معظم جوانب الحياة ، حتى أطلقنا القول : إن حضارتنا الإسلامية العظيمة هي هبة الوقف ـ بعد الله تعالى ـ فالوقف هو الذي ساهم مساهمة فعالة في تحقيقها ، وفي تحقيق التكافل وازدهار العلم والثقافة والفنون .

وبالتالي فإن حضارتنا الإسلامية قد سبقت الحضارة المعاصرة في اعتمادها على مؤسسات المجتمع المدني ( الأهلي ) ، ومؤسسات العمل التطوعي غير الحكومي.

ومن هنا يظهر لنا سر قوة الحضارة الإسلامية وتقدمها على الرغم من كل الفتن والحروب الداخلية ، والمشاكل السياسية ، لأنها كانت في دائرة السلطة السياسية في الغالب ، وإنما كانت مؤسسات المجتمع المدني تسيرها الأمة ذاتياً وطوعياً ، ويشرف عليها العلماء والقضاة ، والمفتون ، حيث أولوا عنايتهم لهذه المؤسسات تاركين السياسة من جانبها التطبيقي لهؤلاء الخلفاء بدءاً من عصر بني أمية إلى العصر العباسي ، غير أن الذي أسقط الحضارة الإسلامية هو ما فعله المغول والتتار ، حيث قاموا بتدمير الحضارة والقضاء على تماسك مؤسسة الوقف .

ومن هنا بدأت مرحلة خطيرة من الانحدار حتى وصلت إلى الانهيار ، ثم جاء في العصور الأخيرة الاحتلال الأجنبي فركّز هو وعملاؤه على تدمير الأوقاف ، إلى أن بدأت الصحوة الإسلامية المباركة منذ العقود الأخيرة ، فنهض الوقف مع الصحوة ، ولا يزال ينهض .

إن مقصدي هو : إن أردنا الحضارة والتكافل فعلينا أن نبذل كل جهدنـا للنهوض بالوقف ومؤسساته مع الاستفـادة القصوى إلى ما وصـل إليه الغـرب ، حيث تطور الوقف ، و(ترست) و (فاونديشن) بشكل كبير.
هذا والله أعلم وأخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسملين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق