التَّكييف الفقهي للمسابقات المعاصرة؛ التِّجاريّة منها وغيرها

التَّكييف الفقهي للمسابقات المعاصرة التِّجاريّة منها وغيرها

إعداد قاسم عبد الواحد

الحمد لله ربّ العالمين, شرع لنا الأَحكام بالإِحكام والإحسان, ووضع لنا الضوابط المتَّبعة في المعاملات؛ الماليّة منها وغيرها؛ فقال جلّ شأنه: {وأحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا}[1], كما قال تبارك وتعالى: {يمحق الله الرِّبا ويربي الصّدقات}[2], والصَّلاة والسّلام على المكلَّف بتبيين مجمل الكتاب العزيز, المرسَل لتقييد المطلق المراد به التقييد, المشهود له بالبلاغ المبين, وعلى آله وصحبه أولي البرّ والإحسان, والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أمَّا بعد:

فلمّا كانت المسابقات المشهورة المنتشرة في وقتنا الحاضر؛ لم تكن معروفة لدى المتقدّمين السَّالفين؛ الصَّحابة منهم وأعلام الأئمة, وإن كانت قضيَّة المسابقة لها أصل ثابت وصحيح في شريعتنا المطهَّرة؛ إلا أنّ المغالبات المعاصرة التي يمكن أن تلحق بالثابت من أنواع المسابقات قليلة جدًّا, والتي لا وجه لإلحاقها بذلك الثَّابت هي المنتشرة في – الوقت الحالي – والمستفيضة.

ولمَّا كانت المغالبات والمسابقة المعاصرة توجد منها الجائزة؛ والسَّالمة من المحاظير الشرعية, والمخاطر المدمِّرة للأموال والأعراض, وتوجد منها المحرَّمة, المشتملة على المحاظير الشرعية, والمخاطر المدمِّرة للأموال والأعراض, ولمَّا كان الحفاظ على نفوس وأموال البريّة من المقاصد الشَّرعيّة, ومن الضَّرورات الخمس المعتبرة في الشريعة المحمديَّة, رأينا أنّ من النصح لله, ولرسوله, ولكتابه, ولأئمة المسلمين, وعامتهم, أنّ نبيّن للنّاس أحكام هذه المسابقات والمغالبات المعاصرة, كي يعلم النَّاس الجائز منها, والذي يجوز لهم شرعًا الخوض فيها, والمشاركة في فعاليَّاتها, والمحرَّمة التي حقّها الاجتناب والابتعاد.

 قال الأستاذ الدّكتور سعد بن تركي الخثلان: وممَّا سبق ذكره: تبرز أهميّة البحث عن هذا الموضوع؛ باعتباره أمرًا واقعًا؛ بل وواسع الانتشار, وباعتبار عدم فهم كثير من عوام النَّاس الضوابط الشرعية فيه, وقد يكون من أسباب ذلك قلَّة ما كتب في هذا الموضوع, وإن كان فقهاؤنا المتقدِّمون – رحمهم الله – قد تحدَّثوا عن أحكام السبق ومسائله بالتَّفصيل؛ إلا أن تنزيل هذه الأحكام على المسابقات والمغالبات والألعاب المعاصرة لا يزال قليلاً, ونازلاً من النَّوازل الفقهيَّة[3].

فهذا البحث – بعون الله تعالى وقوّته – يشتمل على أربعة مباحث رئيسيّة؛ وهي على النَّحو التَّالي:

المبحث الأوَّل: المسابقات المباحة, والتي تجوز ممارستها, والمشاركة فيها.

المبحث الثَّاني: المسابقات المحرّمة وضوابطها.

المبحث الثالث: ذكر بعض صور المسابقات المحرَّمة.

المبحث الرَّابع: ذكر بعض صور المسابقات المباحة.

ونحن في هذا الصدد نكتفي بالحديث عن المبحث الأوَّل؛ وبيان مسائله بنوع من البسط والتَّفصيل, ثمّ نلحق به المباحث الثلاثة الباقية في أبحاثنا القادمة بإذن الله تعالى.

المبحث الأوَّل: المسابقات المباحة, والتي تجوز ممارستها, والمشاركة فيها.

نقول – وبالله التَّوفيق – اتّفق الفقهاء على جواز ثلاثة أنواع من أنواع المسابقات؛ سواء كانت بعوض؛ إذا توفّرت فيها الشروط والضوابط التي سنذكرها لاحقًا؛ أو بغير عوض؛ وهذا جائز مطلقًا في تلك الأنواع الثلاثة:

النَّوع الأوَّل: المسابقة في الإبل.

النَّوع الثَّاني: المسابقة بالخيل.

النّوع الثَّالث: المسابقة في السّهام.

والأصل في اتّفاقهم على جواز هذه الأنواع الثَّلاثة؛ السّنة, والإجماع.

أمَّا السنة: فقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في المسند, وأبو داود, والنسائي, والترمذي, وابن ماجه في سننهم, من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق، إلا في خف, أو حافر»[4].

وفي لفظ: «لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر»[5].

شرح الكلمات الغريبة في الحديث:

قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا سبق»: قال الخطابي: السبَق بفتح الباء؛ هو ما يجعل للسابق على سبقه من جعل أو نوال. فأما السبْق بسكون الباء؛ فهو مصدر سبقت الرجل, أسبقه, سبقاً، والرواية الصحيحة في هذا الحديث: السبَق مفتوحة الباء[6].

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «خف». المراد بالخفّ: هو الإبل.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «أو نصل». فالمراد بالنَّصل: السهم.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «أو حافر». فالمراد بالحافر: الخيل.

ومعنى الحديث: هو أنّ الجعل والعطاء لا يستحقّ إلاّ في سباق الخيل والإبل والرمي؛ وما في معناها؛ وذلك لأنّ هذه الأمور عدة في قتال العدوّ, وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد وتحريض عليه[7].

ثمّ قال الخطابي رحمه الله: ويدخل في معنى الخيل البغال والحمير؛ لأنها كلها ذوات حوافر, وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجائها؛ لأنها تحمل أثقال العساكر وتكون معها في المغازي[8].

وقال الإمام الشافعي: هذا الحديث يجمع معنيين:

أحدهما: أن كل نصل رمي به من سهم أو نشابة أو ما ينكأ العدو بنكايتها، وكل حافر من خيل وحمر وبغال, وكل خف من إبل بخت أو عراب، داخل في هذا المعنى يحل فيه السبق.

والمعنى الثاني: أنه يحرم السبق إلا في هذه الأنواع الثلاثة؛ وما كان في معناها[9].

وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور: سعد بن تركي الخثلان: وهذه الأمور الثلاثة يجمعها كونها آلات الجهاد في سبيل الله, في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم, ويقاس عليها آلات الجهاد الحديثة؛ فيجوز السبق فيها؛ لأنّها في معنى هذه الأمور الثّلاثة؛ ولأنّ مقصود الشارع من تجويز السبق فيها: هو حثّ النَّاس على التّدرّب عليها, وهذا موجود أيضا في آلات الجهاد الحديثة[10].

وأمَّا الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز المسابقة في تلك الأنواع الثلاثة؛ إذا كانت بغير عوض.

وأمَّا إذا كان فيها عوض؛ فقد تنازع في هذه العلماء؛ فجمهور أهل العلم على جواز ذلك؛ وجعلوها من قبيل الجعل.

إلا أنّ القائلين بالجواز؛ قيّدوا ذلك الجواز بشروط وضوابط لا بدّ من توفّرها في تلك المسابقة, قبل الحكم عليها بالجواز.

شروط وضوابط جواز المسابقة بعوض:

الشرط الأوَّل: أن تكون المسابقة في الأنواع النافعة في الجهاد؛ وهي الأنواع الأربعة عند الحنفية: النصل والخف والحافر والقدم. وعند الجمهور: الأنواع الثلاثة الأولى.

الشرط الثاني: أن يكون العوض من أحد الجانبين المتسابقين, أو من شخص ثالث، كأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، أو يقول ولي الأمر, أو شخص ثالث: من سبق منكما فله في بيت المال, أو فله عليّ كذا؛ لأنه في هذه الحالات لا يوجد قمار محرم؛ وإنما يكون دفع العوض على سبيل المكافأة أو الجعالة والتحريض على الاستعداد لإتقان فنون الجهاد.

الشرط الثالث: أن لا يكون ذلك العوض, أو تلك الجائزة من جميع المتسابقين.

الشرط الرابع: أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر.

الشرط الخامس: العلم بالمال المشروط، ومعرفة نقطة البدء والنهاية.

الشرط السادس: أن تكون أهداف المسابقة ووسائلها ومجالاتها مشروعة[11].

ما يلحق بتلك الأنواع الثلاثة:

النوع الأوَّل: تجوز المسابقة بدون عوض في كلّ ما كان فيه منفعة مباحة, وليس فيه مفسدة راجحة, مثل: المسابقة بالأقدام[12].

قال ابن حزم في المحلّى: والمسابقة بالخيل، والبغال، والحمير، وعلى الأقدام: حسن، والمناضلة بالرماح، والنبل، والسيوف: حسن[13].

والدليل على جواز المسابقة على الأقدام: ما أخرجه الأمام أحمد في المسند, من حديث عائشة قالت: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: «هذه بتيك»[14].

النَّوع الثَّاني: ما كان فيه ظهور لأعلام الإسلام وأدلته وبراهينه. وممن قال بهذا: شيخ الإسلام ابن تيمية, وتلميذه ابن القيِّم الجوزية رحمهما الله[15].

قال ابن القيم رحمه الله: وَأما الرِّهَان على مَا فِيهِ ظُهُور أَعْلَام الْإِسْلَام وأدلته وبراهينه كَمَا قد رَاهن عَلَيْهِ الصّديق؛ فَهُوَ من أَحَق الْحق, وَهُوَ أولى بِالْجَوَازِ من الرِّهَان على النضال وسباق الْخَيل وَالْإِبِل, وَأثر هَذَا فِي الدّين أقوى؛ لِأَن الدّين قَام بِالْحجَّةِ والبرهان, وبالسيف والسنان, والمقصد الأول إِقَامَته بِالْحجَّةِ وَالسيف, وَإِذا كَانَ الشَّارِع قد أَبَاحَ الرِّهَان فِي الرَّمْي, والمسابقة بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل؛ لما فِي ذَلِك من التحريض على تعلّم الفروسية, وإعداد الْقُوَّة للْجِهَاد؛ فجواز ذَلِك فِي الْمُسَابقَة والمبادرة إِلَى الْعلم وَالْحجّة الَّتِي بهَا تفتح الْقُلُوب, ويعز الْإِسْلَام, وَتظهر أَعْلَامه أولى وَأَحْرَى[16].

ودليلهم على هذا: هو ما أخرجه الترمذي في سننه, من حديث ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلمي، قال: لما نزلت {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين}[17]  فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للرّوم، وكان المسلمون يحبون ظهور الرّوم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}[18]  فكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنّهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب, ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية، خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون  في بضع سنين}[19]  فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أنّ الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك، قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين؛ لأنّ الله تعالى قال في بضع سنين، قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير[20].

المراجع

[1]  سورة البقرة: 275.

[2]  سورة البقرة: 276.

[3]  فقه المعاملات الماليَّة المعاصرة ص: 200.

[4]  مسند الإمام أحمد 12/453 برقم 7482, سنن النسائي 6/227, سنن ابن ماجه 2/960 برقم 2878.

[5]  مسند الإمام أحمد 16/129 برقم 10138, سنن الترمذي 4/205 برقم 1700, سنن أبي داود 3/29 برقم 2574, سنن النسائي 6/226 برقم 3585, وصحّح الإسنادين الشيخ الألباني. انظر: مشكاة المصابيح 2/1138, إرواء الغليل 5/333, صحيح أبي داود 7/327.

[6]  معالم السنن للخطابي 2/255.

[7]  المصدر السَّابق.

[8]  المصدر السَّابق.

[9]  الإقناع لابن المنذر 2/505 بنوع من تصرف الباحث.

[10]  فقه المعاملات الماليَّة المعاصرة ص: 201 بنوع من تصرّف الباحث.

[11]  الفقه الإسلامي وأدلته, لوهبة الزحيلي 6/4878-4881 بنوع من التصرّف.

[12]  فقه المعاملات الماليَّة المعاصرة ص: 202.

[13]  المحلَّى 5/424.

[14]  مسند الإمام أحمد 40/144 برقم 24118. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط رحمه الله: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

[15]  الفروسية ص: 96.

[16]  المصدر السَّابق.

[17]  سورة الروم: 1-4.

[18]  سورة الروم: 4-5.

[19]  سورة الروم: 1-4.

[20]  سنن الترمذي 5/344 برقم  3194. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث نيار بن مكرم، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد.

(المصدر: الملتقى الفقهي)