تقارير وإضاءات

ميدان يحاور العوضي.. كيف يقرأ الشيخ ظاهرة الإلحاد وهل يفقد الإسلام مكانته في قلوب أبنائه؟

ميدان يحاور العوضي.. كيف يقرأ الشيخ ظاهرة الإلحاد وهل يفقد الإسلام مكانته في قلوب أبنائه؟

إعداد محمد فتوح

منذ الربيع العربي وقد باتت لفظة “الإلحاد” مطروقة على مسامع الشباب العربي بكثافة لم تكن معهودة من قبل، وهو ما يطرح أسئلة حول الإيمان والإلحاد، وسبر إذا ما كان الإلحاد ظاهرة مجتمعية أم أن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي قامت بتضخيم الأمر، إذ بلغ عدد البرامج الإلحادية على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من عشرين برنامجا، ويُشاهده أكثر من 200 مليون شاب عربي. وما علاقة الإيمان بالعلم التجريبي، وهل ثمة وشائج صلة بين العلم والدين؟! ثم ما الحد بين العقل والوهم، وأين يقف حد العقل؟! وما دور البُعد النفسي في قضية الإيمان والإلحاد؟!

كل هذه الأسئلة طرحناها في هذا الحوار المُطوّل والمعمّق بين يدَيْ د. محمد العوضي، مدير مركز “رواسخ للدراسات والنشر” المختص بمعالجة قضية الإلحاد بين الشباب؛ وأستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة الكويت، وقد ترأس عددا من المناصب في المؤسسات الإسلامية حول العالم، وله إنتاج غزير من البرامج التلفزيونية العربية.

د. محمد العوضي (مواقع التواصل)

   

ميدان: بداية، هل ترون أن الإلحاد يُعَدُّ ظاهرة شبابية فعلية، أم أنها مجرد حدث عابر يتزامن مع انحسار دور رجال الدين في المجتمع؟!

هذا سؤال جوهري، ولعل من التراتبية الصحيحة والمريحة للحوار حول هذا الموضوع أن تكون البداية بهذا السؤال كي نبني عليه ما بعده. حتى نكون منهجيين في الحكم على واقع الإلحاد “هل هو ظاهرة أم مؤشرات أم حالات فردية؟”، فيجب أن نُعرِّف الظاهرة أولا. ومن بين التعريفات التي أرتضيها أن المشكلة تصبح ظاهرة إذا: “تكررت حدوثا، واتسعت رقعة، وتنوّعت شرائحَ، وتقاربت زمنا، وتفاقمت حجما، واستعصت على الحلول النمطية، وانطلقت من فكر يغذيها لا من ردود أفعال” [أ].

فلكي نقرر أننا إزاء إشكالية أو ظاهرة فإننا نحتاج إلى دراسات استبيانية ورصديّة، لا سيما في مجتمعات شرقية محافظة يمتنع فيها الكثيرون عن الإفصاح عما يضمرونه مما يخالفون فيه السائد من قيم مجتمعاتهم مثل الإلحاد. وأنا أرى أن عامة الناس، بمن فيهم كثير من المثقفين، يعتمدون في وصف مستجدات الظواهر على ثلاثة مصادر:

1- الانطباعات الشخصية الحياتية.

2- الدراما المتلفزة ووسائل التواصل.

3- المؤسسات المختصة.

لكن هذه الأخيرة هي المعتبرة بشروطها، وللأسف ليس عندنا إشارات حقيقة تُمكّننا من التصور “هل حالة الإلحاد ظاهرة حقيقة أم مجرد حالات فردية؟”[ب].

مقدمة “د. محمد العوضي” لظاهرة الإلحاد ببرنامج “سواعد الإخاء”

كما أني أحب التأكيد -من خلال رؤيتي للأحداث- أن الإلحاد بمعناه “الكلاسيكي” المتبادر إلى الذهن بمعنى “إنكار وجود خالق والقول بأزلية المادة” ليس بظاهرة شبابية، وإن كان صوته عاليا عبر منصات التواصل والتضخيمات الإعلامية التي تطل علينا؛ كما حصل في رمضان الماضي على شاشات عدة قنوات عربية لدرجة توظيف شخصيات بارزة من النخب الثقافية كالشاعر والناقد الحداثي أدونيس وتحويله إلى سمسار شعبوى للإلحاد. ولا شك أن هذه الفرقعات الإعلامية تُحدث ضجة يتحقق بها “ظهور للإلحاد” لكنه يتسم بالإشهار اللحظي، ولهذا أفرّق بين الظهور وبين “الظاهرة” بمعناها الاصطلاحي الذي يتداوله الأكاديميون.

ومع شيوع الشبهات حول أصول الدين وثوابته وانتشارها في مراحل عمرية متدنية فإنها تعتبر ظاهرة شبابية في الأعمار الصغيرة فيما شاهدت من خلال محاوراتي ونقاشاتي مع الشباب، فأنا حريص على الانفتاح عليهم والتبسط معهم وسقوط الحواجز النفسية والعرفية بيني وبينهم، فلقد لاحظت تكاثر الأسئلة الشكية وتنوعها. وأيضا هذا ما يؤكده إخواننا في المراكز الفكرية المتخصصة برصد وتتبع النوازل الفكرية والعقائدية الجديدة ودراستها.

ميدان: هل ترون أن “شيوخ السلطان” ساهموا في النفور من الدين والاتجاه نحو الإلحاد؟

خذها قاعدة حياتية، إن أي رمز يرفع شعارا جميلا ويصدع بالتزام المبادئ الكبرى ويحث العامة على التزامها ويُرغّب الخلق بآداب ثم ينكص على عقبيه فيناقض تنظيراته في واقعه العملي فإنه بهذه الازدواجية المقيته سيُزهِّد الناس بذاته وبمبادئه معا، هذه طبيعة الجماهير كذلك، والنوادر من البشر هم الذين يمتلكون القدرة على الفصل بين النموذج والتطبيق بين المثال والواقع.

لهذا تجد أن الملايين دخلت الإسلام وآمنت به من خلال معاملة المسلمين الحسنة معهم، فتعرفوا على الدين من سلوك المتدينين كما حصل في اكتساح الإسلام لشرق آسيا دون حروب. وكذلك العكس صحيح، فإن انحراف الرموز الدينية عن الإسلام في معاملاتهم المالية أو علاقاتهم الاجتماعية والأخلاقية يصدّ العباد عن الدين والتدين، ولهذا فإن الله تعالى العليم بطبيعة النفس البشرية لم يُغفل الأثر السلبي لهذا المسلك “الصدمة الوجدانية”، فقال سبحانه: “ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا“.

وأنا واحد من الناس أشهد أن من شيوخ الدين ودعاته وعلمائه والمفتين بأحكامه مَن صاروا فتنة ليس للذين كفروا فحسب، بل حتى للذين آمنوا أيضا! ولعل أبشع أنواع التنفير من الدين عندما يصبح المشايخ جسورا يمضي عليها الطغاة لنيل شهواتهم، أو يتبرع المشايخ بأن يصنع الجبابرة من فتاواهم أقطاب رحى يطحنون بها الشعوب ويغرقون الأرض بدماء الأبرياء ويملؤون السجون بصفوة المجتمع.

   

لاحظ معي التنبيه التربوي النبوي العظيم: “إن منكم لمنفرين”، هذا خطاب النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم- لبعض أتباعه ممن بالغ في العبادة في غير مكانها من جيل الصحابة. وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب تماما عندما قال: “لا تُبغِّضوا اللهَ إلى عباده”، أي لا تجعلوا الناس -بسلوككم الخاطئ وفهمكم المجافي للحق- يكرهون ربهم. فبالله عليكم، إذا كان تطويل الصلاة والغلو في العبادة ينفر صحابة الرسول من الدين، فما عسى أن تكون درجة التنفير من الدين الذي سيرتكبه مشايخ السلاطين في أيامنا هذه للأجيال الحائرة؟!

لقد صُدمت في جولتي الرمضانية الأخيرة داخل الكويت وخارجها بأن أكثر الأسئلة التي تكررت على مسامعي كانت عن تقلبات المشايخ المُبَرَّزين في مواقفهم من النقيض إلى النقيض استجابة واستسلاما لتحولات السياسة والسياسيين، مما ذكّرني بوصف المؤرخ ويل ديورنت في فصل “أخلاق رجال الدين” من كتابه الكبير “قصة الحضارة” عن أخلاق رجال الكنيسة المنفرة من الدين في إيطاليا بأنها أحط من أخلاق العسكر. ولعلنا اليوم نمر بالمنعطف التاريخي ذاته لأوروبا في حقبة القرون الوسطى وما بعدها في فساد رجال الدين النصراني وتحالفهم مع الإقطاعيين ضد الفلاحين الفقراء، ومع الملوك ضد الشعوب المقهورة، ما تسبّب بكفر الناس برجال دينهم وبكنيستهم وبالرب الذي يدعون إليه.

 “قصة الحضارة” لـ”المؤرخ ويل ديورنت” (مواقع التواصل)

ميدان: وما العلاج من وجهة نظرك؟!

العلاج يتمحور في تبصير الناس والشباب بالذات بضرورة التفريق بين “تقديس” علماء الدين، وهو الآفة المرفوضة، وبين “الاحترام” العميق لهم والمشروط بالتزامهم بالمبادئ لا بشخوصهم، وأن تكون المبادئ فوق الأشخاص وتكون الميزان في الحكم عليهم لا العكس. وأُنبّه كذلك إلى أن الموضوع دخل دائرة الإستراتيجية في الحرب على الدين من خلال تشويه المتدينين، وحرق النماذج، فالإعلام يسلط أضواءه على علماء السلاطين ويعرض تزلفهم ويرقص على وقع تناقضاتهم، فتتضخّم الصورة القبيحة لبعض متصدري الدعوة والفتيا والإرشاد ممن اختار السقوط.

ويأتي دورنا في إبراز الصورة المشرقة والمشرّفة لمئات الدعاة والعلماء والأكاديميين الشرعيين المُبَرَّزين الصادقين الممنوعين من الكلام، وعشرات المسجونين من الصادعين بالحق، وغيرهم ممن ثبتوا على ما كانوا عليه أو على الأقل لم يستجيبوا للباطل، فضُيّقت عليهم حركتهم في الحياة وخسروا مصالح كثيرة لكنهم صبروا واحتسبوا وكانوا منارات هدى يستدل بهم الشباب الحائر والجماهير المصدومة إلى سلامة الطريق ويضرب بهم المثل بالثبات على الحق، وبذلك تكون الصورة متكاملة ومتوازنة لتصدق وتصيب أحكام الناس على عالم الأشخاص والأفكار.

ميدان: هناك تحليلات تتعلق بالنفور عن الدين من الشباب، وأنه كان بمنزلة رد فعل على الحركات الإسلامية بصفة عامة، وتراجع مكانتهم في المجتمع، فهل تتفق؟!

نعم، الظاهرة حدث عابر يتزامن مع انحسار موقع الدعاة والشرعيين، لكني أعتقد أن الأمر أعمق من هذا التأطير والتحديد، وأعتقد كذلك أن الظواهر الإنسانية تتعدد عوامل تشكّلها وتختلف درجة تأثيرها على الأفراد والجماعات والمجتمعات لطبيعتها المركبة. ولهذا لا أعتقد أن أمر الإلحاد أو ما يقارنه من مسالك التمرد على الدين حدث عابر، أو مجرد ردة فعل على الإسلاميين لأسباب عدة، وسأكتفي بتناول سبب رئيسي، وهو سبب ينفي كذلك سمة العفوية في نشوء الظاهرة، وهو السبب الإستراتيجي المتزامن كذلك مع تطور المراحل السياسية من بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول ثم الربيع العربي ثم تسارع تمرير وفرض صفقة القرن وفرضها.

وهذا السبب أو الهدف هو النظرة الإستراتيجية التي تبنّتها مؤسسات غربية أعلنت عن أهدافها في تحريف الإسلام (وهذا أحد أشكال الإلحاد) وبث ذلك في المجتمعات والأوساط الشبابية، ومن التقارير الشهيرة والدالة على هذا الهدف دراسة مؤسسة “راند” والمعنونة بـ “الإسلام المدني الديمقراطي: الحلفاء والموارد والإستراتيجيات”، فإنهم ينشدون إسلاما جديدا يُفَصَّلُ على مقاس خطط الهيمنة المعلنة.

وعلى سبيل المثال، لقد تبنّت الدراسة لأطروحات محمد شحرور ودعم تسويقها ومن على شاكلته، وهو المعروف بتحريفاته المكشوفة لمعاني آيات القرآن الكريم، لذلك فليس من المستغرب قفز شحرور إلى الأضواء ليصبح مجتهدا ومجددا للخطاب الديني التنويري، وليس غريبا أن تتبنّاه حكومات، وينال جوائز الدولة، ويُحتفى به عند أعلى القيادات السياسية، وتُصنع له مؤسسة للدراسات القرآنية، وتُخصّص له ميزانيات مليونية، وتُطبع له عشرات الكتب الفاخرة، وتُفتح له قنوات فضائية عربية في رمضان وغير رمضان ليمارس التحريف الديني بالألوان على الشاشات، ويُستضاف في مناشط عربية في الغرب وأيضا في قنوات أوروبية ناطقة بالعربية ليروّج إسلاما لا يعرفه المسلمون من عصر النبوة إلى يوم الناس هذا.

ميدان: هل ترى أن هناك مؤسسات عربية تدعم هذا الاتجاه من الإسلام الجديد وستدفع إليه؟!

لماذا نذهب بعيدا؟! فقط تأمل بهدوء ما حصل في العاصمة الأردنية عمّان من أحداث تخص نشاط “مؤمنون بلا حدود”، والتحقيق الذي كشفته الشرطة الأردنية بأن مسرحية قد عقدها أمين عام المنظمة بعد منع السلطات الأردنية مؤتمرهم الثقافي المشحون بالقضايا “التجديدية” لتحريف الإسلام. باختصار، الخصوم المتربّصون من الخارج أو القابعون بيننا في الداخل يعلمون أن العقيدة والإيمان مبنيان على اليقين، وأن الحق المبني على اليقين لا يتنازل عنه أصحابه، ولهذا لا بد من هدم مصدره (أي الإيمان نفسه) بالإلحاد المباشر، أو بتذويبه بالتحريف عبر الإلحاد الناعم والماكر، لكي لا يبقى لدى الجماهير إيمان ولا يقين ومن ثم لا ثَباتَ على الحق.

ومثل هذه الحشود عندما تفقد الاستناد إلى مركز أصيل تنطلق منه ويكرَّس بدلا منه سياسة الإغراق في مستنقع النسبية القيمية وإحلال ثقافة المصالح مكان المبادئ؛ كل هذا يسهّل عملية تدجينها وتطبيعها مع صفقات القرن وتمرير أجندات المستعمر المتحالف مع عملائه في احتضان الإلحاد والتصفيق للملاحدة. وفي هذا السياق يجب علينا أن نفهم كل هذه الأسباب، ونفهم من خلالها كذلك سبب محاصرة ونفي وانحسار مَن أسميتهم في سؤالك برجال الدين من الدعاة المخلصين الرافضين للهيمنة الغربية وتسلّطها على ديننا وقيمنا وسلبها لحقوقنا وتكريس تبعيّتنا لها.

ميدان: هل ترون أن البُعد النفسي له دور في مسألة الإلحاد، وكيف؟

بالتأكيد نعم، هناك دور كبير للبُعد النفسي في ظاهرة الإلحاد، ودعنا نُمهّد لتفصيل الإجابة بالتعرف على أحد أهم وجوه الفروق بين سمات الظاهرة الإنسانية كالإلحاد -الذي هو موضوع حوارنا- وبين الظاهرة المادية والطبيعية كغليان الماء عند درجة 100 في الظروف العادية. فالفرق بين الظاهرتين أن الظواهر الطبيعية باطنها يخبر عن ظاهرها وبينهما درجة عالية من التطابق لمعرفتنا بالقوانين الدقيقة التي تحكمها، ولهذا تسهل الملاحظة الحسية والعقلية في تصوّرها.

أما الظواهر الإنسانية فلا يشترط فيها التطابق بين مظهرها ومخبرها، وذلك للطبيعة الإنسانية “المركبة” التي تسمح لتأثير العواطف والتحيزات والأطماع والضمير في تباين الظاهر عن الباطن وفقدان المعيارية الدقيقة في إثبات التطابق بينهما، ولذا كثيرا ما نصاب بالذهول والصدمة من انتكاسات وتصرفات مَن كان تغيّرهم علينا وتنكّرهم لنا في حكم المستحيل. فالإنسان كائن يُجيد التمثيل، والتمثيل قد يجعل الإنسان يُعلن نقيض ما هو مضمر في باطنه، ولذا وُجد مصطلح “النفاق”. ومن هنا فإنني لا أبالغ إذا قلت -حسب تجربتي الشخصية وانطباعاتي العامة- إن النسبة الأكبر من الهاربين من الإيمان إلى الإلحاد والمتمردين على الدين كانت دوافعهم سيكولوجية وقد تتطور مواقفهم النفسية إلى تبني نزعات فلسفية من أجل عقلنة إلحادهم الوجداني.

اعترافات الطبيب الملحد الأسبق مصطفى محمود في كتابه “رحلتي من الشك إلى اليقين” (مواقع التواصل)

وهذا ما قرأناه -قديما- في الصفحات الأولى من اعترافات الطبيب الملحد الأسبق مصطفى محمود في كتابه “رحلتي من الشك إلى اليقين”، واقرأ -إن شئت- تجربة الأديب زكي مبارك الذي كان يُنهي بعض مقدمات كتبه بالتوقيع تحت اسمه بـ “الملحد الفاجر فيما يزعمون”. لقد اعترف بشجاعة أدبية نادرة عن موقفه الانفعالي والنفسي والشخصي يوم أن انتقد نفسه في جلسة علنية من على منصة الجامعة المصرية 1937 معلنا خضوعه للأهواء في موقفه من الغزالي والأخلاق الموروثة للقدماء التي سطرها في رسالته التي نال عليها درجة الدكتوراه في الآداب بعنوان “الأخلاق عند الغزالي”، وانظر تمام القصة في مقالته المعنونة بـ “إليك أعتذر أيها الغزالي” في مجلة الرسالة 1941، وأيضا في كتابه “التصوف الإسلامي”، وكتاب “المعارك الأدبية بين زكي مبارك ومعاصريه”، تحت عنوان “زكي مبارك في معركة مع نفسه”.

وأختم بمثل ثالث للإلحاد الرغبوي النفسي للأميركي بول فيتر صاحب الكتاب المثير “نفسية الإلحاد.. إيمان فاقد الأب”، وقد ترجمه مركز دلائل، فبعد أن درس فيتر حياة عشرات الأسماء من فلاسفة ومفكري وسياسيي الغرب وفتش عن أثر البُعد الوجداني في إلحادهم، مثل نيتشه، هيوم، راسل، هوبز، فولتير، فرويد، فيورباخ، هتلر، سارتر، سيمون دو بوفوار، إلخ، عقد فصلا تحت عنوان “الإلحاد السطحي: قصتي الشخصية” سرد فيه تجربته مع الإيمان بأريحية بالغة وقال صراحة: “العوامل الأساسية التي جعلتني ملحدا لم تكن فكرية، وإنما اجتماعية ونفسية”.

وكتب باللغة العربية عمرو شريف كتابا واسعا في الموضوع “الإلحاد مشكلة نفسية”، بيد أن الموضوعية تقتضي تأكيد تعدّد أسباب الإلحاد وتنوّع دوافعه ومكوّناته، والملاحدة مشارب متعددة، ولا يصح اختزال الإلحاد في جانب معين وإن كان ذا أثر فعال وقوي كالبُعد النفسي، وهذا يستدعي منا حسا اجتماعيا عاليا ونحن نتعاطى مع الجيل الجديد في تساؤلاته الشكية، فليس دائما الحجج العقلية والبراهين المنطقية هي القول الفصل للإقناع، ولكن اكتشاف الأبعاد الكامنة والتعرف على التجارب الشخصية ومحاولة الوصول لما هو ثاوٍ في قاع النفس يقرّبنا من فهم الإشكاليات الفكرية ومن ثم انتقاء الأدلة الأنسب في مناقشاتهم.

        

ميدان: وهل تعتبر أن البُعد النفسي يشير إلى احتياج أصيل في كينونة الإنسان؟

قطعا نعم، ولهذا وصف بعض المفكرين الإنسان بأنه كائن غيبي متميز “بالتطلع للسماء”، ما يجعله يصاب “بالدوار الميتافيزيقي” كما يعبّر علي عزت بيغوفيتش في الفصل الأول من كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”، لأنه لا ينفك عن قلق البحث عن إجابات مرضية لأسئلة البدايات الوجودية، ومن ثم يتأكد الفرق بينه وبين الأحياء الأخرى في الماهية لا في الدرجة فحسب كما تقرر الداروينية.

ولعل ما يتبدّى لنا من تقديس جمهرة من الملاحدة لأيديولوجيتهم الإلحادية واستماتتهم في الاستدلال عليها بإجابات ميتافيزيقية ومنطق اللا منطق دليل على الحاجة النفسية الملحة لديهم. ولعل هذه الحاجة إلى الميتافيزيقا تُفسّر لنا ما ينتشر في المجتمعات الغربية العلمانية المادية الملحدة من طقوس روحانية شرقية وبدائل غيبية عن الأديان الإبراهيمية غلّفوها بالعلوم الزائفة كعلوم الطاقة وغيرها.

حتى الإيمان بالأطباق الطائرة واللجوء للعرّافين وقارئي الكف بين عائلات أرستقراطية غارقة في الملذات ومتمركزة حول الجسد والشره في إشباع المعدة والفرج؛ كل هذا يعتبر أحد أشكال التعويض عن الروحية الدينية المفقودة بروحية أخرى ولكنها بلا أعباء التكاليف الشرعية من حلال وحرام لتتوافق مع العلمنة العملية التي يَحيَونها، وللدكتور عبد الوهاب المسيري إضاءات وتحليل مفصل لهذه الظاهرة اختار لها عنوان “الإله الخفي” كما في كتابه “نحو حداثة إنسانية” وفيها فائدة قلما يمكن التحصل عليها في كتب أخرى. وأختم بأن أهم اعتراض إلحادي هو مشكلة الشر، وليس أزلية الكون أو الداروينية أو أي سؤال علمي آخر، بما يؤكد سلطان الجانب النفسي على الظاهرة الإلحادية!

ميدان: هناك مَن يرى أن دعاة “مقاومة الإلحاد” كثيرا ما يُناقشون الملحدين بنظرة فوقية، تدّعي الطهورية الدينية وامتلاك الحق المطلق، والتي تريد أن تنتشل هؤلاء الملحدين من الضلال، في حين أنهم -الدُّعاة- لا يسعون حقيقة لفهم الملحدين والنقاش معهم بتجرد، مما يجعل النقاش في هذا الصدد عقيما، ومبنيا على تصورات جامدة لن يغيرها أي نقاش، فما رأيك؟

لا يمكن تصنيف دعاة “مقاومة الإلحاد” بأنهم نسيج واحد في عمق ثقافتهم ونضجهم الانفعالي ومنهجية تفكيرهم وأخيرا نظرتهم للملاحدة وأدبياتهم في مجادلتهم، فالتفاوت والتنوع موجود عندهم كما هو عند غيرهم من الاتجاهات بما فيهم اللا دينيين.

لكن من ناحية أخرى أرى أن جميع المؤمنين يشتركون في عقيدة “امتلاك الحق المطلق” في أصول الاعتقاد الإيماني، ولا أرى في ذلك منقصة وجدانية أو مثلبة معرفية، خاصة إذا كان المؤمن يعتقد أنه أقام يقينه (الحق المطلق) على الصنف الأول من الأدلة التي أسماها المناطقة بالحجة “البرهانية”، والإنسان أمام البرهان القاطع لا يكون حرا في أن يقتنع بالحقية أو لا يقتنع، لأن الحقائق تفرض نفسها على متلقيها وإلا فإنه سيكون بين خيارين أحدهما أسوأ من الآخر، المكابرة أو السفسطة!

وبعيدا عن ادعاءات المثالية عند الماديين، فإننا إذا ما تصفّحنا سِيَر وأدبيات كثير من أساطين الملاحدة الجدد واللا دينيين المعاصرين لوجدناهم يقدسون جحودهم لدرجة امتلاك “الحقيقة المطلقة” التي ينكرونها على خصومهم، ولك في مناصري النزعة “العلموية” المتطرفة ودعاتها نماذج صارخة على ما أقول؛ من ذلك قول الفيلسوف المشهور برتراند رسل: “والذي لا يستطيع العلم التجريبي أن يكتشفه لا يستطيع البشر معرفته”، وعلى خطاه ريتشارد دوكينز في كتابه “قس الشيطان” حيث يقرر بيقين مطلق: “العلماء التجريبيون هم المتخصصون في اكتشاف ما هو حق بخصوص هذا الكون”، ولقد اتخذت من دوكينز مثلا على العقلية الإلحادية الدوغمائية الغيبية في برنامج “اسأل ولا تخف” بحلقة موجودة على يوتيوب بموقع “رواسخ” تحت عنوان: “أيهما أكثر إقناعا.. غيبيات الدين أم عقلانيات الإلحاد؟!”، وذلك لِما بدر منه في حواره المتلفز بالفيلم الوثائقي “المطرودون” المتوفر على يوتيوب، وكيف هوى في أودية الخرافة بإجابته عن مصدر نشأة الحياة في الكون!

ولعل في تصريح أستاذ اللسانيات الشهير نعوم تشومسكي في محاضرته المتوفرة على يوتيوب عن أقطاب الإلحاد المعاصر سام هارس ودوكينز وكريستوفر هيتشنز بقوله: “إنهم ببساطة متدينون متعصّبون” يؤكد ما ذهبت إليه. ثم ألست معي في أن سؤال “امتلاك الحقيقة المطلقة” أولى بالملاحدة العلمويين الذين يحصرون اليقين المعرفي بالتجربة ثم يقفزون إلى يقين غيبي خرافي بلا برهان؟ سيدي، في كل التيارات الفكرية يوجد مَن يناقش بعمق وبقدر كبير من الموضوعية، ويوجد في المقابل نماذج تتفاوت في الضعف، وأحيانا في الشطح، ويوجد مَن يجتمع بأطروحاته هذا وذاك.

ميدان: ‏‎”إذا لم أرَ الله بعيني، أو أصافحه بيدي، فلن أؤمن به”، هل تتفق؟

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذه المقولة قد تجاوزها الملاحدة أنفسهم ويمكن أن ننعتها بـ “الإلحاد الطفولي” الذي من الممكن أن نكتفي في الرد عليها بكلمات موجزة لبديع الزمان النورسي يلخّص فيها إشكاليّتهم المعرفية، مثل قوله: “إن الذين يبحثون عن كل شيء في المادة عقولهم في عيونهم، والعين لا تبصر المعنويات”.

لكن تفصيلا يمكن أن نَعُدَّ هذه المقولة أشد غلوًّا في حِسيّتها من مقولات العلمويين الملاحدة الذين هم أشد المذاهب تطرّفا في تضييق باب المعرفة ورفضهم للميتافيزيقا، فإن العلمويين يقبلون التجربة بمعناها الواسع بابا للمعرفة، أما هؤلاء فيرون الحس المباشر طريق المعرفة الأوحد. ذلك على الرغم من كون التجربة أوسع من باب الحس، فالتجريبيون يؤمنون بما لا يُرى كالذرة، بل وما لا يمكن البتة أن يُرى كالانفجار العظيم، والأكوان الأخرى غير كوننا. على أن أتباع المنهج الحسي والعلمويين قد وقعا كذلك في مغالطة المصادرة على المطلوب، وهي افتراض مادية كل شيء، بما في ذلك سبب هذا الوجود، ولذلك يطلبون وجود هذا السبب ضمن هذا العالم المادي، رغم أن ذاك هو محل النزاع.

واعتراض أتباع المنهج الحسي هنا لا يمكن أن يصح إلا إذا كان هذا العالم واجب الوجود، فهو بذلك قادر على تفسير نفسه، لكن لا يوجد أحد منهم يقول بذلك، ولا برتراند راسل الذي قال في مناظرته الشهيرة مع الفيلسوف كوبلستون لمّا سُئل عن تفسير وجود العالم: “إن العالم حقيقة لا تفسير لها (brute fact)”. والحق أن كل الملاحدة كما تفضّلتم يطلبون تفسيرا لهذا العالم ببحثهم عن أكوان أزلية لتفسير وجوده، وأكوان متعددة لتفسير الضبط الدقيق، وتطور عشوائي لتفسير النظم في عالم الأحياء، ولعل في الرجوع إلى كتاب “براهين وجود الله” للدكتور سامي عامري بسطا كافيا لهذا الإشكال.

كتاب “براهين وجود الله” للدكتور سامي عامري (مواقع التواصل)

ميدان: قوانين الطبيعة تفسر الكون، وبالتالي لسنا بحاجة إلى “الإله”. كلمة يقولها الملحدون مستندين فيها إلى قوة العلم، فهل ترى أن العلم يتجه ليصبح مُبررا للإلحاد؟

ممكن أن نُسمي هذا التصور بـ “وهم العلماء الأعظم” مقابل “وهم الفلاسفة الأكبر” في تصوّرهم وجود زمان قبل خلق العالم. لقد أبطل أبو حامد الغزالي في “تهافت الفلاسفة” وهمهم بوجود زمن قبل العالم ببيانه أن الزمان لم يكن له وجود ولا يمكن تصوّر وجوده قبل خلق العالم، لأن الزمان ببساطة ما هو سوى الفكرة التي نتصورها من تتابع الأحداث في العالم. وإذا لم يكن عالم ولا أحداث تتعاقب فكيف نتصور الزمان؟! ألست معي في أن إشكالية قدماء الفلاسفة مع الزمان السابق على الكون والمستقل عن المادة المتحركة كإشكالية العلماء اليوم مع القوانين الموجودة بمعزل عن الوجود المادي؟! يا سيدي، لا يمكن افتراض وجود “زمان” أو “قوانين” إلا ضمن ما يشغلهما وهو الوجود (الكون).

ولعل خير شاهد نقدمه على تهافت دليل الملاحدة هذا ما أورده د. سامي عامري في كتابه “براهين وجود الله” من كلام أحد متطرفي الإلحاد الجديد “بيتر أتكنز” حيث قال في كتابه “On being: استكشاف عالم لأسئلة الوجود العظيمة”: “لا توجد قوانين في كون لم يوجد بعد، لأن القوانين تظهر للوجود على أنها السلوك الذي يظهر مع نشوء الوجود”، ومصدر مغالطتهم التي جعلتهم يبتكرون مصطلحا مثل “إله سد الثغرات” الذي افترضه العقل البدائي لجهله بالقوانين الكونية وافتراضهم التعارض بين التفسيرين “العلمي” و”الديني”، والواقع خلاف ذلك، لأن التفسير العلمي يقدم جوابا عن سؤال “كيف؟”، بينما الدين يقدم جوابا عن سؤال “من؟” و”لماذا؟”. والقوانين العلمية عبارة عن صياغة منطقية أو رياضية لبيان “العلاقة” بين متغيرات الظاهرة الطبيعة، وفي كتاب “أوهام الإلحاد العلمي” للدكتور محمد باسل الطائي تفصيل وافٍ لمعنى القانون الطبيعي وأقسامه وشروطه.

فقانون نيوتن للتجاذب العام بين الكتل مثلا، شرح لنا كيف تستقر هذه الكواكب والأجرام في الفضاء، إلى غير ذلك من القوانين التي درسناها أو عرفناها، كقانون “هابل” لتباعد وتوسع المجرات حسب المسافة والسرعة، وقانون “أوم”، وقانون “كبلر”. أما سؤال الدين فإنه يقول: “من” الذي وضع قانون الجاذبية الذي به تستقر الأجرام في الفضاء وكذا بقية القوانين؟ لهذا فإن العلم لا يغنينا عن التفسير الديني للظواهر الطبيعية، لأن مجاله يختلف عن مجال التفسير العلمي، فلا تناقض بين الحقلين العلمي والديني لأن “الجهة منفكة” كما يعبر المناطقة.

ولقد أجاد د. هاني رزق في كتابه “الجينوم البشري وأخلاقياته” في المثال التوضيحي الذي اختاره ليدفع عن ما يوحي بتناقض الإجابة الدينية مع الإجابة العلمية أو ما يقتضي بإزاحة إحدى الإجابتين والإبقاء على الأخرى، يقول: “إذا سأل أحدنا: لماذا لون السماء أزرق؟ فهناك إجابتان متوقعتان:

  1. لون السماء أزرق بسبب اعتماد تبعثر “ريلايت” على طول الموجة.
  2. السماء زرقاء لأن الله أرادها أن تكون ذات لون أزرق…

إن الإجابة الثانية قبل أن يكتشف العلماء تبعثر “ريلايت”، وستبقى فكرتها موجودة الآن ودائما، ولن يقوض تقدمنا العلمي صحتها، ويمكننا بناء على ذلك أن نفكر بأن تبعثر “ريلايت” هو الطريقة التي اختارها الله لتنفيذ رغبته في جعل لون السماء أزرق: إنه التصميم الذكي”.

ثمة خلل فكري آخر في هذه الحجة ألا وهو أن اكتشاف القوانين الطبيعية لا يُغني عن وجود الإله لتظافر الأدلة القوية المتعددة المعروفة التي يستدل بها فريق المؤمنين من لاهوتيين وفلاسفة وعلماء طبيعيات. حتى ستيفن هوكينج عندما حاصره مقدم “CNN” لاري كينج في حواره المباشر قائلا: “سأصوغ السؤال ببساطة على ما أعتقد: هل تؤمن بالإله؟”، أجاب هوكينج: “قد يكون الإله موجودا ولكن بإمكان العلم تفسير الكون”. لعلك تلاحظ الارتباك في إجابته من تجويزه بوجود الإله، لأنه حتى لو افترضنا أن العلم استغنى عن تفسير الظواهر بالمنطق الديني، لوجود بعض التفسيرات الخرافية في الأديان المحرفة أو في اجتهادات خاطئة لرجال الدين، فلا يلزم من ذلك نفي وجود الله.

ويضاف إلى ما سبق في هذا الباب مغالطة في السياق ذاته وهي اعتقاد العلمويين أن إيماننا بوجود الإله هو اعتقادنا أن الكون يعمل بالطابع “المزاجي” لله حسب تعبيرهم، فالمطر مقرون برضى الإله والأعاصير بغضبه، ظنا منهم أننا ننكر الجانب السُّنني في الكون، وهذا خلاف الواقع التاريخي الإسلامي، فالمؤمنون رغم علمهم بأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى وأنه لا يقع أمر إلا بحكمة، مع ذلك نؤمن بالسنن الكونية، فأصل هذه الشبهة تنطلق من تصور اللاهوتيين القدماء أن الكون غير سنني، فلما اكتشفوا سننيته انتقضت الحاجة إلى إله، والحق أن هذا التصور ليس موجودا عند المسلمين ولا عند جماهير النصارى.

ميدان: دعنا نتساءل إذن؛ هل وجود الله من عدمه من موضوعات الفلسفة أم مسائل العلم الطبيعي؟

التحقيق أنه من قضايا الفلسفة، فالإله والغيبيات لا تخضع للتجريب والمختبرات والمجاهر والتلسكوبات، لكن القضايا العلمية تؤخذ كمقدمة أولية لجدل فلسفي، مثلا إذا قرر العلم أن الكون له بداية إذن هناك سبب ومرجح لهذه البداية، وإذا كان الكون في غاية النظام والمعيارية الدقيقة إذن نستنتج فلسفيا أن لهذا النظام مُنظِّمًا…، وهكذا. ومن هنا ندرك المأزق المنهجي الذي وقع فيه ستيفن هوكينج عندما قال في مقدمة كتابه “التصميم العظيم” إن الفلسفة ماتت.

ولهذا ينطبق عليه وعلى كثير من زملائه مقولة إينشتاين: “عالِم الطبيعية فيلسوف بائس”، ولا بد أن يعلم المثقف أن ثمة إشكالية لدى علماء الغرب الذين نعجب من اكتشافاتهم العلمية التي تفرض عليهم مراجعة قناعاتهم السلبية النافية للإله، لماذا يصرون على مواقفهم في جحود الرب؟! الجواب أنهم بين خيارين؛ إما البقاء على ما هم عليه من إلحاد، وإما البديل الوحيد الشاخص أمامهم ألا وهو النصرانية المحرفة المناقضة للعلم والمنطق والعقلانية، ما يدفعهم لاحترام مكانتهم العلمية فيضحّون لأجلها بالإيمان، وربما خفّفوا إلحادهم إلى تبني المذهب اللا أدري.

ميدان: هذا يقودنا إلى الحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن كأساس لصحة الدِّين، ألا ترى أن الكثيرين من دعاة الإسلام يخلط العلم ويُحمله دلالات فلسفية فوق ما يحتمل ليوافق القرآن، رغم أنه من الأحرى ترك مساحة العلم للعلم؟ حتى لا يقع القرآن “المُطْلَق” في دوامة تغيرات العلم النسبية؟

سؤال في الصميم، وربما تكون إجابتي عن السؤال غريبة إن قلت لكم إنني قبل ذكر ما عمّ وطمّ من الأضرار التي لحقت بالدين من خلال اللا منهجية مرة، والتكسب مرة، والعواطف الجياشة مرات أخرى، في الانتصار للقرآن الكريم باعتماد حجة الإعجاز العلمي، فإنني سأبدأ إجابتي بتنشيط العقول تجاه مراجعة ما تعثّر به الفريق المعترض والناقد أيضا بما يمكن تسميته بـ “الإطلاقات العلمية الشعبية” مثل التعميم المتداول لمقولة “نسبية العلم” ومقولة “القرآن المطلق” عند جدل الدين والعلم، فبنقد الاتجاهين يتم استيعاب الإشكالية بتصور أكمل.

أما بالنسبة لمفهوم العلم، فالسؤال: عن أيّ دلالة اصطلاحية للعلم نتحدّث؟ العلم كمقابل للجهل، أم العلم كمقابل للظن والشك والوهم، أم العلم بمعنى النسق المعرفي كعلم التاريخ، أم العلم بمعنى البحث في قوانين الطبيعة؟! وفي أيّ علم من علوم الطبيعة نخوض؟ وفي أي سياق تاريخي نتحدث؟ إنّ علينا أن نستهلّ حديثنا ببيان أنّ مفردة العلم واسعة المجال الدلالي؛ بما يُلزمنا أن نحدّد بدقة “العلم” الذي نقصده بكلامنا، بدلا من الاستسهال والاختزال والتداول الشِّعاراتي لهذا المصطلح البراق، فما المقصود بالعلم؟

العلم باعتباره محاولة لفهم عمل أشياء الطبيعة تحت سلطان القوانين يضم الحقيقة العلمية والنظرية العلمية والفرضية والقانون والأنموذج، فليست كلّ دعوى يدّعيها عالم في شأن سير المنظومة الكونية هي حقيقة نهائية أو قول جازم، ولذلك يجب علينا أن ندرك مقام هذه الدعوى العلمية في تقسيمات العلماء السابقة للتفسير الطبيعي للكون، وتمييز قطعيات العلوم من ظنيتها، بل قد يقتضي البحث العودة إلى السؤال الأول في الإبستيمولوجيا، وهو إمكان المعرفة ذاتها؛ فهل نحن نملك أن ندرك حقيقة العالم، أم أنّ آخر أمرنا أن ندرك ظواهر الوجود كما تنطبع في أذهاننا، أي “الفينومين” بعبارة إمانويل كانط، ليكون العلم مجرّد ممارسة براغماتية بحتة لا تريد التوصّل إلى حقيقة الوجود، وإنّما تكتفي بتوظيف الطبيعة لخدمة الإنسان.

الأمر إذن جد وليس بهزل في جميع أبواب الحديث عن العلم، خاصة مسائل اليقين العلمي، ولعل في نقض العلماء لإجماعات علمية مستقرة وسحب الاعتراف بأخطاء بحوث علمية نالت جائزة نوبل برهانا على أنّ الحديث في العلم ومقولاته ليس من مباحث الهذر، وإنّما يستدعي أناة طويلة قبل إطلاق الدعوى وحصد لوازمها. لهذا فإن إطلاق العلماء عبارة “ثبت علميا” تُحمل على ثلاث مراتب:

1- ما ثبت علميا بتكرار مشاهدة نتائج مطَّرِدة لحادثة معينة تجعلنا نحكم بوجود علاقة عليّة “يقينيّة” بين الظاهرة الطبيعية وما احتفّ بها من أحوال مثل تمدد الحديد بالحرارة.

2- ما اضطربت فيه التجارب، بين تأييد ونقض، وذاك يستدعي التوقّف عن الجزم أو الترجيح، والبحث عن تفسير مطّرد لا يُنتقض.

3- ما ثبت علميا أن نظرية ما تستطيع تفسير أكبر قدر ممكن من الظاهرة الطبيعية المدروسة، وهذا باب للترجيح لا القطع.

ينبغي أن يكون شعارنا في الإعجاز العلمي عدم إخضاع القرآن لرغباتنا وأمنياتنا لإقناع الناس بمصداقيته دون التزام المنهج الصحيح

فالقول العلمي إذن لا يستحق أن يوصف أنّه “حقيقة علميّة” لمجرّد تداوله على الساحة العلمية، أو شهرته على ألسنة رموز ما يُعرف بالعلوم المبسطة (Popular science) التي خرجت عن جادة تقريب العلوم لغير المتخصصين إلى اختطافها من غير المتخصصين لإفساد الثقافة الشعبية، كما هو حال بيل ناي (Bill Nye) في أميركا والمهندس علي الكيالي في العالم العربي. كما لا يصح تعميم “نسبية العلم”، يمكن اعتبار إدراكنا لحقيقة علمية ما إدراكا عاما يتطور العلم في كشف تفاصيلها مع الزمن بما لا ينقض كونها حقيقة في ذاتها. ذاك ما تعلّق بأمر العلم، وحقيقة مفهومه.

وبناء عليه، فإن القول “العلم كله نسبي” دعوى لا يقولها أحد عند التطبيق، فإن كثيرا من معارفنا في علم الأجنة والبيولوجيا والفلك مثل كروية الأرض ودورانها حول نفسها ودورانها حول الشمس وأن النجوم هي شموس مستعرة وغير ذلك قد أصابت مسائل “يقينية” كثيرة مدركة بالتشريح أو النظر المجهري أو التجربة المتكررة.

وأما بالنسبة لوصف القرآن بـ “المطلق”، فلا بد أن يعرف المثقف أن مفهوم “الدين”، بعد تعيين الدين الحق -وهو في اعتقادنا هنا الإسلام-، والكتاب المعصوم -وهو في مذهبنا القرآن الكريم-، فلابد أن نبحث في دلالات الآيات لغة، أهي “قطعية” أم “ظنيّة”؟ وكذلك الأمر في الحديث النبوي الذي علينا أن نبحث في صحّته أولا، ثم في مبلغ الجزم به، أي هل هو يفيد غلبة الظن أم يفيد العلم (أي اليقين الجازم)؟ وذاك باب من العلم واسع، كُتبت فيه المطوّلات، وبفهم دلالات العلم ومستوياته من جهة، وفهم دلالات الآيات وأقسامها تزول التباسات كثيرة في استيعاب علاقة العلم بالدين.

من هذا التأصيل ندلف للحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن، وسنتناول الجدل القائم حوله في واقع اليوم من خلال هذه التساؤلات:

1- هل في القرآن حديث عن ظواهر الطبيعة؟

2- هل في القرآن إعجاز علمي أم لا؟

وانتبه أن السؤالين لا ينفكان عن السؤال الجوهري حول تعريف الإعجاز العلمي في القرآن، فالخلط بين هذه المحاور يربك تصوّرنا للموضوع.

   

أما بالنسبة للسؤال الأول، نعم، في القرآن حديث عن الظواهر الكونية، وهذه حقيقة يقينية قطعية يشترك في إدراكها العامي والمثقف والمختص، وإن كانت موظفة توظيفا عقديا في بيان عظمة الخالق وفضله على البشر (مبدأ التسخير) والدعوة للتفكر والبحث. وأما بالنسبة لسؤال الإعجاز في القرآن فنقول: هل القرآن في كل حديثه عن الظواهر الطبيعية كان ملتزما بالمشهور من الثقافة العلمية في مكة ومحيطها؟

جوابنا عن السؤال هو في القول إن القراءة التراثية المدعومة بالشواهد القاطعة تُخبر أن القرآن قد ظهر في بيئة الوثنيين البدائية التي تفسر عالم الطبيعة في عامة أمرها بغير السنن الكونية المادية، وحيث لا يُعرف البتة للبحث العلمي تاريخ، وإنما هي خرافات الأجداد تُتناقل كل جيل. ولذلك فالقرآن قد حقق طفرة عظمى في مكة بالانتقال بالعقل الخرافي إلى طور النظر العلمي العاقل للكون، دون متابعة عُبّاد الأصنام أوهامهم العلمية.

فإذا أصغينا إلى زعم جمهور المستشرقين، والذي أسّسه الحبر أبراهام جايجر وثبّته نولدكه، والمتعلق بالأثر العظيم والواسع لتراث اليهود المكتوب والشفهي على القرآن؛ فعلينا عندها أن نتساءل: هل ما قاله القرآن في شأن الظواهر الطبيعية يوافق ما عند اليهود في العهد القديم الذي يُسمى مجازا بالتوراة وفي التلمودين البابلي والأورشليمي وغيرها من الكتب الدينية، أم أن القرآن خالف ذلك؟

من هنا يبدأ النقاش، ولهذا ينبغي أن يكون شعارنا في الإعجاز العلمي عدم إخضاع القرآن لرغباتنا وأمنياتنا لإقناع الناس بمصداقيته دون التزام المنهج الصحيح، فإذا وجدنا القرآن ذكر بعضا من الحقائق الطبيعية فلا ينبغي لنا الجزم بأن القرآن كتاب هداية وعقيدة ليس فيه إطلاقا حقائق كونية، وبعد إثبات إشارات القرآن لهذا النوع من الحقائق ننتقل للمرحلة الثانية وهي البحث في الثقافة العلمية في ذاك العصر وفي دلالات النص في ضوء اللغة التي كُتب بها النص، فإذا وجدنا أن النص الذي يتحدث عن الظواهر الطبيعية يتلبس بأخطاء عصره وبيئته حكمنا بأنه كتاب بشري محرف، من جهة أخرى إذا كان القرآن يتحدث عن قضايا علمية مجهولة في الثقافات المتعددة للبيئة التي نزل بها (أي في ظروفه الزمانية والمكانية) وفيها سبق علمي قلنا بالإعجاز، وأيضا إذا لم يكن هناك سبق علمي ولكن النص بريء من كل الأخطاء العلمية السائدة في تلك البيئة حكمنا كذلك على هذا النقاء المتميز بالإعجاز.

تعارف جمهور الباحثين في الإعجاز العلمي على أنه “سبق القرآن الكريم بذكر حقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيرا وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو باب من أبواب الإعجاز الغيبي”. ويذهب الدكتور سامي عامري في كتابه الذي ستُصدره رواسخ “العلم والوحي بين عصمة القرآن وأخطاء الإنجيل والتوراة” إلى أن الإعجاز العلمي هو مخالفة القرآن للثقافة العلمية السائدة بجزيرة العرب بموافقة الحق في كل مسألة حتى لو كان الصواب معروفا في ذلك الزمان خارج الجزيرة العربية.

والدكتور سامي بصكّه لهذا التعريف يدفع شبهة مركزية عند عامة المستشرقين من أن القرآن ما هو إلا كتاب يهودي المصدر مُعدّل بصورة بسيطة ليوافق حاجات أهل مكة، والإعجاز في هذا الباب هو بيان أن القرآن مخالف للثقافة الجاهلية في مكة ومخالف للثقافة اليهودية، فهو في كل مسألة علمية يوافق الحق على عكس الانحرافات العلمية الموجودة عند اليهود والنصارى في ذاك الزمان، فالتزام القرآن بالصدق -حتى لو لم يأتِ القرآن بالسبق- هو وجه إعجازه في بيئة كانت تعج بالأخطاء العلمية، وحتى المسائل التي فيها صواب علمي كان يكثر فيها الخلاف بين الفِرَق والأديان والعلماء.

واليوم يشهد الفضاء الثقافي العام فوضى لا مثيل لها في التعاطي مع موضوع الإعجاز العلمي لأسباب ودوافع عديدة، فمن غياب منهج علمي واضح إلى عواطف صادقة تزعم الموضوعية، إلى تكسب، إلى استسلام لسطوة المنهج التجريبي. وفي مقالة أ. محمد فتوح المنشور على موقع “ميدان” بعنوان “الإعجاز العلمي في القرآن.. حقيقة أم ترويج خاطئ للإسلام” بحث مُركَّز عن بدايات الاهتمام بالموضوع وتطوره ورموزه ودوافعه وآثاره.

     

وإذا قسّمنا المشتغلين في هذا الملف فسيمكن حصرهم في ثلاثة أقسام:

1- المتوسعون بشكل مفرط بلا تدقيق علمي ولا انضباط بمنهج تفسير النصوص، ويقف على رأس هذا الصنف الجيولوجي الدكتور زغلول النجار.

2- النافون مطلقا لفكرة الإعجاز العلمي في القرآن وأن ما ورد فيه قد وجد أيام التنزيل، ويُمثِّل هؤلاء الدكتور الفلكي نضال قسوم.

3- المتوسطون في الموضوع وهم المجيزون لهذا النوع من الإعجاز مع الحذر الشديد والأخذ بالضوابط العديدة في الحقلين العلمي واللغوي، ومن هؤلاء الفيزيائي محمد باسل الطائي.

وأنا أميل مع المتوسطين بحذر شديد مع بيان وافٍ للفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي، والدعوة لتجاوز رأي الأفراد وإن كانوا مختصين إلى الاجتهاد الجماعي في كل فرع علمي على حدة.

ميدان: لكن ألا ترى دكتور أنك تستدل لنصرة الدين والإيمان بالشيء ونقيضه؟ ومثال ذلك استضافتك للدكتور صبري الدمرداش في 10 حلقات لنقض نظرية التطور، وبعدها استضفت الدكتور عمرو شريف للحديث في 6 حلقات في مناصرة التطور الموجه في البرنامج ذاته “بيني وبينكم”؟!

أنا على بصيرة كاملة في اللقاءين الحواريين مع الأستاذين الفاضلين، لكنني انطلقت من جامع مشترك بينهما وبيني ألا وهو الإيمان بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، لكنهما اختلفا في الموقف من التطور، فالأول (الدمرداش) يؤمن بالخلق المباشر، والثاني (شريف) يقول بالتطور الموجه، وكلاهما يرى أن الله هو الخالق سواء كان ذلك عن طريق الخلق المباشر أو الخلق عبر آليات التطور الموجه. وأنا أحاول من خلال عرض هذا التنوع خلق جوٍّ من المدارسة والتواصل بين هذه الأطراف لإيضاح الأفكار، وقد حصل.

أما الجواب عن موقفي الشخصي من المذهبين فهو باختصار؛ هناك شق أول علمي يتقاطع مع نصوص الوحي، وشق آخر علمي صِرف. أما الشق الأول فهو في خلق آدم عليه السلام لا عن سلف، وهذا هو ظاهر نصوص القرآن، وأنّ المخلوقات قد خلقها الله عن حكمة وليست هي من نتاج المصادفة، وتلك حقيقة قرآنية تكررت في الآيات بأجلى عبارة، ولذلك أرفض الداروينية العشوائية لقيامها على نفي الحكمة في التصميم، كما أرفض قول أنصار التطور الموجه إن آدم عليه السلام له سلف أدنى.

وأما الشق العلمي الصِّرف فهو دعوى تطور الكائنات الحية -باستثناء آدم عليه السلام- عن سلف يمتد إلى الخلية الأولى منذ قرابة ٤ مليارات سنة، وهي دعوى ليس في آيات القرآن ما يدعمها أو ينفيها على خلاف سفر التكوين عند اليهود والنصارى، والذي يقرر الخلق الخاص لكل الأحياء لا عن سلف. والذي أميل إليه أن الدليل الأحفوري والأبحاث الجينية الحديثة قد جعلت فكرة شجرة الحياة خرافة لامتناع إقامة ترتيب شجري للكائنات الحية، وهي ورطة لم يجد لها التطوريون حلا، ولا أظن أن لهم منها مخرجا، ولا قيام للتطور بجميع صوره دون شجرة للحياة.

الدكتور صبري الدمرداش “يسار” والدكتور عمرو شريف “يمين” (مواقع التواصل)

   

ميدان: يرى دكتور الفلسفة المغربي فتحي المسكيني أن ظاهرة الإلحاد التي انتشرت عقب ثورات الربيع العربي تختلف عن ظاهرة الإلحاد قديما، والتي كانت تستند -سابقا- إلى مقولات فلسفية وفكرية، بينما يتجه الإلحاد اليوم ليصبح “مراهقة ملحدة” بحسب وصف المسكيني، أي إنها أشبه بردة فعل تمردية على الواقع السلطوي، فكيف ترى توصيف المسكيني؟

ليس بمستغرب على الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني أن يُدلي بهذا التوصيف للإلحاد العربي الحديث، فإنه كما توقف مع سؤال مَن هو الفيلسوف؟ وما الفلسفة؟ في كتابه “فلسفة النوابت” من حيث إن صعوبة الإجابة لا تكمن في “ماهية” أو “حد” الفلسفة بقدر ما تشير إلى صعوبة تكتنف كل تفكير في صيغة هذه الـ “أنا” أو “النحن” التي تجثم على عقولنا كأفق اضطراري، فإنه كما توقف مع هذين السؤالين الجوهريين من خلال هويتنا وموقعنا الثقافي فإنه من البديهي أن تكون له رؤيته الخاصة في إلحادنا العربي الجديد جدا. لكن علينا أن ننظر إلى ما المقصود تحديدا بما ورد في السؤال وعُبِّر عنه بلفظة “الإلحاد القديم”، فكلمة القديم نسبية، هل الإلحاد القديم القريب؟ أي قديم ما قبل الثورات العربية كما يُوحي السؤال؟ أم قديم في عصور النهضة والتنوير ثم الحداثة وما بعدها؟ أم القديم اليوناني؟ فالمجال هنا ليس للسرد التاريخي.

ولعل الأستاذ المسكيني أراد بالمراهقة أنه لم تتمهّد لهذه الظاهرة مقدماتها المعرفية التي كانت مثلا عند ظهور المذهب الربوبي في عصر الأنوار ثم المدرسة الوضعية في فرنسا ثم الوضعية المنطقية…، هذه المدارس المادية تمهدت لها أسباب وظروف فلسفية واقتصادية وتحولات اجتماعية أدّت إلى نشوء هذه الأنماط الفكرية ثم توظيف نظريات علمية كالداروينية والتفسير الميكانيكي للكون وغير ذلك، فجانب المراهقة الإلحادية في عالمنا العربي فإن المنطقة لم تتمهّد لها الفلسفية الإلحادية، وإنما هي صناعة أكثر منها ظاهرة عفوية داخل منظومة السنن الفكرية في حركة تاريخ المجتمعات، ما يؤكد أنها فانتازيا وانحياز فكري انتهت إلى هذه النتائج التي تبدو كظاهرة إلحادية، ولعل جيلنا يدرك الفرق الكبير بين الإلحاد الأيديولوجي المتسق مع ذاته فلسفيا وواقعا إبان بروز وحضور التيارات الماركسية والفكر الشيوعي في خمسينيات القرن الماضي وبين إلحاد اليوم المراهق.

لهذا فأنا مع الأستاذ المسكيني في دمغه للإلحاد المعاصر بأنه “مراهقة فكرية”، وأوافقه من حيث عموم الفكرة، وإن كنت أعتقد، وأحسبه يوافقني، أننا لا ننفي وجود تنوع في إلحاد ما بعد الثورات العربية، سواء كان إلحادا أيديولوجيا أو فلسفيا أو علمويا أو سيكولوجيا، ولكل حقبة سمة عامة لأي ظاهرة فكرية تتصدر الواقع. فنعم، أوافق المسكيني فيما ذهب إليه، ولعل السؤال ذاته أتى على أهم سمات المراهقة الفكرية وهي انطلاقها من “ردة فعل” على واقع سلطوي، وهذا أحد وجوه الإشكالية؛ “التسلط”. وقد لمست الفكر الذي ينشأ عن “ردة الفعل” من خلال جدلياتي المباشرة ولقاءاتي العديدة مع الذين أشاحوا بوجوههم عن الدين وتبنّوا نقيضه أو تسربلوا بالعدمية، وكان من النتائج التي خلصت إليها:

دكتور الفلسفة المغربي فتحي المسكيني (مواقع التواصل)

الانطلاق في تبني الفكر بالتجريب أكثر من التأمل والمساءلة، وتبعثر الأفكار، ونسبية حائرة في المفاهيم، والتردد والعجز عن إصدار الأحكام على الأفكار، وسرعة الانتقال من تبني فكرة إلى أخرى قبل أن يتشبع بها فهما، والفوضى الفكرية وعدم وجود تناسق بين المفاهيم، وربما الاجتهاد في القراءة واقتناء الكتب ولكن على حساب المنهج العقلي والقواعد المنطقية ما يبعثر جهده المعرفي، والقفز من موضوع إلى آخر دون وجود رابط سوى التمرد وهو ما أسميته بالشخصية “الزنبركية”، والاستسهال والسرعة في إصدار الأحكام على قضايا تحتاج إلى استيعاب وبحث جاد. ومن سمات مراهقة هذا الإلحاد أيضا تلك الحدة والتحدي التي يبديها بعضهم وكأنه ليس في مدارسة معرفية تحتاج إلى تروٍّ وتركيز، وإنما يدخل في الحوارات بأجواء منافسات نهائي مباريات كرة القدم وبروح التوق لتسجيل الأهداف وسط صياح الجماهير وتصفيقهم للفوز الساحق.

ولعلّي أختم بأبرز ملمح لظاهرة المراهقة الإلحادية الجديدة أنه صعد بصورة مفاجئة جدا بعد انتعاشة دينية كبيرة جدا بين المسلمين وحتى بين النصارى بعد الثورات العربية من دون أن تتمهّد لها أسباب فكرية حقيقية (ردود أفعال)، ولكن هل الأمر يقتصر على التفسير بردة الفعل والتسلط أم أن هناك عوامل أخرى وأسبابا عديدة لنشوء مثل هذه الظاهرة، التي أُنشئت مؤسسات ومراكز بحثية ومنظمات ممولة داخليا وخارجيا لصناعتها والسعي بقوة لإثبات وجودها وكذلك الفضاء السيبراني الكبير والشبهات المنتشرة في كل مكان مع انحسار موجة التدين؟! هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح وإن وصفنا حالة الإلحاد الجديدة بأنها “حالة مراهقة”.

ميدان: هناك من ينظر للدين باعتباره سُلطة، وبما تحمله هذه الكلمة من دلالات إجبار وإخضاع وتحكّم في الحُريات الشخصية، وبالتالي فإن التحرر من الدين هو جوهر الحرية، فما رأيك؟

الحرية، وما أدراك ما الحرية! في كتابه “سنة أولى سجن”، روى لنا مصطفى أمين أن إدارة السجن الذي حُبس فيه منعت الحبر عن السجناء، ليس بغرض منعهم من الكتابة وإنما بعد علم الإدارة بأن من السجناء من يتعمدون سكب الحبر في عيونهم فتلتهب كي يذهبوا بهم إلى مشفى السجن عل وعسى أن يتنفسوا فيه شيئا من الحرية المفقودة ولو لساعات! ويتساءل مصطفى أمين؛ أرأيتم كيف يضحي الإنسان بعينيه الغاليتين لأجل قليل من حريته!

أقول: إن جمال مفردة الحرية وسحرها وإحساس جمهور الناس بأهميتها في حياتهم الخاصة وعلاقاتهم العامة ومصالحهم المشتركة ومصيرهم الجمعي وسريانها في تفاصيل مناشطهم اليومية جعل منها شعارا شعبيا أكثر تداولا من أي مصطلح آخر كالليبرالية والعلمانية والعقلانية والمساواة وحقوق الإنسان والعدالة والتسامح، لكنها في الوقت ذاته هي من أشد المصطلحات غموضا والتباسا.

وبالتالي فليس من السهولة اختصار الإجابة عن هذا السؤال الخالد في ظل الموروث القديم والوافد الجديد والواقع المعقد، لذا سأبلور ردي بعرض محاور الموضوع متسلسلة مرتبة لتكون بمنزلة معالم ضرورية في استيعاب مفهوم الحرية وليتبيّن الشباب بالذات -بصرف النظر عن الموافقة أو المخالفة- أهمية التريّث في إطلاق أحكام عامة أو اتخاذ مواقف نهائية قبل الإحاطة بالآفاق الواسعة لهذا المفهوم ذي الدلالات المتشعبة.

فبداية أحب أن ألفت الانتباه إلى مفارقة معرفية غريبة تستحق التأمل، وهي أنه في الوقت الذي تزداد فيه حُمى المطالبة بتوسيع مجالات الحرية في المجتمعات، نلحظ في المقابل ازدهار نزعات “الحتمية” أو “الضرورة” أو “الجبرية” في القرن الأخير وهيمنتها على أمهات النظريات النفسية والفلسفية وغيرها وتسيّدها في أطروحات فكر عصر الحداثة وفي موضوعات العلوم الإنسانية بمفهومها الواسع.

فهناك “الحتمية التاريخية” عند “كارل ماركس”، و”حتمية التعليل السيكولوجي” في مدرسة علم النفس التحليلي عند “سيجموند فرويد”، وحتمية “الارتباط الشرطي” في علم النفس السلوكي كما في تجربة “بافلوف”، وحتمية “العقل الجمعي” عند “دوركهايم”. ولما صرخت وجودية جان بول سارتر بإعلاء حرية الفرد ضد كل أنماط الاستلاب، جاءت الحتمية البنيوية -أي البنى اللا واعية التي تتحكم في الفكر- لينقض بها “ليفي ستراوس” فلسفة الحرية الفردية لمعاصره سارتر، ثم هناك الحتمية البيولوجية أو الجينية في دراسات الدارويني “ريتشارد دوكينز”.

وللمفكر الكبير المأسوف على رحيله مبكرا من الدنيا محمد عبد الله دراز في كتابه الفذ “دستور الأخلاق في الإسلام”، وهي أطروحة دكتوراه له في جامعة السوربون في باريس، بحث معمق في موضوع الحرية ناقش فيه النظريات الحتمية الغربية عند الفلاسفة كانط وسبينوزا وهيوم ضمن مبادئ الفطرة والمسؤولية الأخلاقية والإرادة الإنسانية والدوافع النفسية ومبدأ الواجب، ما دفعه بلا تردد أن ينعتها بـ “ضلال الحتمية” بما في ذلك الميكانيكية والديناميكية وأنها تفقد التوازن في النفس الإنسانية. فلا ندري أين موقع الحرية الغربية في كل هذه الفلسفات الحتمية التي أنتجها الفكر الغربي!

كتاب “دستور الأخلاق في الإسلام” لـ “محمد عبد الله دراز” (مواقع التواصل)

   

ميدان: هذا يعني أن هناك التباسا في تعريف الحرية والنظرة إليها؟!

يكاد يجمع الباحثون من كل الاتجاهات الفكرية أن مصطلح الحرية من أكثر مفردات الفكر المعاصر ضبابية وهلامية، فعلى سبيل المثال، من دارسي الفلسفة ومؤرخيها عبد الرحمن بدوي في موسوعته الفلسفية وزكريا إبراهيم في كتابه “مشكلة الحرية”، ومن الشرعيين محمد البوطي في “مشكلات حضارية” وسلطان العميري في “فضاءات الحرية”…، إلى سائر الاتجاهات كلٌّ منهم له تعريفه الخاص بالحرية.

وحسب اطلاعي فإن أكثر مَن طرح تساؤلات تخص إشكالية هذا المصطلح هي الأستاذة البارزة في فلسفة العلوم د. يمنى الخولي في مقالتها “الحرية في الطبيعة.. ماذا تعني” انتهت إلى نتيجة حاصلها أننا يمكن جعل مقولة الحرية “مضافا لأي مضاف إليه نشاؤه”. ويكفي للتعرف على مدى التباس هذا المصطلح أن “أشعيا برلين”، أحد المُبَرَّزين في الاهتمام بمشكلة الحرية وبشكل مستفيض كما في كتابيه “أربع مقالات في الحرية” و”فكرة الحرية”، أعلن -وهو في حيرة من أمره- أنه لن يناقش أكثر من مئتي تعريف للحرية!

ميدان: السؤال الملح هنا؛ ما مصدر غموض هذه المفردة في عقول النخبة وعامة المثقفين؟

أعتقد أن تعدد حقول المعرفة الإنسانية التي تناولت “الحرية” بالدرس من أهم أسباب غموضه، فإننا نجد تجلياته في الفلسفة والأخلاق والدين والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وفي جميع هذه التخصصات مدارس واجتهادات، فكلٌّ منهم يطلق الحرية وفي رأسه مفهوم يخص زاوية التناول والتفاعل التي يعيشها فكرا ووجدانا، فتتشكّل عشرات المفاهيم المتفرعة ذات الصلة حول هذه المفردة ذاتها، ولهذا أوجز جمعٌ من المنظرين حديثهم عن جوهر الحرية أو تجاوزه، بينما أسهبوا الشرح في الكلام عن أنواع الحريات كما فعل الألماني لالاند في موسوعته الفلسفية عندما فصّل معناها في ثلاثة اتجاهات تحوي داخلها تقسيمات أكثر تفصيلا.

ما يُصدَّر لنا ونستورده بشغف من مصطلحات الغرب المتسيّد ومفاهيمه غالبا ما تكون مُنتزعة من سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي والمعرفي

السبب الآخر في غموض المصطلح وتعدّد دلالاته يعود إلى أن الذي يضع التعريف لأي مصطلح إنما ينطلق من رؤية كلية للكون والإنسان والحياة، وهي ما نطلق عليه المرجعية المعرفية أو الخريطة الإدراكية التي تؤثر في تصوراتنا الجزئية والتفصيلية للمفاهيم ومن ثم في صياغاتنا لتعريفاتها. فهل سيكون معنى الحرية في ذهن مَن يتبنّى النسبية الأخلاقية ويغرق فيها كمن ينطلق من الإيمان بقيم ثابتة؟ هل يستويان في تشخيص معنى الحرية؟! وهل مَن يُعلي من قيمة حرية الفرد وحقوقه ويقول بأسبقيتها على حرية المجتمع وحقوقه كمَن يتبنى الرؤية المضادة لذلك؟

لا أستطيع مفارقة هذه الجزئية من غير التنبيه إلى أن ما يُصدَّر لنا ونستورده بشغف من مصطلحات الغرب المتسيّد ومفاهيمه غالبا ما تكون مُنتزعة من سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي والمعرفي، وتُقدّم إلينا وكأنها بدهيات ومُطلَقات أنضجتها عقول الغرب الحرة المستنيرة المتجردة! فنكرّر الاجتهاد المغلوط منهجيا ذاته والمرهون بالتبعية النفسية الذي وقع فيه مَن أُطلق عليهم جيل الرواد الذين واجهوا صدمة الحداثة الغربية كرفاعة الطهطاوي على سبيل المثال، فحاولوا التوفيق بين مفاهيم الحضارة الغربية وبين دينهم وموروثهم الثقافي العام، فكانت النتيجة أنهم تعسفوا في إسقاط المصطلحات الغربية قسرا على المفاهيم الإسلامية، والأخطر أنهم جعلوا الآخر (الغرب) هو الأساس والأصل، ثم نأتي بأحكام فقهية ومصطلحات شرعية تناسبها لنبيّن أن ديننا يستجيب لمتطلبات العصر ويصلح لهذا الزمان كما كان صالحا في قديم الزمان! وقد صرّح الطهطاوي بذلك في كتابه “مناهج الألباب” مستدلا بالآيات والأحاديث وغيرها.

لا يوجد شيء اسمه حرية مطلقة إلا في خيالات مَن لا يدري ما يقول، فهي ألفاظ بلا معانٍ، وتصورات بلا تصديقات

ومن العجب أنه لا يزال البعض إلى اليوم ونحن في الألفية الثالثة يغيّب ليس عن شبابنا فحسب بل عن كثير من مثقفينا أن مفردات حضارة ما ومصطلحاتها لا تصلح ترجمتها حرفيا ونقلها إلى حضارة أخرى وبينهما تفاوت كبير في المنطلقات والتجربة والأخلاق والنظم الاجتماعية، لأن المصطلحات ما هي إلا بناء لغة خاصة بين قوم مخصوصين، وعليه ينبغي أن نفرّق بين المصطلحات العلمية البحتة التي يسهل ترجمتها وتعميمها كالمصطلحات الطبية والهندسية وبين المصطلحات الثقافية والحضارية، فمن المصطلحات ما تختص به أمة معينة يعسر ترجمتها مثل الخلافة والإمامة والبيعة والشورى وغيرها.

فالصواب أن يتم محاولة تقريبها لفهم الآخر لا ترجمتها حرفيا، لذا فإنني أختلف تماما مع الدكتور محمد الأحمري في كتابه “الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق” الذي قارب فيه بين مصطلحَيْ “الشورى والديمقراطية” رغم ما بينهما من خلاف شاسع حيث ينتمي كلٌّ منهما إلى فضاء ثقافي وحضاري خاص به. ولذا نجد الطاهر بن عاشور من العلماء الذين توقفوا مع مصطلح الحرية مبينا أنه لفظ “مولد” رغم شيوعه بيننا، وأسهب في توضيح معناها باللغة العربية في كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” والفرق بين دلالته وإطلاقاته وبين ما استقر الناس عليه لمفردة الحرية المعاصرة.

وعليه أنادي بضرورة أن نتحرر من حرية الغرب بالانعتاق أولا من التسليم بمركزيته التي بها يعولم ويعمم دلالات المصطلحات والمفاهيم، بل أضم صوتي إلى مَن نختلف معهم في أمور ونتفق في أخرى إلى ضرورة تجاوز أمركة الحرية عند طرحنا لسؤال الحرية كما ينبّه نصيف نصار في كتابه “باب الحرية”. وأحب أن أُشير هنا إلى اختلافي مع أطروحة نصيف نصار في عولمته لمصطلح “حقوق الإنسان” التي دعا إليها ناقدا المعترضين من المتحفظين الخائفين على خصوصياتهم كما في كتابه “من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية”، ووجهة نظري المخالفة جدا له تجدونها في محاضرتي على يوتيوب بعنوان: “لا عالمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.

لهذا لا أستنكف كمسلم أن أقول بكل وضوح إن لفظ “الحرية” بمعناه المتداول اليوم في الأوساط الفكرية غير موجود في القرآن الكريم، وفي الوقت ذاته نرى القرآن أتى على ذكر لوازم الحرية وما يترتب عليها وهي المسؤولية، لأنها نتيجة للإحساس بالحرية، وأختم بأن من أكبر الأوهام الزعم بتحقيق جوهر الحرية من خلال التحرر من سلطة الدين. فالسلطة تحيط بالإنسان من كل مكان وإن لم ينتبه -كما أشرنا في بداية الإجابة عن السؤال-، فهناك سلطة الضرورة الكونية الخارجية والبيولوجية الداخلية، وسلطة أعراف وتقاليد وثقافة المجتمع، وسلطة القانون والنظم والدساتير.

بل لو أجَّل هؤلاء ثرثرتهم اللذيذة عن ضرورة التحرر من السلطة واستحضارهم للدين كأنموذج لها وتأمّلوا واقعهم لاكتشفوا كما اكتشف منظر جماعة فرانكفورت الفيلسوف هربرت ماركوز والذي اشتهر بكتابه “الإنسان ذو البُعد الواحد” بأننا نعيش في “مجتمعات ديمقراطية لا تتمتع بالحرية”، في معرض تحليله النقدي للمجتمعات الرأسمالية الصناعية التقنية الاستهلاكية.

إن الانسان المعاصر بمجرد أن يخرج من بيته يشعر بترسانة النظم المقننة التي تحاصر حريته في عموم حركته في الحياة، تقيّد وتتحدد الطريق الذي يسير فيه، السرعة المحددة له، مكان الوقوف، بوابة الدخول، وفي كم زاوية نقرأ تحذير وكلمة “ممنوع”، ابتداء بممنوع الدخول إلى آخر قيود الحرية، بل تجاوز الموضوع لإحياء الخوف الدائم في النفوس كعلامات الطريق والمراقبة، حتى المدن تم إحاطتها بالأسلاك والشباك، فلا يوجد شيء اسمه حرية مطلقة إلا في خيالات مَن لا يدري ما يقول، فهي ألفاظ بلا معانٍ، وتصورات بلا تصديقات، ولذا عقد ابن خلدون فصولا ينعت فيها بعض المنقطعين عن المدن والبعيدين عنها في الصحاري والجبال بالتوحش، ولا يعني عدم خضوعهم لنظام خاص بهم، فإن دعاة الحرية المطلقة يبحثون عن مجتمع ما بعد التوحش!

 ————————————————————-

الهوامش

[أ] هذا التعريف هو تعريف أكاديمية ديكم للتدريب القيادي (‏Dacum for Consultancy and Training).

[ب] يُمكن الرجوع للإحصائيات حول التدين التي أوردها كتاب “مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا“.
(المصدر: ميدان الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق