كتاباتكتابات مختارة

المساجد بين العلمانية الغربية والعلمانية العربية

المساجد بين العلمانية الغربية والعلمانية العربية

بقلم بشير بن حسن

في الوقت الذي لا يزال الكثير من المسلمين ينتظرون بشوق فتح المساجد التي علّقت فيها الجماعات والجمعات ، بسبب جائحة كورونا ، وحيث تتطلع قلوبهم و تهفوا أرواحهم إلى العودة إلى بيوت الله تعالى ، لممارسة تلك الشعائر العظيمة، وهذا من حيث هو شيء إيجابي ، يحمدون عليه ، فإن عُمّار بيوت الله تعالى مشهود لهم بالإيمان في محكم القرآن ،

قال سبحانه ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) .

كما أنهم موعودون بالأجر العظيم على عمارتها ، وذكر الله فيها ،

قال عز وجل ( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ) .

ولكن أردت أن أنبه ههنا على مسألة مهمة ، تتعلق بالمساجد ، فإنها وإن كانت دورا للعبادة من صلاة و ذكر و تعليم و دعوة لكنها مع الأسف قد تتحول إلى مؤسسات تعمل على تضليل الناس و تغيير الحقائق ، و تبييض الفساد والظلم ، أو ربما مؤسسات للدسّ والتجسس ومراقبة تحركات المصلين و سكناتهم ، وقد أستعمل المسجد لهذا الغرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن المنافقين ابتنوا مسجدا في أطراف المدينة النبوية ، و كانوا يجتمعون فيه لعقد اجتماعاتهم ومؤامراتهم ضد النبي عليه الصلاة والسلام ، وأصحابه ، و الكيد للإسلام ، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ( يا رسول الله ابتنينا مسجدا لضعاف الناس وللشيوخ فلو صلّيت لنا فيه ؟
فقال صلى الله عليه وسلم ( إنّا على سفر ، إذا رجعنا فعلنا إن شاء الله )
وكان يتهيأ للخروج إلى تبوك في العام التاسع من الهجرة ، ولما رجع همّ بالوفاء بما وعدهم ، فأنزل الله تعالى عليه قرآنا يمنعه من ذلك قال جل شأنه :

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) ) .
وهكذا نُهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه ، لأنه مسجد ضرار ، و مؤسسة فتنة و تآمر على دين الله عز وجل، بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرقه !!

فكم يوجد اليوم في عالمنا العربي من مسجد ضرار ؟؟

وتعالوا بنا لنقارن سريعا بين المساجد في أوروبا و العالم العربي ، وبين أوضاعها في ظل العلمانية الغربية والعلمانية العربية ،

1 – فأغلب المساجد في الدول العربية تتولى الدولة بناءها وإنشاءها ، من المال العام طبعا ، أي مال المجموعة الوطنية ، سواء كانت أموال مكوس أو ضرائب أو غيرها !! بينما في الغرب الذي يبنيها هم أبناء الجالية الإسلامية بمختلف جنسياتهم من كدّ يمينهم وعرق جبينهم ، تحت قانون الجمعيات الثقافية والدينية ، وبعد طول عناء وصراعات إدارية وسياسية ، قد تستغرق أكثر من عشر سنوات ، وهذا وقفت عليه بنفسي ، في أكثر المساجد في أوروبا ، وقلّ أن نجد مسجدا تلقى تمويلا من دولة عربية.

2 – المساجد في الدول العربية تدار شؤونها من قبل الدولة ، فالدولة هي التي تنصّب الأئمة والخطباء والمؤذنين والمنظفين و غيرهم من الطقوم ، وتتولى الدولة أيضا دفع رواتبهم ” الزهيدة ” ، و لا يخفى على عاقل أن اختيار الدولة للأئمة يقوم على اعتبارات سياسية لا على اعتبارات علمية في الغالب ، فالذي يُشمّ عليه رائحة المعارضة للسلطة لا يمكن أن يولّى الإمامة ، بل لو خرج عن الخطّ التحريري الرسمي في خطبه ومواعظه يتمّ عزله فورا ، بل ربما يلاحق عدليا ويرمى به في السجون بتهمة التحريض وبث خطاب الكراهية وإثارة الفتنة !!
أماّ المساجد في الغرب ، فإن المصلين هم الذين يختارون من يصلي بهم ، ويؤمهم في الصّلوات الخمس أو في الجمعات ، ولهم الحرية المطلقة في ذلك ، دون أن تفرض الدولة عليهم من يؤمهم لأن ذلك ليس من حقها باعتبار أنها دول علمانية تفصل الدين عن مؤسساتها ولا تتدخل في الشؤون الدينية ، اللهم إلا أن توجد بعض المساجد التي حوّلتها الجمعيات المديرة لها إلى مؤسسة موالية لبعض الدول العربية والمغاربية ، في خيانة تامة للمصلين و انتهاك لحرمة بيوت الله ، ولا يقع ذلك إلا من أشخاص موالين لعروش السلاطين، يتقاضون على ذلك المنح والرواتب ، وينعمون بعدة أنواع من الامتيازات في مقابل ما يقدمونه من ولاء وطاعة لحاكمهم.
كما أن رواتب الأئمة والدعاة تتولى الجمعيات دفعها وذلك عن طريق ما يجمع من التبرعات ، في أيام الجمعات وغيرها ، مع العلم أن اختيار المصلين للإمام يقوم في الغالب على اعتبار حفظ القرآن الكريم ، و المستوى العلمي له ، اللهم إلا أن يوجد في بعضها اعتبارات أخرى كالجنسية ، حيث لا يختار في بعض المساجد إلا الإمام الذي تكون له نفس جنسية أعضاء الجمعية ، في قومية مقيتة يرفضها الإسلام جملة وتفصيلا .

3 – والمساجد في الدول العربية تُفرض على أئمتها مواضيع خطب الجمعة ، ومضمون المواد الدعوية والوعظية — على قلتها ووجازتها وضحالة مستواها — بينما في الدول الغربية للإمام الحرية المطلقة في اختيار موضوع الخطبة أو المحاضرة ، دون أن يفرض عليه أحد ذلك !! وليس من صلاحية الدولة ولا الجمعية المسيرة لشؤون المسجد أن تطالبه بموضوع الخطبة .

4 – والمساجد في الدول العربية تفتح أبوابها في أوقات محددة محدودة ، ولا يمكن أن تكون مفتوحة طيلة اليوم ، بل ذلك ممنوع في أكثر الدول ، بخلاف المساجد في أوروبا ، فإنها مفتوحة طيلة اليوم ، قبل الصلوات وبعدها ، ولا تغلق إلا في ساعة متأخرة من الليل ، حين يفرغ الناس من صلاة العشاء والنوافل !! ، ولذا لو فاتتك صلاة الجماعة في الدول العربية ووصلت متأخرا تجد المسجد قد أغلق في وجهك ، بخلاف المساجد في الغرب تجدها مفتوحة وربما تسنى لك أن تصلي جماعة ثانية بعد جماعة الإمام .

5 – بالمساجد في الدول العربية ، لا يعدو دورها على إقامة الجماعات والجمعات ، وبعض الأنشطة القرآنية ، ككتاتيب التحفيظ ، بينما المساجد في الغرب ، لها أنشطتها أكثر من ذلك بكثير ، فمع الصلوات ، نجدها تحتوي على معاهد و مدارس للعلوم الشرعية ، علاوة على تحفيظ القرآن الكريم بالروايات العشر ، كما تحتوي أيضا على كثير من الأعمال الخيرية كجمع الصدقات والتبرعات ، وايصالها الى المحتاجين سواء كانوا داخل تلك الدولة أو في الوطن العربي !!
وبعض المساجد تجد فيها مكاتب للشؤون الاجتماعية التي تتولى إصلاح ذات البين بين الناس ، أو تعمل على إيجاد حلول للمشاكل الزوجية ، أو تساعد الأولياء على تأطير الأبناء واحتواءهم ، كما أن كثيرا من المساجد في الغرب تنظم الدروس الدعمية لأبناء الجالية الاسلامية لتحسين مستواهم الدراسي ، فهل يوجد مثل ذلك في بلاد العرب ؟؟

الا من رحم الله عز وجل !!

ومن هنا ندرك الفروق بين وضع المساجد في ظل العلمانية الغربية والعلمانية العربية ، و يتبين لنا مدى ما ينعم به المسلمون في الغرب من حرية وبين ما يعانيه إخوانهم في أوطانهم الأم .

والعجيب أن بعض الشيوخ الذين يأتون في زيارات لأوروبا يستفتيهم الشباب في حكم الإقامة في بلاد الكفر فيفتونهم بتحريم ذلك وضرورة العودة إلى بلاد الإسلام !!

فعن أي إسلام يتحدث هؤلاء ؟؟؟
وهل العبرة بالمسميات والألقاب ؟؟ أم بالمعاني والحقائق ؟

(المصدر: رسالة بوست)

مقالات ذات صلة

رأيان على “المساجد بين العلمانية الغربية والعلمانية العربية”

  1. هل الاســــــــلامُ والْمُسْلُمَانِيَّةُ
    (Müslümanlık)

    هما الشيءُ نَفْسُهُ؟

    *** ***

    PART-01
    توطئة
    Preface

    تأليف
    فريد صلاح الهاشمي
    Copyright©2018 by
    Feriduddin AYDIN
    [email protected]

    إسطنبول-2018م.
    دار العِبَر للطباعة والنشر
    [email protected]

    Copyrigh©2019
    كافة حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف. فريد الدين آيدن

    توطئة
    تُطلق كلمة (Müslümanlık) كاسمٍ على الدين الإسلامي في تركيا حصرًا. وهناك تسميةٌ أخرى للإسلام شبيهةٌ بهذا في إيران. إنهم يسمون الإسلامَ (مُسَلْمَانِي). هذه التسميةُ غيرُ معروفةٍ في أيِّ مكانٍ في العالم، كما لا توجد هذه الكلمةُ في نصِّ القرآن الكريم.

    لقد كانت هذه التسميةُ تقرعُ سمعي باستمرار بطبيعة الحال على مدى أيام طفولتي وشبابي، لأني من أبناءِ أسرةٍ عربيةٍ عريقة تُقيم في وسط المجتمع التركي منذ عام 1258م، لذلك لم أستغرب تسميةَ الإسلام بهذا الإسم الدخيل، كما لم يكن يومئذ ينتابني أي شكّ إلى أن حظيتُ برصيد وافر من الثقافة. ثم ازدادت المناقشاتُ الفكريةُ وتصاعدت الخلافات في السنوات الأخيرة. وفي غضون ذلك تضاعفت النزاعاتُ واحتدمت الصراعاتُ الفكرية بين القطاعات الدينية المتباينة وما أكثرها في تركيا… وهذا ما أثارَ انتباهي حولَ ارتباك المفاهيم وتنازع المصطلحات ومشاجرات الناس فيها… ذلك أن غالبية الناس بدأت ترى نفسها مؤهَّلةً وذات كفائة في كل المجالات خاصّةً في السنوات الأخيرة، فتمرّدوا على الموضوعية وخرجوا على المنهجية فاختفى الإعتدال وسادت اللهجة القاسية وأُسقطت الحوار والاحترام المتبادل عن الإعتبار… إن هذا الإضطراب قد أفضى إلى اندلاع وسطٍ من الفوضى في الفكر والمعتقدات الدينية. وهذا التطور هو السبب الذي جعلني أفكّر بعمقٍ حول السر الكامن في مفهوم الْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık)، التي اعتنقها الأتراك منذ ثمانمائة عام، وهم مختلفون فيما إذا كان هذا المصطلح ترجمةً لمفهوم الإسلام أو ديانةً مختزلَةً عنه، أو عقيدةً مستقلّةً تمامًا.. نعم، أخذتُ أفكّر حول الفرق الذي بينها وبين الإسلام.

    ثم بدأتُ أتسائل في نفسي: ما هو الإسلامُ، وما هي الْمُسْلُمَانِيَّةُ؟ (Müslümanlık)؛ ما الفرف بين هذين المفهومين؟ لكنِّي بعد أن بحثتُ عن الوجه الخفي للديانة الْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık) واطلعتُ على أسرار الذين اختلقوها، ما طال الوقت حتى علمتُ بالتأكيد أنَّها ديانة مستقلّةٌ عن الإسلام. ثم عدتُ أتسائل في نفسي: ما الفرق بين هاتين الديانتين؟ أو ما هي نقاط الخلاف بينهما؛ وإذا كان الأمر كذلك إذن ما هي تلك الفوارق؟.. وهل فكّرْتم أنتم لحظةً في ذلك؟ هل تعلمون شيئًا حول تلك الهوّةِ الفاصلة بين الإسلام وبين الديانة المتشرة في تركيا باسم Müslümanlık؟ إذا كنتم لا تكادون تعرفون شيئًا عن هذا الفرق بعدُ، فيرجى المتابعة؛ سوف تحظون بقدر من التفصيل حول هذا الفرق عبر مقاطع الشرح، كما سوف تنكشف لكم أسرار هذا الدين المختلَق فيما يلي إن شاء الله.

    إن ملايين الناس، يلتبس عليهم هذان المفهومان منذ قرون إلى اليوم. أليس هذا مثيرًا للاستغراب جدًا! قد يُكتَم بعضُ الحقائقِ لفترةٍ طويلةِ أو يَظَلُّ مجهولاً. لكنَّ أيَّ حدثٍ اجتماعيٍّ لا يمكنُ أنْ يبقىَ مخفيًّا إلى الأبد. وحتى لو كان أُخْفِيَ عمدًا، فسوف يَظْهَرُ إلى العيانِ حتمًا يومًا مَّا.

    إنّ مسألة الْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık) توارت بالغموض طوال حقبة حتى اليوم. لأن هناك العديد من الحقائق قد شُوِّهَتْ منذ قرون، ولا يمكن تسليط الضوء عليها في الظروف الراهنة. لقد تم إطلاق كلمة (مُسْلُمَانْلِيك Müslümanlık) كاسمٍ لمشروعٍ سرّي في تركستان، عَقِبَ إحتلال الجيوش الأموية لبلاد الترك… (سيأتي شرح هذه الأحداثِ في محله). يبدو أن تسمية الإسلام بالْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık) قد تم الاتفاق عليها بين أشخاص مشبوهة من رؤوس الصوفية يومئذٍ كانوا قد فرضوا هيبتهم على المجتمع فانسحب ورائهم جموع غفيرة بحكم الدعايات، فما ليث حتى انتشرت الْمُسْلُمَانِيَّةُ على مستوى المجتمع التركي، واستقوت في أمد قصير، وجَرَى إطلاق هذا الاسم على الدين الإسلامي قبل 800 عام. هكذا بدأ الحدث في ظروف غامضة. يغلب الظن أن تصميم خطة هذا الدين الْمُخْتَلَقِ قد تم على هذا الأساس.

    لكن مَنِ الذين أعدوا هذا المفهوم، وتجرّؤوا على هذه التسمية لتشويه الدين الحنيف؛ وكيف سُمِحَ لهم بذلك؟ لأن إطلاقَ هذا الاسم المزيَّف على الإسلام (يومئذ) لم يكن عملاً سهلاً. فأن إقحام النفسِ في مثل هذاه المغامرة كان مسألةَ جرأةٍ خاصّة ً في تلك المرحلة التاريخية. لأننا نعتقد أن المسؤولين عن الدولة الإسلامية في تلك الحقبة لم يكونوا ليسمحوا بذلك. وربما نخطئ في هذا الظن. لأن المجتمع الإسلامِيَّ ربما كان يعاني من مشاكل رهيبة أشغلتهم عن الإنتباه للأمر في تلك الأيام. ذلك أن الحروب وحركات التمرد والصراعات على السلطة التي كانت تتكرر على فترات، لم تترك مجال الإرتياح للدولة ولا فرصة مطاردة المنافقين والزنادقة للسلطة، حتى تتمكّن من الأخذ على أيديهم، وتمنعهم من إفساد القِيَم… ولعل المسؤولين الرسمييّن لم يكونوا على دراية حول كثير من الخطط الخبيثة.

    تناول بعضُ الباحثين في السنواتِ الأخيرةِ هذه القضيةَ بحيطةٍ بالغةٍ، لكنّهم لم يتوسّعوا فيها فلم يدخلوا في تفاصيلها. ربما كانوا على حذر، خافوا من أن يمسَّهم سوءٌ إذا ما كشفوا الغطاءَ عن أسرار هذه الديانة التي اختلقها أسلافُهُمْ لضرب الإسلام من الداخل قبل قرون.

    إن المثال الوحيد الذي أشار إلى الفرق بين الإسلام والْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık) في أي وقت مضى وباسلوب علمي، هو الإستاذ الدكتور أحمد يشار أوجاك (Ahmet Yaşar Ocak). لكنَّ هذا الأكاديميَّ التركيَّ قد تطرَّقَ إلى الموضوع باختصار شديد كأنَّه تخوَّفَ من الإسهاب فيه لقلق في نفسه! وقد حاول تلخيصَ الفرقِ بين هذين المفهومين في بضعةِ أسطرٍ ضمن أحد كُتُبِهِ، لكنّه لم يدخل في أي تفصيل. هذا فضلا عن أنه ألّف أعماله كلها باللغة التركية لجهله بلغة الضاد، فلم ينتبه إليها من لا يُتقن التركية من أهل العلم.

    هناك سببان يكشفان الستار عن هذا التحفظ: الأول أن هذا الأكاديميَّ هو تركي الأصل. لذا تجنب أن يفتحَ بابًا للشَّكِّ والجدال حتى لاَ يطعن البعضُ في الأتراك على أنههم الذين اختلقوا هذا الإسم المزيف للإسلام وشَوَّهوا معالِمَهُ. والسببُ الثاني هو أنَّ كلمةَ (Müslümanlık) اُسْتُخْدِمَتْ كاسمٍ للإسلام لعدة قرون، وقد تأصَّلَّتْ هذه التسميةُ في ثقافةِ الأتراك وتوغَّلت في أعماقِ ضمائرهم بصورة راسخة. لذا، لم يعد من الممكن تصحيح هذا الخطأ بعد اليوم، فالتعمق في هذا الموضوع إذن من الشطط والعبث، ولن يتمخض ذلك إلاَّ عن إرباك العقول. فإنَّ أحمد يشار أوجاك ربما كفَّ عن التوسع لهذا السبب. وهذا ما يجعلنا نفهم لماذا توقّف المؤلف عن الإفصاح والبيان وظلَّ متحفظًّا يكتم الأسرار.

    لفهم وتقدير مدى خطورةِ هذه المشكلة، يكفي قراءةُ أخبار الهجمات التي تَعَرَّضَ لها الأستاذ الدكتور محمد آيدن أثناء خطاب أكاديمي ألقاه حول مفهوم الْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık) في إحدى المؤتمرات. وعلى وجه الخصوص؛ فإنه من الخطورة جدًا أنْ يتقدّم باحث ليفسِّرَ ويشرحَ مفهومًا من مفاهيم الدين بأسلوب علمي في تركيا، ذلك بسبب الانتشار الذريع للبدع والخرافيات ورسوخها في الضمائر. تبرهن على هذه الحقيقة كلمةٌ قالها الإستاذ الدكتور أحمد يشار أوجاك في مستهل كتابٍ له صدر أخيرًا بعنوان ) (Türkiye Sosyal Tarihinde İslam’ın Macerası يقول المؤلف ما معناه بالعربية: “أيّ شخص يتطرق إلى قضيةَ الإسلامِ في تركيا وفي تاريخها الإجتماعي، فكأنه يعبث بِخَلِيَّةِ النحل!”. لذا على الرغم من كل محاولة النزوع إلى التفاؤل، فقد ألّفتُ كتابًا بعنوان (هل الإسلام وَالْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlık) هما الشيءُ نفسُهُ!؟) مع أني لا أستبعد أنْ أكونَ ضحية للخطر في أي لحظة، ولكنِّي لا أعرف من أين سيأتي هذا الخطر إن كان في القدر والعياذ بالله!

    إنَّ هذه الدراسةَ تستمد من وثائقَ وأدلة أغفلها أهل المعرفة وعلى رأسهم علماء العرب، وهذا ما يثير الإستغراب.. هذا، واتفق لي أن قمتُ بجمع عديدٍ من المقالات التي كنتُ كتبتُها قبل فترة ونُشِرَتْ مؤخرًا على الإنترنت، فتَكَوَّنَ الكتابُ منها.. كلُّ مقالةٍ في هذا الكتاب تتميَّزُ بِكُلِّيَّةٍ جامعةٍ مستقلَّةٍ في حدِّ ذاتِها. ومع ذلك، فإن هذه المواد تُكمِلَ أيضا بعضها البعض. وهذا يوفر سلامة الكتاب ووحدته.

    إن هذا الكتاب يتناول ظاهرة الدين، وكيفيةَ إدراكِ المجتمعِ التركي له في الوقت ذاته؛ يدرس وجهة نظر المجتمع التركي بخاصة في الدين، وبهذه المناسبة يركّز الإهتمامَ على التغيرات التي طرأت على مفهوم الإسلام عبر تاريخ الأمة التركية. تحاول هذه الدراسة، على وجه الخصوص، إعطاء إجابات صحيحة على الأسئلة التالية:

    1) كيف يُدركُ الناسُ مفهومَ الدين في تركيا؟

    2) هل إدراك الناس لمفهوم الدين في تركيا يوافق ضوابط الإسلام، أو على أي مدى يوافقها؟

    3) كيف نشأت الهياكل الدينية والصوفية في تركيا (الطرق الصوفية والمذاهب)، وما هي المعلومات الصحيحة حول المراحل التاريخية لنشوء وتطور هذه التيارات.

    4) متى ولماذا تم تحويل الإسلام إلى الْمُسْلُمَانِيَّةِ(Müslümanlık) .

    إنَّ هذه الدراسة توفر معلوماتٍ مهمةً ومفصلةً عند البحث عن إجاباتٍ لهذه الأسئلة الأربعة. وهناك تفاصيل عبر ثنايا هذه المعلومات مثيرة للغاية وقد ظلّت خافيةً أو أغفلها أهل العلم والبحث طيلة قرون، وهذا الجانب للدراسة هو أكثر دافع للحيرة والعَجَب.

    هذا وأعلمُ بالتأكيد أني أقتحمُ الأهوالَ والمخاطرَ عندما أقوم بتأليف هذا الكتاب (كما نوهتُ به آنفا). لكنّني ما حظيتُ بمعرفةِ شيءٍ فيه خيرٌ للناسِ، أو دفعٌ للشر إلاَّ اعتقدتُ أنَّ كَتْمَهُ وإخفائَهُ خيانة ووبال في عنقي.

    إن الإقدامَ على نشر هذا العمل في تركيا (في الظروف الراهنة) لا يخلو من المخاطر مع غالب الظن، كما لا أرى نشره عبر الشبكة العنكبوتية يسلم عن انتفاضة المتطرفين الْمُسْلُمَان الذين طالما يكرهون المسلمين ويتربصون الدوائر بأهل التوحيد الخالص، ولا ننسى أني أقيم في هذا البلد! إلاَّ أني سوف أجرِّبُ حظي وأنشره إن شاء الله العلي القدير عبر المواقع الألكترونية على الشبكة العنكبوتية إن وافق مسئولوها ومديروها.

    وبهذه المناسبة لن أستنكف عن القول: بأن العنفَ، والظلمَ، والتطرُّفَ، والعنصريَّةَ، والاستغلالَ، والخرافاتِ… وإن كانت شائعةً جدًّا في عالَمِنا اليومَ، إلا أنَّ هناك ألْسِنَةٌ وأقلامٌ صالِحَةٌ وطيِّبَةٌ (مع قِلَّتِهَا) تدعمُ الحقَّ والواقعيَّةَ. وأنا – لا شك – آمُلُ أنْ تَمُدَّنِي هذه الألْسِنَةُ والأقلامُ الطيِّبَةُ. ففي الواقع، هناك دُوَلٌ تُدَارُ بسياساتٍ تتبنَّى الحريةَ وتحكُمُ بالعدلِ، وتحترِمُ حقوقَ الإنسان. وفي هذه البلدان جمعيات وجامعات ووسائل إعلام تبذل الجهودَ لأجل نشر الفضائل والعلوم والقِيَم السامية. فأوَدُّ لو تكون هذه البلدان والمؤسسات على دراية بما تكبَّدتُ من المشاق منذ أربعين عامًا، لأجل الكَشْفِ عن حقائق يكتمها ويُصرُّ على إخفائِها تجمعات مشبوهة تدعمها الدولةُ العميقةُ والمافيا في تركيا، كما أوَدُّ أن تساعدني الدُّوَلُ والمؤسَّساتُ الْحُرَّةُ، وتُنْقِذَنِي من هذه البيئة الْمُظْلِمَةِ التي تُحيطُ بي من كل صوب منذ أربعين عامًا، وَتوفِّرَ لي سبيلَ النجاحِ بخاصَّةٍ في كفاح الباطل والخرافات.

    إن الأحداث التي قد وقعت في الحقيقة وتم ضبطها بالأدلَّة والوثائق، فإنها في الغالب لا يمكن أن تظل في طيّ الكتمان إلى الأبد. لكن متابعة الخطط السرية لأجل الكشف عن مساويها ليس عملا سهلا، بل فيها مخاطر تهدد حياة الباحث، مع ذلك، فإن الكشفَ عن المؤامراتِ وإبرازَهَا إلى العيان من منطلق حسن النية، وتوعية الناسِ، ومنع المغرضين من تشويه القِيَمِ، إنما هو شرف لأهل البحث والدراسة، بل هو مسألة إيمان وأخلاق في الوقت ذاته، وإن كان في ذلك خطورةٌ قد يتعرَّضُ لها الباحث.

    سؤال هام جدًّا يفرض نفسه على العقل النير والضمير الشاعر بالمسئولية؛ هل الإسلامُ والْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlık) هُمَا الشيء نفسه؟ كلاَّ! ولكن من المثير أن هذا السؤال المهم للغاية، لا أحد في تركيا يجيب عليه، ولا أحد يريد البحثَ للاجابة عليه! نظرًا لوجود أسرارٍ لا تُصَدَّقُ، وهي مكنونة في الإجابةِ على هذا السؤال؛ ولأنَّ هناك مفاهيمُ جفريَّةٌ. افشاؤُها يتطلَّبُ معرفةً واسعة النطاقِ أولاً وقبل كل شيء، ثم يتطلّب الأمرُ الجرأةَ والثقةَ بالنفس؛ وحتى لو كان الباحثُ متَّصفًا بهذه الصفات، يُستبعد أن يغامر بكشف سر خطير تواطأ على إخفائِهِ عصابةٌ قبل عدّةِ قرون، فيثيرَ جمهور الشعب التركي عن بكرة أبه.

    لقد أدرك بعض الأكاديميين مؤخرًا أن هذين المفهومين (الإسلام والمسلمانية) مختلفان عن بعضهما البعض. تطرَّقَ بعضُهم إلى الموضوع بكلمات معدودة فحسب، (كالأستاذ علي بارداكوغلو، الرئيس الأسبق للشئون الدينية التركية)؛ وبعضُهم بعدَّةِ سطورٍ (مثل البروفسور الدكتور أحمد يشار أوجاك). لكنَّ هذه الهمسات غيرُ كافيةٍ لإظهار الحقيقة. علاوة على ذلك، فإن هناك فجوة كبيرة بين نظرتي ونظرة هذين الشخصيتين في التفريق بين الإسلام والْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık. لا يمكن إملاءُ وتغطيةُ هذه الفجوة ببضعة أسطر أو حتى ببضعة مقالات.

    هذا، وعندما كنتُ قائمًا بالبحث والدراسة حول الطائفة النقشبندية في التسعينات من القرن المنصرم، أدركتُ أثناء البحوث والتنقيبات أنَّ بعضَ عصابات باطنية في العراق، وتركستان والهند، قد تمكنتْ من تحريف الإسلام على نطاقٍ واسعٍ عبر التاريخ. بعد ذلك ركّزتُ الاهتمامَ على أحداثٍ تاريخية متعلقة بالحركات الدينية والصوفية والطائفية على اختلافها.. بالنسبة للمعلومات التي حصلتُ عليها عبر دراستي للموضوع، وجدتها تشير إلى حقائق رهيبة لا يمكن أن أسكتَ عنها أو أشعر بالراحة إن أبقيتُها في طي الكتمان.

    فقمتُ بتصنيف وتنسيق المستندات والمعلومات التي عثرتُ عليها على مدى 30 عامًا، فحصل منها قدرٌ كبيرٌ من مصادر المعرفة. ولكي تنتشر الحقائق والمعلومات الصحيحة ويتلقاها الناس بالقبول، أردتُ أن أثير حفيظةَ أهل العلم حولَ هذه الأسرار لكي يتحملوا المسؤولية دفاعًا عن القِيَمِ العالَمِيَّةِ وإدحاضًا للأباطيل والخرافات. هكذا وُجِدَ هذا الكتاب الذي سَمَّيتُهُ (هل الإسلام وَالْمُسْلُمَانِيَّةُ (Müslümanlık) هما الشيءُ نفسُهُ!؟) وقد كتبتُهُ باللغة التركية لأسباب منها سهولة مناقشتها مع علماء الأتراك أوّلاً، وفرغتُ من صياغتها لاحقًا، وهو لا يزال ينتظر التعريب ثم النشر. لكن الذي يتضمنه الكتاب من معلومات مثيرة على كثافتها، ليس إلاَّ مجردَ صورةٍ صغيرةٍ عن جبل من الجليد، أو قطرة من بحر كما يقولون. آمل أن يكون هذا الكتاب وثيقةً مُقْنِعَةً في أيدي دُعَاةِ الحق والحقيقة. “بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ.” (الأنبياء/18)، كما آمل أن تكون هذه الدراسة، وسيلة للحد من آثار الأساطير والزندقة، ومنارة لانتشار المعلومات الصحيحة وتوعية الجماهير.
    فريد صلاح الهاشمي
    Feriduddin AYDIN

  2. هل الاســــــــلامُ والْمُسْلُمَانِيَّةُ
    (Müslümanlık)

    هما الشيءُ نَفْسُهُ؟

    *** ***

    PART-01
    ظاهرة الدين وأهميتها والحقائق التي تثيرها
    The Phenomenon Of Religion, İts İmportance and The Facts İt Raises

    تأليف
    فريد صلاح الهاشمي
    Copyright©2018 by
    Feriduddin AYDIN
    [email protected]

    إسطنبول-2018م.
    دار العِبَر للطباعة والنشر
    [email protected]

    Copyrigh©2019
    كافة حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف. فريد الدين آيدن

    ظاهرة الدين وأهميتها والحقائق التي تثيرها

    إن مفهوم الدين الحقيقي مستمدٌّ من الوحي الإلهي، وهو معاصر للإنسان. وبهذا الاعتبار فإن الدين قد خاطب الإنسانَ منذ وجوده على هذه الكرة الأرضية، وأثار فيه ملكة التفكير في أسرار الكون والحياةِ، ودرَّبه على مراعاة النظام، وكان الدين أحد العوامل الرئيسة بتأثيره العميق في توعية المجتمعات وتوجُّيهِهَا نحو التعاون والتفاعل والإنتاج. إن هذا الوضع لم يتغير حتى اليوم. لذا، فإن المخططين للتيارات الفكرية ومشجعيها المعارضين للتقديس، لم يتمكّنوا من تقليص أهمية الدين وتأثيره في أي فترة من التاريخ.

    بعض المارقين يزعمون أن الإنسان هو الذي اختلق مفهومَ الدين بعد أن مرّ بالعديد من مراحل التطور البشري في التاريخ. يمكن تلخيص دفاعات هؤلاء على النحو التالي: “إن الإنسان كائن ذكي واجتماعي؛ بناءً على تجاربه في الفترة البدائية أراد ضمانَ سلامةِ نفسِهِ ضد عدوانٍ قد يناله من أحد بني جنسه. وهذا قد أجبره على الاتفاق معهم لوضع قواعد ومبادئ تجري على أساسها علاقاتهم المشتركة. اتفقوا بهذا الغرض على أن تكون لهذه القواعد والمبادئ قداسة تستوجب الاحترام لها. بدأت ممارسة العبادة المعروفة باسم “الدين” لأول مرة بهذا الدافع. ثم بمرور الوقت اكتسب هذا التقليد طابعًا مؤسَّسِيًّا بعد أن اتسع نطاقُه في المراحل اللاحقة وتم تشريع قوانين لكل مجالات الحياة على أساسه. وفي إطار هذه التشريعات نُظِّمَتْ العلاقاتُ الأخلاقيةُ والإنسانيةُ وفقًا لقوانين مُعيَّنة. كلها كانت في البداية على أساس الدين وتقديس الآلهة.

    إن الدين – وفقا لهذا الإدعاء الساذج – هو نتاج العقل البشري القاصر عن إدراك مفهوم اللامحدود الذي يعبَّر عنه بكلمتي (الأزلية) و (الأبدية) . لأنه من الواضح أن هذا الرأي لا يستقيم مع المنطق السليم. ولأن الإنسان يتأمل عادةً وبصورة متواصلة في أسرار الكون والحياة في حيرة وانبهار، بل تُرغِمُهُ فطرتُهُ أن يفكر في أعماق ضميره، فيعتبرَ كلَّ ما في هذا الكون (من عظيم ودقيق، وملموس وغير ملموس) هو عمل خالقٍ وبارئٍ وصانعٍ متعال ذي قوة عملاقةٍ جبّارةٍ متفوِّقة. إن الإنسان لا يستطيع أن يتجاهل هذه الحقيقة. كما أن العقل البشري لا يمكن أن ينكر هذا الالتزام. في الواقع ثَمَّةَ آليةٌ استنتاجيةٌ في سجية الإنسان، تُدرك هذه الضرورة. وهذا هو الغرض الرئيس للطبيعة البشرية. وجملة القول: إنه يجوز للمرء أن يكون في النهاية رَبُوبِيًّا (معترفًا بوجود خالقٍ) بعد أن يتجرَّدَ من كلِّ معتقداتِهِ، ويحل ربقةَ كل ديانةٍ من عنقه، لكنه يستحيل أن يظلَّ ملحدًا مخلصًا في إلْحَادِهِ وَمُقْتَنِعًا تمامًا. وإنما الإلحاد هو التردد بين الكفر والإيمان، وليس هو الثبوت على الإنكار المحض، إذ هو شبه مستحيل، لكن الإسلام قد عدّ هذا الاضطراب المتسلِّطَ على الوجدان ضربًا من الكفر.

    التفكير والبحث والدراسة والسؤال والإجابة والتساؤل والفضول كلها أسباب للتعرف على المجهول والعثور على المطلوب عبر مسيرة الحياة. إن الذين يبحثون عن الحقيقة بهذه الوسائل العقلانية بدقة وحكمة، كثيرٌ منهم يظفرون بمآربهم دون عناءٍ وبتوفيق من الله. أما الذين يسلكون سبلا تتعارض مع هذه الاستراتيجية العقلانية الأساسية، وينسحبون من وراء المستغلّين للضمائر الخرافيين والدجاجلة بسبب الجهل أو الإهمال أو العناد، فإنهم يُحرَمون من الهداية. و”الهداية” هو مصطلح قرآني، فهي ليست في الحقيقة غير الإقرار بتوحيد الرب تعالى.. والتوحيدُ: إنما هو الغرض الوحيد من الدين. لكننا ينبغي هنا أن نُركِّزَ على أن هناك علاقة وثيقة بين مفهومي “التوحيد” و”التوفيق”. “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.” وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون.

    بعض الجريئين الذين تناولوا مفهوم الدين عن طريق الاختباء وراء صفة الأكاديمية، وأولئك الذين يدَّعوا أنهم باحثون محترفون! لقد استغلّوا “اللغةَ العلميةَ” لمجرد إنكار غريزة البحث والتساؤل عن وجود الخالق، وهي في الواقع سجية مُنْبَثَقَةٌ من الفطرة تتردد في الوعي الإنساني بتسلسل غير مُنْفَكٍّ عنه. يزعمون أن الدين قد اتخذ أشكالَهُ الحاليةَ عاقبةَ تَغَيُّراتٍ طرأت عليه، واستحالاتٍ اعرَتْهُ مع الزمان، وذلك بالتوازي مع مراحل الحضارة الإنسانية.” إنما يريدون بذلك: “إننا عندما نتأمل في التعريفات الجدلية للديانات التي تأسست على مبدأ الإيمان، نجد تغيُّرًا مرحليًّا في تطور مفهوم الدين من “الطوطم ، إلى تعدد الآلهة ، إلى إله واحد ، إلى الإلحاد ، إلى الوجودية ، وأخيرًا إلى الديانات المعاصرة”.

    هناك رأي قد اتفق عليه معظم العلماء: وهو: “أن ضمير الإنسان لا يخلو من الانشغال بمفهوم الدين على الإطلاق.” وإن أحدَ البراهين الذي يؤكِّد على هذه الحقيقة هو: أنَّ المعتنقين لمعتقدات مركَّبةٍ عَفَوِيَّةٍ، والذين ينكرون جميع الديانات المنتشرة في العالم، وأولئك الذين يزعمون أنهم ملحدون متحررون من جميع أشكال التقديس، لا تخلو قلوبهم من الريب تمامًا.

    فمثلا؛ الغنوصيون، واللاأدريون، والرَّبوبيون. والملحدون والعلمانيون؛ لايستطيعون أبدًا أن يحرروا ضمائرهم من جميع المعتقدات الغيبية. إن عقولهم مشغولة باستمرار للعثور على إجابة للسؤال العتيد: “هل للكون من خالق؟” وهذا يُثبتُ أنَّ العلاقةَ القويَّةَ والطبيعيةَ التي تربط بين الضمير ومُبدِعِهِ لا يمكن قطعُها وبَتْرُهَا أبدًا. هذه هي الحقيقة التي يعتمد عليه أساس ظاهرة الدين. هذه الحقيقة مقنعة إلى حد كبير. لأنه من المستحيل أن يتعرف الإنسان على ذات الخالق جسديًّا. إذ ليس كمثله شيء، وهو مُنَزَّهٌ من جميع سَمَاتِ النقص والزوال… لكنَّ هذه هي النقطة الأكثر تعقيدًا فيما يواجهها الإنسان أثناء جدلياته واختباراته للحياة. وهذا هو مصدر الصراع بين الأديان في الوقت ذاته. لقد كان الجدل الدائر حول الدين حتى اليوم – بلا شك – ناجما من هذه الإشكاية.

    إن الدين الذي أنزله الله على جميع رُسُلِهِ (سلام الله عليهم) هو الإسلام، لكنَّ هذا الدين في أي مرحلة من التاريخ لم يتمكَّنْ من الصمود أمام العقبات لفترة طويلة. بل على العكس من ذلك، فقد اعتمدته ونفَّذَتهُ فئةٌ قليلة من الناس لفترة قصيرة وحسب، ثم لم يلبث حتى شُوِّهَ وعُزِّلَ عن معالمه الأساسية بسرعة. إن المثال الأخير لهذه الحقيقة هو الإسلام الذي نقله القرآن وبلَّغه محمد صلى الله عليه وسلم. وحتى هذا الدين الأخير، فإنه لم يُكْتَبْ له الاستقرار، فلم يتيسر تنفيذُهُ على مستوى الدولة والمجتمع أكثر من 39 عامًا. ثم لم يتم تطبيق الإسلام رسميًا (ككل)، أو (ربما) لم يكن في الوسع تنفيذه بعد هذه الفترة. لأن الإسلام في الحقيقة هو نظام مثالي منقطع النظير، يُستَبعدُ تطبيقُهُ بحذافيره إلى حد كبيرٍ (وإن لم يكن تنفيذه مستحيلاً) وهذا يعني أن الإسلام وإن لم يكن نظامَ (المدينة الفاضلة)، لكنه مشروع إلهيٌّ رائع لتنظيم الحياة في مجتمع مثقف مهذَّب راق يستطيع أفراده أن يتناغموا معه بدون إشكال. إلاَّ أنَّ مثل هذا المجتمع البالغ من الصلاح والنقاوة والإخلاصِ يكاد وجودُهُ مُحالاً، لغلبة الشك في أنْ يكونَ كلُّ فردٍ من أفراده عالمًا بحقيقة هذا الدين. إذ أنّ انقيادَ الفردِ لأحكامهِ عن طيبة القلب وحرصَهُ على مراعاة مبادئه إنما يتوقف على عمق معرفته بِكُنْهِ الإسلام، واستيعابه لما يشتمل عليه علومُ هذا الدين من أصولٍ وفروع، وأن يكون بحانب ذلك متصفًا بإيمان راسخ في القلب بوحدانية الله تعالى، ومتميِّزًا بذوقٍ سليم يجعله ينبهر لرصانة هذا النظام وما يتبني من العدالة وإحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وإحباط الباطل، وإرساء دعائم السلام ونشر الفضائل بين أفراد البشر في جمع أنحاء العالم. إلاَّ أنه من الصعب للغاية التنبؤ بأن الواحدَ في المائة من المجتمع فحسبُ، – وليس كُلَّهُمْ- يمكن أن يتمتَّعَ بهذه الشخصية المثالية. إنما النخبة الأولى من المجتمع الإسلامي فحسبُ كانت في الواقع تتميّز بهذه الصفات الفريدة. وبعد أربعين عامًا، انهارت هذه النوعية الإنسانية الرائعة والفريدة واختفت إلى حد كبير.

    لَمَّا تنازل آخر الخلفاء الراشدين حسن بن علي أبن أبي طالب عن منصب الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في 29 يوليو 661 من الميلاد، اختفى الإسلام تمامًا من مشهد التاريخ. أما في الوقت الراهن، فلا تزال المجموعات التوحيدية الصغيرة وحسب، تلتزم بقواعد الإسلام وتحاول الحفاظ عليها بجهودها الخاصة.

    إن الدين الذي نقله محمد عليه السلام، هو أكثر شمولاً من أمثلة الإسلام التي بشر بها الأنبياء من قبله. لكنه قد فقد الكثير من صفاته الرائعة بسبب الاستغلال والاستفزازات والتفسيرات الشاذة المتطرفة التي تعرَّضَ لها على مر القرون. لقد تلاعب بالإسلام المغرضون من الملاحدة والفلاسفة والزنادقة والمنافين، فاختزلوا منه أشكالاً غربية من الديانات والمذاهب والطرق الصوفية. فتحول الإسلام إلى نماذج مشوَّهةٍ ومتناقضة. فإن إحدى هذه الديانات المتطرفة هي “المسلمانية التركية Müslümanlık”. هناك حقيقة مثيرة للاهتمام وهي أن هاتين الديانتين (أي الإسلام والمسلمانية) غالباً ما تلتبسان على الحشود الجهلة. وللتمييز بسهولة بين الإسلام والمسلمانية Müslümanlık، من المفيد الوقوف (بإيجاز) على بعض النقاط العامة والأساسية حول مفهوم “الدين”.

    هنا يجب أن نذكر أولاً وباختصار ميزات الدين الحقيقي:

    1) إن الدين الحقَّ لا يختص بمجتمعٍ دون بقية الناس من الأسرة البشرية، بل يتميز بالشمول والعالمية. لأنه إذا أُضْفِيَتْ عليه الصبغةُ القوميَّةُ فإنه يخرج من نطاقِ الدين، فيتحوَّل إلى رُكَامٍ من العادات والقاليد والبِدع والخرافيات، وإلى الإلحاد التاريخي القديم (أي عبادة الآلهة) وإلى الأيديولوجية والثقافة… فالمسلمانية (Müslümanlık) واليهودية هما مثالان الأكثر لفتًا للانتباه على ذلك.

    2) الدين الحق لا يتصف بالتاريخية historicity، أي لا تتغير مبادؤه العالمية تبعًا للمتغيرات الزمنية عبر مراحل التاريخ، لأنه يتجاوز مفهوم الزمان ويفوفه على الإطلاق؛ وهو أصلا موافق لكل زمان ومكان.

    3) الدين الحقيقي ليس مجرد علاقة بين الله والإنسان، لكنه سلسلة من المبادئ والقوانين والأحكام التي تحيط بكل أشكال الحياة.

    4) للدين الحقيقي جبهتان يُكمل أحدُهما الآخرَ: الإيمان الخالص من شوائب الإشراك، والعمل الصالح؛ فالجانب الإيماني للدينِ المتعلِّقُ بالخمس المغيبات التي أستأثر الله بعلمها، غيرُ معقولٍ (أي خارجٌ عن نطاق الإدراك بالعقل البشري). فيجب على المرء أن يكونَ مقتنعًا بهذا الجانب مستسلمًا، حنيفًا، مخلصًا، غير شاكٍّ أو متردد فيما جاء به الوحي، وأن يبذلَ جهودَهُ بالتضحية للامتثال بالعمل الصالح. وإلا، فإنَّ الدِّين يضمحلُّ أو يتحوَّلُ إلى دين آخر مثل اليهودية، والمسيحية، والْمُسْلُمَانِيَّةِ (Müslümanlık)… فقد انفصلت هذه الديانات الثلاث عن الإسلام لانتفاءِ الإيمان والعمل الصالح في تعاليمها، كما انفصلت عنه ديانات أخرى فانبثقتْ وتفرَّعت بعضها عن المسلمانية.

    5) هناك من يريدون تشويه الدين الصحيح واستغلالَه لأغراض مختلفة في ربوع المجتمع الإسلامي، فسيكون لهم حضور بعد اليوم أيضًا. (مثل الصوفية “النقشبنديِّين” بخاصَّةٍ، والإخوانيين، والوهابيين، والشيعة، والسلفية، والعلويين، والكماليِّين (الأتاتوركيِّين). إن الديانة المسلمانية(Müslümanlık) تشتمل على تفسيرات ومعتقداتٍ متباينة ومُتناقضةٍ تغذّت بها وانطلقت منها أكثر هذه الجماعات المتطرفة). لذلك يجب أن يكون المؤمنون بالدين الحقيقي (أي المسلمون المخلصون) على حذرٍ، ومتنبهين لمخاطرها. أما الذين ليس لديهم هذا القلق، فإنّهم معرَّضون للوقوع في كمائنها في أي لحظة !!

    يُقسَمُ الأديان إلى فئتين رئيستين:

    1) الأديان السماوية: وهي الديانات التي أوحى الله إلى رُسُلِهِ، فقام كل منهم بتبليغ ما أوحِيَ إليه حرفِيًّا، ودعى الناسَ إليه. على سبيل المثال، فإن موسى بن عمران، والمسيحُ ابن مريم، ومحمد بن عبد الله عليهم الصلاة والسلام، هم من هؤلاء الرسل. و”الأديان السماوية” تعني: ” الأديانَ التي نَزَلَتْ من السماء”، لكنَّ هذا التعبيرَ مجازِيٌّ. والمقصودُ منه: أن هذه الأديانَ قد أوحِيَتْ من قِبَلِ الله تعالى إشارةً إلى سُمُوِّهِ وَعُلُوِّهِ عزَّ وَجَلَّ. لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ هذه الأديان قد انحدرت من السماء جسديًّا وفي أبعاد ملموسة. إنَّ حَدَثَ الهبوط ينشط عادةً في الخيال البشري كما لو أن الجسم ينحدر من أعلى إلى أسفل. وذلك، لمَّا كان من المستحيل اسنادُ المكانِ والجهةِ إلى الله تعالى، فإن استخدام كلمة السماوية في التعبير ليس هو بمعنى الهبوط من الأعلى، لما يتعارض ذلك مع تنزيهه عز وجل..

    إن الأديان السماوية لمّا كان جميعُها من المصدرِ نفسِهِ، – وفقًا للقرآن – فقد دخل كلها تحت مسمّى الإسلام. نعم، إنَّ كلَّ الأديان التي بلّغها رُسُلُ الله من آدم إلى محمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ودَعَوا الناسَ إليها، هو الإسلام نفسُهُ. لكنَّ من المثير أنَّ جميعَ الأديان قد تلاعبت بها أيدي العبث، وحتى أسماؤها قد حُرِّفت، (مثل اليهودية والمسيحية…) ما عدا الدين الذي بشر به محمد عليه السلام، فإنه بقي إسلامًا في حدود القرآن، رغم أنه حرِّفَ هو الآخر في مجال التنفيذ.

    يجب التأكيد بهذه المناسبة على أن الكثير من المنظمات السرية والمدمرة قد حاولت أيضًا إجراء تغييرات مختلفة على هذا الدين الأخير (أي على الإسلام). فظهرت العديدُ من الديانات تحت مسميات دخيلة، مثل المسلمانيةِ “Müslümanlık” (وهي الديانةُ المنتشرةُ في تركيا)، والنصيريةِ، والشيعيةِ، والدرزيةِ، والبهائةِ، والقاديانيةِ؛ ومنها ما عُدَّ من “المذاهب” ومنها ما أُدخِلَ في قائمة “الطرائق الصوفية” كالطريقة النقشبندية، والقادرية، والرفاعية، والقلندرية، والبكتاشية، والمولوية، والأكبرية، والأسمرية، وكثير غيرها… إن هذا العدد من الديانات المختلَقَة، والمذاهب والطرائق الصوفية إنما هي غيض من فيض. يجب التأكيد أيضًا على أن المسلمانيةَ (Müslümanlık) من بين هذه الدياناتِ المصطَنَعَةِ كانت ولا تزال أكثرَ الدياناتِ تدميرًا للإسلام. (فيما يلي، سوف نتناول هذه المشكلة بالتفصيل مجددا إن شاء الله تعالى.)

    2) إنَّ الأديان البشرية: هي التي قام بتخطيطيها وتصميمها أربابُ نظريات باطنية، مثل المعروفين بين الناس بالأولياءِ والقديسين والكهنة الذين لا علاقة لهم بالوحي. تُعَدُّ المسلمانيةُ (Müslümanlık) والشامانيةُ والزرادشتيةُ والمانويةُ والمزداكيةُ والهندوسيةُ والبوذيةُ والشنتويةُ والكونفوشيوسيةُ والسيخ من هذه الديانات المصطنعة.

    الإيمان هو العنصر الأوضح والأقوى الذي يمكن التمييز به بين الأديان الحقيقية عن الأديان المصطنعة. والإيمان هو أكبر سمات الأديان السماوية. لا يوجد محل للإيمان في الأديان البشرية. إنَّ الإيمانَ في الإسلام – على وجه الخصوص – نظام وجداني يقوم على مبادئ أساسية رصينة. وهو دعامةٌ أساسيةٌ في الدين.

    الأديان البشرية خالية من عنصر الإيمان. إنها لا تعتمد على أسس منهجية. ويمكن في الوقت نفسه، تعريف هذه الديانات وتفسيرُ تعاليمها بصِيَغٍ مختلفة ومتشاكسة على حسب ما يحلو لكل شخص من منتسبيها، كما لا يتورع رهبانها عن اختلاق ما يشاءون من أشكال الطقوس والأدعية والأذكار لها. هذه الديانات في الحقيقة ركام من معتقدات خليظة ومقتبسة من مختلف الأديان والفلسفات والتقاليد. لذا، لا يوجد هيكل منهجي في الأديان المنبثقة من الخيال البشري، ولذا تتدهور بسرعة وتتغير بسرعة.. وأبرز مثال على هذه الأديان هو المسلمانية (Müslümanlık).

    هذا، وإذا تأمَّلتَ في الديانة المسلمانية (Müslümanlık) ستجدها مشابهةً جدًّا للإسلام بصورتها الخارجية. ستجد فيها الصلاة والصومَ والحجَّ والزكاةَ وكل أشكال العبادة الإسلامية، كلها مُقتَبَسَةٌ من الإسلام. إلاَّ أنَّ أسماءَ طائفة من هذه العبادات قد تعرّضت للتشويه في هذه الديانة الزائفة. على سبيل المثال قد تم تحريف اسم الصلاة إلى “نَمَازْ namaz”، واسم الصوم إلى “أُرُوجoruç “، واسم الوضو إلى “آبدستabdest “، واسم الأضحية إلى “كُورْبَانْkurban ” وهي محرفة من (قربان). وثَمَّ مصطلحات أخرى قد تم تحريفها، كما قد حُرِّفَ اسم صلاة الجنازة إلى (cenaze töreni). وإنّه من السهل جداً الخلط بين الإسلام والمسلمانية (Müslümanlık) بسبب هذا المظهر الخارجي المربك. على وجه الخصوص، فإن العربَ الوافدين إلى تركيا والأغرَّةَ من شبانهم الذين يأتون للدراسة في الجامعات التركية، معظمهم يقعون بسهولة في هذا الكمين. وليس من القليل من خدعهم الصوفية فزوّجوهم من فتياتهم.

    بهذه المناسبة، يجدر التأكيد مرة أخرى على أنه لا محل لعنصر الإيمان في الديانة المسلمانية (Müslümanlık). والبرهان على ذلك؛ أنه صدر بعضُ الكُتُبِ في تركيا بعنوا (علم حال ilmihal)، فيها أبواب من فقه العبادات ومسائل الحلال والحرام، لكن الغالبية العظمى من سكان هذا البلد لا تهتمّ بها غير قلّةٍ منهم. تجد في تعاملهم مع الدين اضطرابًا شديدًا، على سبيل المثال، لا يصلي الكثير من المسلمان (أي المعتنقون لديانة Müslümanlık)، لكنهم يصومون كعادةٍ منتشرة، اتّباعًا لأسلافهم. وتدمن كثرةٌ بالغة منهم على المشروباتِ الكحوليَّةَ ولكنهم لا يأكلون لحم الخنزير، كذلك يزعم جموعٌ غفيرة من المسلمان (Müslüman) أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم في الوقت نفسه، يؤمون بالتماثيل والآثار والمقابر والأضرحة على أنها مقدسة، يمتثلون أمامها كشكل من العبادة يتضرّعون إليها، ويطلبون منها الشفاعة واستجابة دعواتهم، فيشركون بالله بهذه التصرفات الشاذة. وكثير من النساء المسلمان (Müslüman) يرتدين الحجاب، ولكنّهنَّ لا يراعين آدابَ الحجاب، لأنهن أصلا لا يؤمنَّ بالحجاب. فقد ثبت وفقًا لاستطلاعات سرية، أنَّ الكثير من المسلمان (Müslüman) يرتكبون جرائم الزنا باستمرار، لكنهم سرعان ما يعمدون إلى الطهارة من الجنابة عقب كل مرة من هذه الفاحشة. وبالاختصار؛ فإن انتفاءَ عنصر الإيمان في الديانة المسلمانية قد ترك المجال لكل فرد من المسلمان (Müslüman) أن يحدد من تلقاء نفسِهِ طريقةً مستقلة للتديُّن.

    ***
    إنَّ الغالبية العظمى من الناس تعتمد على أي دين من الديانات بمحض التقليد للأسلاف. ثبت ذلك اعتمادً على التقرير الذي نشره مركز بيو (Pew Research Center) للأبحاث في الولايات المتحدة في عام 2010م. أنَّ 8 من كل 10 أشخاص يعتنقون واحدةً من الديانات. هذا الاكتشاف يدل على أنَّ الدين لا يزال يحتفظ بأهميته في أيامنا. إن إنتشار عديدٍ من الدياناتِ مثل المسيحيةِ واليهوديةِ والمسلمانيةِ (Müslümanlık) والهندوسيةِ والبوذيةِ وكذلك الإسلامِ (كديانةٍ لأقليةٍ صغيرةٍ) يبرهن على هذه الحقيقة. ومع ذلك، فإن تحديد عدد الأديان الموجودة حاليًا في العالم غير متاح. هذه هي أيضا حقيقة مثيرة للاهتمام.

    هل يجب على الإنسان أن يعتنقَ دينًا معينًا، أو هل يحتاج إلى ذلك؟ لطالما دار النقاشُ حول هذه المسألة وسوف يدوم على امتداد الزمان الآتي. هناك أيضا إجابات متناقضة على السؤال: “هل ثم شخصٌ أو أشخاصٌ متحررون لا يعتنقون أي ديانة على اختلافها. كل هذا اللغطُ والفوضىَ الفكريةُ تشيرُ إلى أنَّ معظمَ الناسِ هم رعاعٌ وأوغادٌ وجهلةٌ، وهم مضطربون ومختلفون في مسألة الدين.

    إن النزاع القائم بين الأديان قد أدى إلى صراعات وصدام وحروب ضارية بين المجتمعات من قديم الزمان إلى يومنا هذا. وصحائف التاريخ مليئةٌ بأمثلةٍ لهذه الأحداث. كمعركة أُحُدٍ وَبَدْرٍ وَحُنَيْنٍ و«الحروبِ الصليبيةِ» واستيلاءِ المغول على معظم الوطن الإسلامي، والمذبحةِ البوسنية… بصرف النظر عن هذا، فقد جرت اختلافات وقتال حتى بين الطوائف التي تشترك في المعتقدات وتجمعها دين واحد. على سبيل المثال: اندلعت مذبحة القديس بارتيليمي Saint-Barthélemy في فرنسا في 24 أغسطس 1572م. وحادثة «Great Kackgun» التي اندلعت في الأناضول العثمانية بين 1606-1610م. والمذابح التي تعرضت لها القطاع العلويُّ في بداية العهد الجمهوري. والثورة التي قامت بها العصابة الفتوشية ضد الحكومة النقشبندية في 16 يوليو 2016م. يمكن ذكر هذه الأحداث كأمثلة على المشكلة.

    إن مذبحة القديس بارتيليمي هي في الحقيقة معركة مذهبية بحتة، أما بالنسبة لحادث Great Kackgun، فإنها (بسبب الخطر الذي يهدد حياة الباحث!) يُسْنَدُ اليوم إلى أسباب اقتصادية! إذ لا يمكن البحث في هذا الحدث بمعنى واقعي – في الظروف الحالية! إن الحروب المذهبية التي تجري في الشرق الأوسط اليوم أيضًا (رغم أنها تُسْنَدُ إلى أسبابٍ خارجيَّةٍ)، لكنها أساسًا ناشئة من الخلافات الدينية بين الشعوب التي تعيش في هذه المنطقة. إن هذه الأحداث في واقع الأمر تبرهن على أن مفهوم الدين له أهمية كبيرة في يومنا.

    بدافع هذه الأهمية، فقد أثارَ الأمرُ الأفرادَ والمنظماتِ والحكومات إلى استخدامِ المشاعرِ الدينيةِ كسلاح. لذلك، فأنَّ اتخاذ مفهوم الدين كوسيلة للانتقامِ والاستغلالِ هو أكبر تهديدٍ على حياة الإنسان. وليس من الشطط القول: بأنَّ المسلمانية Müslümanlıkمن بين جميع الأديان المحرفة أو المختلَقَة، هي الأكثر متاحًا للاستغلال بهذه الأغراض الخطيرة. ومن الملفت، أنَّ أيَّ باحث لم يتجرأ على تناول هذه المشكلة حتى اليوم خوفًا على حياته! كما أنّ أي مستشرق لم يستحسن أن يعبث بهذه القضية، لكي يبقى الأمرُ في طي الكتمان وفقًا لطموحتا الحلف المسحي-الصهيوني. لإن غيابَ كتابٍ موضوعي ومنهجي عن موقع الدين ودوره في الحياة الاجتماعية على الساحة تركيا يُعَدُّ سدًّا مانعًا لمناقشة هذا الموضوع الخطير. ويبقى الغرب مستفيدًا من وراء هذا السر. ومن المثير للاهتمام جدًّا أن تظل أسرارُ الديانة المسلمانية Müslümanlık في طي الكتما على مدار ألف سنة تنتظر لتفتضحَ في هذه الأيام وتُعلَنَ على رؤوس الأشهاد بأنها ليست من الإسلام في شيء!

    ***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق