مقالات

تصريحات ترامب المسيئة لشعوب ليبيا والصومال واليمن وهايتي

تصريحات ترامب المسيئة لشعوب ليبيا والصومال واليمن وهايتي

د. علي محمد الصلابي

إن التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي، وما تضمنته من أوصاف مهينة وأحكام جارحة على أخلاق هذه الشعوب وقدراتها العقلية، تستدعي وقفة علمية وأخلاقية جادة؛ لأنها تتجاوز النقاش السياسي المشروع حول الهجرة إلى المساس بكرامة الإنسان، وحقوق الشعوب، والقيم التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الأمم.

ومن المؤسف أن تصدر مثل هذه التصريحات الصادمة عن رئيس دولة عظمى قامت تجربتها التاريخية السياسية على مبادئ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والتنوع الثقافي والإثني، وأسهم المهاجرون من مختلف أنحاء العالم في بنائها وتقدمها، وأن تُختزل مسيرة شعوب حضارية عريقة وأصيلة في أزماتها السياسية والاقتصادية، وكأن الحروب والفقر والاضطرابات تمحو تاريخ الأمم، وتسلب أبناءها عقولهم ومواهبهم وحقوقهم الإنسانية.

وإن الشعوب التي تناولها الرئيس ترامب بالإساءة تنتمي إلى أمم ذات جذور حضارية عميقة، ولها إسهامات مشهودة في التاريخ الإنساني، وخرج من بينها علماء ومفكرون ومصلحون وقادة تحرر ودعاة خير وسلام، وقد تعرض كثير من أبنائها للاستعمار والاحتلال الغربي والتدخلات الخارجية، ودفعوا أثمانًا باهظة في سبيل حريتهم واستقلالهم.

وهذه الشعوب لم تعبر الجبال والبحار والمحيطات بجيوشها لاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية أو إخضاع الشعوب الأوروبية لثقافتها وقيمها بالقوة والإكراه، وإنما هاجر بعض أبنائها طلبًا للأمن والعلم والعمل والحياة الكريمة، وأسهموا بخبراتهم وجهودهم في خدمة المجتمعات التي استقبلتهم.

ليبيا.. تاريخ حضاري ونضال من أجل الاستقلال

فليبيا التي شملتها تصريحات الرئيس ترامب المسيئة أرض عريقة في تاريخ الحضارة الإنسانية، تعاقبت عليها الحضارات الأمازيغية والفينيقية والإغريقية والرومانية والإسلامية، وشهدت مدنها التاريخية، مثل لبدة الكبرى وصبراتة وقورينا، ازدهارًا عمرانيًّا وثقافيًّا تشهد عليه آثارها القائمة إلى اليوم، وخرج منها علماء ومفكرون ومصلحون ورجال حملوا رسالة الحرية والدفاع عن الأوطان، وفي مقدمتهم المجاهد عمر المختار، الذي قاد مقاومة الاستعمار الإيطالي، وأصبح رمزًا للشجاعة والصبر والتضحية في سبيل الاستقلال، وله في وجدان الليبيين مكانة تشبه مكانة جورج واشنطن في الوجدان الوطني الأمريكي.

ولم يكن الشعب الليبي هو الذي احتل إيطاليا ونهب أرضها، وإنما تعرض وطنه للاحتلال الإيطالي عام 1911م، وقدم أبناؤه تضحيات عظيمة حتى نالت بلادهم استقلالها عام 1951م، ومن الإنصاف أن تُحترم تضحيات هذا الشعب، وأن تُساند تطلعاته إلى الأمن والاستقرار ووحدة المؤسسات، وأن تسهم الإدارة الأمريكية في منع التدخلات الخارجية التي تعرقل استقراره، وتترك لليبيين حق تقرير مستقبلهم وحل مشكلاتهم بأنفسهم.

اليمن.. حضارة عريقة وتطلعات إلى الأمن والاستقرار

وأما اليمن، فهو من أعرق مواطن الحضارة في الجزيرة العربية، وقد عرف العالم حضارات سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير، وما بلغته من تقدم في الزراعة والري والتجارة والعمران، ويشهد سد مأرب وشبكات التجارة القديمة على ما امتلكه اليمنيون من خبرة في إدارة الموارد وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أسهم اليمنيون في نشر الإسلام واللغة العربية، وفي التواصل التجاري والثقافي مع شعوب شرق أفريقيا وآسيا، وخرج من بينهم علماء كبار، كالإمام الشوكاني والإمام الصنعاني والعالم الحسن بن أحمد الهمداني، وكان لأبنائهم حضور مشهود في ميادين العلم والتجارة والعمل في كثير من بلدان العالم.

واليمن الذي يعاني اليوم من الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية يستحق من المجتمع الدولي موقفًا يساعد شعبه على استعادة دولته ومؤسساته، ويحفظ وحدته واستقلاله، ويضع حدًّا لنفوذ الميليشيات المسلحة والتدخلات الإيرانية التي أسهمت في تعميق أزمته.

وإن من حق الشعب اليمني أن يسأل عن مسؤولية السياسات الدولية التي أسهمت في اختلال التوازنات الإقليمية، وفي مقدمتها سياسات إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تجاه إيران، وما ترتب عليها من آثار سياسية وأمنية في المنطقة، وهي سياسات تستحق مراجعة جادة في ضوء ما شهدته اليمن والعراق وسوريا ولبنان من توسع لنفوذ الميليشيات المرتبطة بطهران.

ومن المأمول أن تضطلع الإدارة الأمريكية بدور إيجابي في دعم استقرار اليمن، ومساندة مؤسساته الشرعية، والحد من التدخلات الخارجية، فالشعب الذي يجد الأمن والحرية وفرص العمل في وطنه لا يضطر إلى مغادرته بحثًا عن حياة كريمة في بلاد الآخرين.

الصومال.. تاريخ تجاري وحضاري وإسهامات إنسانية

وأما الصومال، فهو بلد ذو تاريخ تجاري وحضاري عريق، وقد أسهم أهله في ربط أفريقيا بالجزيرة العربية والهند، وازدهرت على سواحله مدن تاريخية مثل مقديشو وزيلع وبربرة، وكانت مراكز للتبادل الاقتصادي والثقافي، وعُرفت حواضره بتقاليد العلم الشرعي والتعليم والتجارة، وبرز من أعلام مدينة زيلع التاريخية الإمام جمال الدين الزيلعي، صاحب كتاب «نصب الراية».

وقد قاوم الصوماليون الاستعمار الأوروبي، وحافظوا على هويتهم الإسلامية وثقافتهم وتقاليدهم الاجتماعية، ولا يزال أبناؤهم في أنحاء العالم يعملون في التجارة والطب والتعليم وسائر المهن، ويسهمون في خدمة المجتمعات التي يعيشون فيها، ومن الظلم أن تُنسب إليهم جميعًا جرائم بعض الأفراد، أو أن يُتهم شعب كامل بالكسل والسرقة وضعف الذكاء، فهذه أحكام تفتقر إلى الإنصاف والدليل العلمي، وتتناقض مع القواعد التي تقوم عليها العدالة والمساواة أمام القانون.

هايتي.. ثورة الحرية ومقاومة الاستعباد

وأما هايتي، فإن تاريخها يقدم درسًا عظيمًا في كفاح الإنسان من أجل الحرية والكرامة، فقد قاد شعبها ثورة ضد العبودية والاستعمار الفرنسي، انتهت بإعلان استقلال البلاد عام 1804م، فأصبحت أول جمهورية سوداء مستقلة في العصر الحديث، وأول دولة تنشأ عن ثورة ناجحة للمستعبدين، وقد ألهمت تجربتها حركات التحرر ومناهضة العبودية في أنحاء مختلفة من العالم، وخرج منها قادة ومناضلون ومفكرون وأدباء، وفي مقدمتهم توسان لوفرتور وجان جاك ديسالين.

ومن يدرس تاريخ هايتي يدرك أن أزماتها الاقتصادية والسياسية لا يمكن فصلها عن تاريخ الاستعمار والعبودية والأعباء المالية الثقيلة التي فُرضت عليها بعد استقلالها، وأن الواجب الأخلاقي والإنساني يقتضي مساعدتها على تجاوز محنتها، واحترام حق شعبها في الاستقرار والتنمية، وتقدير إسهامه التاريخي في تحرير الإنسان من الاستعباد.

وإن هذه الدولة كان لها الصوت الإنساني الفارق في استقلال ليبيا عن الاستعمار والحصول على استقلال بلدي في اجتماعات الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فهي دولة مناصرة للقضايا الإنسانية وحرية الشعوب واستقلالها وبناء كيانها الوطني.

كرامة الشعوب لا تُقاس بأزماتها السياسية والاقتصادية

إن الشعوب الأربع التي شملتها تصريحات الرئيس ترامب، على اختلاف تاريخها وثقافاتها وتجاربها، تشترك في دفاعها عن حريتها واستقلالها، ولا نزعم أن تاريخها يخلو من الأخطاء أو الصراعات، فكل أمة لها إنجازاتها وإخفاقاتها.

ولكن من الظلم أن تتحول أخطاء الحكومات أو جرائم بعض الأفراد إلى أحكام عامة على ملايين البشر، أو أن يصبح الفقر دليلًا على نقص الذكاء، والحروب مقياسًا لقيمة الإنسان.

إن البحث العلمي يقتضي دراسة أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية في سياقاتها التاريخية والسياسية، والعدل يوجب محاسبة الأفراد على أفعالهم، واحترام حقوق الشعوب مهما كانت أوضاعها، ولا يستقيم أن تُرفع شعارات الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، ثم تُستثنى منها أمم بأكملها بسبب أصولها أو ظروفها الاقتصادية.

ومن الحقائق التاريخية الثابتة أن الحضارة الغربية الحديثة استفادت عبر تاريخها من علوم الحضارات الأخرى ومعارفها، وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية التي أسهم علماؤها في تطوير الطب والرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها من العلوم، وانتقلت مؤلفاتهم إلى أوروبا وأسهمت في نهضتها العلمية.

كما أن الولايات المتحدة نفسها قامت على جهود أجيال متعاقبة من المهاجرين القادمين من مختلف القارات، وشارك هؤلاء في بناء مؤسساتها الاقتصادية والعلمية والطبية والصناعية، وأسهموا في تقدمها وازدهارها، ولذلك فإن احتقار المهاجرين بسبب أصولهم يتناقض مع جانب أصيل من التاريخ الأمريكي، ويتجاهل حقيقة حضارية كبرى، وهي أن الأمم تتقدم بتبادل العلوم والخبرات والتجارب، وبالاستفادة من طاقات البشر ومواهبهم، مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم وأوطانهم.

ونحن نحترم الشعب الأمريكي، ونقدّر ما حققه من إنجازات علمية وتقنية واقتصادية، كما نحترم شعوب النرويج والسويد والدنمارك، وما وصلت إليه من تقدم في التعليم والتنمية والرعاية الاجتماعية، ونرى أن من حق جميع الشعوب أن تعتز بتاريخها ومنجزاتها، وأن تسعى إلى حماية مصالحها وأمنها واستقرارها، ولكن احترام الشعوب المتقدمة لا يقتضي احتقار الشعوب التي تعاني من الفقر والحروب، كما أن حق الدول في تنظيم الهجرة لا يمنح حكوماتها الحق في إهانة المهاجرين أو التشكيك في قدراتهم العقلية بسبب أصولهم القومية أو الثقافية.

ومن واجب الدولة العادلة أن تطبق قوانينها على الجميع، وأن تحاسب المخالفين والمجرمين وفقًا للقانون، وأن تصون كرامة الأبرياء وحقوقهم.

الإسلام ووحدة الأصل الإنساني ورفض التمييز

ولقد وضع الإسلام قاعدة عظيمة للعلاقات بين البشر، حين قرر وحدة الأصل الإنساني، وجعل اختلاف الشعوب والقبائل وسيلة للتعارف والتعاون، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

وهذه الآية الكريمة تقرر أصلًا عظيمًا في البناء الحضاري الإنساني، فالبشر جميعًا ينحدرون من أصل واحد، واختلاف ألوانهم وألسنتهم وأنسابهم وأوطانهم من آيات الله في خلقه، وقد جعل الله معيار التفاضل عنده التقوى وما تقتضيه من إيمان وصلاح واستقامة، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى».

وهي مبادئ سبقت المواثيق الدولية الحديثة بقرون، وأسست لرؤية إنسانية تحترم كرامة البشر، وترفض الاستعلاء العرقي والتمييز بين الناس.

وإن من أعظم الدروس التي يقدمها لنا التاريخ أن الاستعلاء على الشعوب بسبب أعراقها وألوانها وثقافاتها كان من المداخل التي استُخدمت لتبرير الاستعمار والاستعباد والتمييز، وأن الإنسانية دفعت أثمانًا باهظة حتى ترسخت مبادئ الحرية والمساواة في القوانين والمواثيق الدولية.

ومن واجب القادة الذين يمتلكون القوة والنفوذ أن يحافظوا على هذه المبادئ، وأن يسهموا في معالجة أسباب الحروب والفقر والهجرة القسرية، وأن يدركوا أن الأزمات التي تعانيها بعض البلدان ليست منفصلة عن مسؤولية الأنظمة المستبدة والميليشيات المسلحة والتدخلات الخارجية والسياسات الدولية الخاطئة، وأن مساعدة الشعوب على بناء دولها ومؤسساتها، وتحقيق الأمن والتنمية في أوطانها، أجدى للسلام العالمي من إهانتها أو تحميلها مسؤولية المآسي التي تعرضت لها.

كرامة الإنسان حق ثابت لا تمنحه الدول ولا تسلبه

إن ليبيا واليمن والصومال وهايتي أوطان لشعوب عريقة، وفيها ملايين الرجال والنساء الذين يحبون أوطانهم، ويحرصون على تربية أبنائهم، ويسعون إلى العلم والعمل والعيش بكرامة، ويحلمون بمستقبل أفضل لأجيالهم.

فالدول قد تضعف ثم تنهض، وقد تفتقر ثم تغتني، وقد تمر بالحروب والمجاعات ثم تستعيد عافيتها، أما كرامة الإنسان فلا ترتفع بارتفاع ثروة بلاده، ولا تسقط بانهيار اقتصادها، ولا يملك رئيس دولة، مهما بلغت قوتها، أن يمنح شعبًا كرامته أو يسلبه إياها.

إن التصريحات المسيئة للشعوب تستوجب مراجعة جادة، لما تحمله من آثار سياسية وأخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود الدول التي تصدر فيها.

فالكلمة التي تصدر عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تصل إلى ملايين البشر، وقد تسهم في تعزيز التفاهم والتعاون بين الأمم، أو في نشر الكراهية والانقسام داخل المجتمعات الغربية نفسها.

وإن مكانة الدول الكبرى تزداد حين تسخّر قوتها لإقامة العدل وصيانة الحقوق ومساعدة الشعوب على تجاوز محنها، وإن عظمة القادة تُعرف بما يتركونه من آثار نافعة في حياة الناس، وما يحققونه من أمن وسلام واستقرار، وما يقدمونه للإنسانية من خير وعدل ورحمة.

وأصل هذه القضية أن كرامة الإنسان حق ثابت لجميع البشر، وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى العظيم في قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

وهذا التكريم الإلهي يشمل البشر جميعًا، فلا ينتقص منه الفقر، ولا تلغيه الحروب، ولا تسقطه الجنسية أو العرق أو اللون.

وهو أصل عظيم ينبغي أن يستحضره كل من يتولى مسؤولية الحكم وقيادة الشعوب، فالقوة تزول، والثروة تتبدل، والدول تتعاقب عليها أحوال النهوض والضعف، ويبقى العدل وحفظ كرامة الإنسان من أعظم ما يُذكر به القادة في صفحات التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى