مقالات

لم أعجَب ولم أنبهر!

للأسف.. لم أعجَب ولم أنبهر!

د. سامي عامري

لم أَعجَب ممّا هو مكتوب على الشاشة؛ فالقول : “إنّ عامّة الأحاديث أحاديثُ آحادٍ” لا يمكن أن يُصنَّف في خانة “الاعترافات”، وكأنّنا أمام كشفٍ عمّا كان مخبوءًا! فهذا الأمر من أبجديات علم الحديث، معلومٌ مشهور، ولا ينازع فيه أحد.

ثم إنّ 99.999٪ من الأحاديث التي يسوقها المغامسي نفسه على المنابر والفضائيات هي من أحاديث الآحاد، ما بين “غريب” و”عزيز” و”مشهور”.

ولم أنبهر بالخطاب التجديدي للمغامسي الطاعن في أهل العلم، بزعم أنّهم لا ينظرون إلّا إلى السند؛ لأنّ المتون التي يدرسها الأطفال، وفيها تعريف “الحديث الصحيح”، تدل على أنّ ظاهر صحة السند، بأن يكون رواته ثقاتٍ (عدول وأهل ضبط) وتتصل سلسلته من غير انقطاع، لا يكفي للحكم على الحديث بالصحة، بل لا بدّ أيضًا من انتفاء الشذوذ والعلل الخفية.

وفي البيقونية، التي يدْرسها الأطفال في بلاد العرب والعجم، في تعريف “الحديث الصحيح”:

أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ وَهْوَ مَا اتَّصَلْ*** إسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يُعَلْ
يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ*** مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ

فلا يصحّ الحديث عند المتقدمين من علماء الحديث ولا عند المتأخرين إلا بخلوّ سنده ومتنه من القوادح.

وقد قال السخاوي في بيان منهج المحدّثين:

“وقول أهل الحديث: هذا صحيح الإسناد، لا يقتضي الحكم للمتن بالصحة؛ لأنه قد يصح الإسناد لثقة رجاله، ولا يصح المتن لشذوذ أو علة. وقد ضعّف غير واحد من الأئمة أحاديث بعد أن حكموا على أسانيدها بالصحة، ومنهم الحاكم.”

وأمّا تصريح المغامسي -المتوجّع- بأنّه لن يقبل حديثًا يرفضه عقله، ردًّا على من ينكر عليه بحجة أنّ الحديث الصحيح السند أولى بالقبول مما يستحسنه العقل، فهو خطاب شعبوي رديء؛ فإنّ الحديث المخالف لصريح العقل مرفوض عند علماء الحديث، ومخالفته لصريح العقل علة قادحة في متنه.

وقد قال ابن الجوزي:

“وما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع.”

والجدل هنا ليس في مخالفة الحديث لعقل فلان أو ذوقه، وإنما في مخالفته “للعقل”، أي للمبادئ العقلية الضرورية؛ فلا يمكن أن يصحّح العلماء حديثًا يثبت اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما!

وإنما يكمن الإشكال في التعريف “الشعبوي” للعقل، الذي يُدخَل فيه المزاج الأخلاقي العصري، وأصنام الأعراف، وغيرها. ومن هذا التعريف الشعبوي نشأت دعوى تجاوز ميراث المحدّثين لضرب الحديث بعلل “حداثوية”.

خاطرة عابر لم ينبهر..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى