مقالات مختارة

ولو جلد ظهرك

ولو جلد ظهرك

أ.د. فضل مراد

(ولو جلد ظهرك)؛ الكلام عليها رواية ودراية من خلال المقدمة في فقه العصر وحواشيها.

أما رواية، فقوله: «اسمع وأطع ولو جلد ظهرك وأخذ مالك» زيادة في حديث حذيفة المشهور، وهذه الزيادة فيها علتان تسقطانها:

الأولى: الانقطاع.
الثانية: مخالفة كافة طرق الأثبات الصحيحة الموصولة التي لم تذكر هذه الزيادة في صحيح البخاري ولا مسلم في سياق روايات الأصول.

وما كان كذلك فهو شاذ منكر ضعيف، وهذه علة لا ينفع معها شيء، لا في الشواهد ولا المتابعات، وإنما أخرجها مسلم في غير حديثه في الأصول بل في المتابعات؛ لينبه على علته وشذوذه كما هي عادته وعادة أهل الحديث.

وقد تفرد بها أبو سلام عن حذيفة، قال الدارقطني: لم يسمع منه، كما ذكر ذلك العلائي في جامع التحصيل، ط/ عالم الكتب، صـ286.

ورواه أبو إدريس الخولاني قال: سمعت حذيفة، فذكر الحديث وليس فيه هذه الزيادة، فهي زيادة شاذة كما هو معلوم في علم المصطلح، ومخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، فهذه علة، والعلة الأخرى هي الانقطاع بين أبي سلام وحذيفة، ولذلك أوردها مسلم متابعة ولم يعتمدها.

وتابعه سبيع بن خالد عند الحاكم (8332)، وهو مقبول، واختلف في اسمه، وقد تتبعت جميع روايات حديث حذيفة بن اليمان، وليس فيها من طرق الثقات هذه الزيادة، وهذا هو السر في عدم ذكر البخاري لها في روايته.

وقد رواه عنه من الثقات: أبو إدريس الخولاني، وقيس بن أبي حازم، وعبد الله بن الصامت، وأبو الطفيل، والسفر بن نسير، وزيد بن وهب، وعبد الرحمن بن قرط وغيرهم، فهؤلاء أصحابه من الأثبات وغيرهم لم يذكروا هذه الزيادة، فعُلِم أنها شاذة منكرة، والله أعلم.

أما الدراية، فإن صح على جهة الفرض والتنزل، فمحمول على ضرب الظهر في حد أو قصاص، وفي أخذ المال من حق كزكاة، أو حكم للنفقة على من تجب عليه نفقته، أو إجباره على قضاء دين، أو الحجر على سفيه أو مفلس دفعًا لفساده عن نفسه، وعن الحقوق المتعلقة به وعن الغرماء.

ولم يأخذ به علماء الأمة المعتبرون فيما اطلعت عليه في الاستدلال على الصبر المتلف على حاكم مفسد في الأرض ينتهك الأعراض والأموال، ويمكن الجواب عن هذه الصورة إن صحت: أن ذلك مع الاستضعاف التام وعدم القدرة على الدفع، أو كان الأمر على قلة من السلطات لا على وجه الفساد العام، وهذا الفرد إن قاوم أدى إلى مفسدة أكبر كأن يقتله.

ونحو ذلك، وهذا ما أسميه تحقيق المناطين، وهو محدد كبير من محددات التنزيل متفق عليه، فإن التنزيل يختلف بمناطَيْه العام والخاص، والكثير والنادر، كما هو مقرر.

قال القرطبي في المفهم: «فأمَّا قوله في حديث حذيفة (اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوّغ للأمير بوجه يظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ويصح الجمع، والله تعالى أعلم» المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (4/39).

وذهب ابن حزم إلى أنه وأحاديث الطاعة مع الظلم على الإطلاق منسوخة بقواطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآية قتال الفئة الباغية، وأورد نصوصًا كثيرة، الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/134).

وقد اختص بإثارته وإظهاره حكام مفسدون في عصرنا ونوابهم من النابتة الضالة، ولم يحمله على إطلاقه وعمومه سوى من لا تعمق له في الفقه.

فإن قال به معتبر في عصرنا، فلرهبة نظامه الفاسد، أو لرغبة دنيوية، أو لجهله بتنزيل الفقه على الوقائع في هذه المسألة، والثانية تسقط العدالة ويفسق بها وتبطل فتواه.

فإن لم تكن إحدى هاتين، فلجهله بفقه تنزيل المسألة على الواقع، وعدم تحريه فيها وتحقيقه لمناطاتها ومقاصدها، وهي زلة عالم لا تتبع.

وعلى عالم معتبر تنبيه الناس على تلك الزلة محذرًا ومعتذرًا بالتي هي أحسن، فإن تبين الحق له وبلغته الحجة ونوظر فيها ولم يتراجع عن تدليسه على الخلق بعد تبين خطئه، فسق وسقطت عدالته إن تيقن أو غلب ظنه أنه أخطأ في المسألة فعاند بفتواه نصرة للفساد والظلم.

وأخطأ على الخلق مدعٍ أن هذه الرواية الشاذة المعلّة مذهب أهل السنة والجماعة والسلف؛ لتركه أصول الشريعة ونصوصها الصحيحة في دفع الفساد في الأرض والمنكر والبغي والعدوان باليد واللسان والقلب، متمسكًا بواهيات لا تدفع الأصول، ولا تعارض بمثلها الثوابت والصحاح، ولا تؤثر في الاستدلال.

والله أعلم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى