مقالات المنتدى

أنين الحجر قبل البشر، رسالة المسجد الأقصى إلى أمة الإسلام

د. وصفي اشور أبو زيد

مع دخول شهر رمضان المبارك 1447هـ أقدم الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق المسجد الأقصى في وجوه المصلين، ومنع إقامة صلاة التراويح، وكذلك صلاة الجمعة وهذه نادرا ما حدثت في تاريخ الأقصى، وفي هذا المقال يتحدث المسجد الأقصى الشريف عن نفسه بنفسه موجهًا رسالته للأمة الإسلامية.

أنا الأقصىفهل تسمعون صوتي؟

أنا المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث المسجدين، وثاني مسجد وُضع في الأرض لعبادة رب العالمين .. أنا الذي بارك الله حولي، وجعلني مهوى أفئدة المؤمنين، ومسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج .. أنا الذي قال الله في شأني: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. [الإسراء: 1].

كنتُ عبر القرون بيتًا لله تُرفع فيه الأصوات بالتكبير، وتتعالى فيه التلاوات، وتخفق في ساحاته قلوب العابدين والراكعين والساجدين .. كان الليل عندي صلاة، والفجر تلاوة، والضحى حلق علم، والعصر دعاء، والمغرب تسبيح، والعشاء خشوعًا وسكينة، لكنني اليومأقف حزينًا .. أقف أسيرًا .. وأبثُّ إليكم شكواي.

رمضان الذي أُغلق فيه بابي

حلَّ رمضانُ، شهر القرآن، شهر القيام، شهر التراويح التي طالما اهتزت لها جدراني وتضوعت بها أرجائي، لكن هذا العام جاء رمضان غريبًا عليّ.

لم تمتلئ ساحاتي بالمصلين .. لم تعلو في أركاني أصوات التراويح .. لم تمتد الصفوف من قبة الصخرة إلى المصلى القبلي كما كانت تمتد كالأمواج البيضاء.

لقد أغلقوا أبوابي .. منعوا المؤمنين من الصلاة .. حاصروني بالحواجز والجنود .. وصار الذين جاؤوا من بعيد يصلّون حولي لا فيَّكأنهم يطوفون بأسيرٍ لا يستطيعون فك قيوده!

أيُّ حزنٍ هذا الذي يسكن حجري؟ وأيُّ وجعٍ هذا الذي يسكن ساحاتي؟ لقد كنتُ عبر القرون قلبَ الأمة النابضفكيف صرتُ اليوم أسيرًا في قلبها؟

أتعلمون من أنا؟

أنا المسجد الذي صلى فيه الأنبياء .. أنا الموضع الذي أمَّ فيه محمدٌصلى الله عليه وسلمجميع الأنبياء ليلة الإسراء .. أنا المسجد الذي قال عنه رسول اللهصلى الله عليه وسلم -: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى“. [رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397)].

أنا القبلة الأولى التي تَوَجَّه إليها المسلمون في صلاتهم سنين طويلة .. أنا الأرضُ التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “ائْتُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلُّوا فِيهِ“. (رواه أحمد، وحسنه جماعة من أهل العلم). أنا تاريخكموأنا جزء من عقيدتكموأنا آية من آيات ربكم، فكيف صرتُ غريبًا بينكم؟

قرون من الأسر

لست أسيرًا منذ اليوم فقط.

لقد مضت عقود طويلة وأنا تحت الاحتلال .. كل يوم تُنتهك حرمتي .. كل يوم يُدنَّس ترابي .. كل يوم يُضيَّق على المصلين في ساحاتي، وأنا أراقبكم

أرى الملايين منكم في مشارق الأرض ومغاربها .. أرى الجموع التي تملأ الملاعب والشوارع والأسواق .. لكنني قلما أرى أمة تهبّ لأسيرها الأكبر .. لقد كنتُ عبر التاريخ عنوان كرامتكم.

حين ضعتُ بكى العلماء، وحين استعدتموني ارتفعت رايات العزة .. حين فتحني عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخلني متواضعًا، يمشي في طرقاتي خاشعًا، ويقول: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله“.

وحين حُرِّرتُ على يد صلاح الدين الأيوبي، سالت دموع الفرح في أركاني، وعاد الأذان يصدح في سمائي بعد سنين من الصمت، لكنني اليوم أنتظر صلاح الدين جديدًا.

أيها المسلمونلماذا طال صمتي؟

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. أخاطبكم اليوم لا بالحجر بل بالقلب .. لقد طال أسري .. وطال صبر حجري .. وطال انتظاري.

كم مرةً ناديتكم؟ كم مرةً صرخت في ضمائركم؟ كم مرةً ارتفعت من ساحاتي أصوات المرابطين والمرابطات وهم يستغيثون بكم؟ لكن أصواتهم ضاعت في ضجيج الدنيا.

يا أمة الإسلام .. أيعقل أن يُحاصر ثالث مساجدكم، فلا تهتز قلوبكم؟ أيعقل أن يُمنع المصلون من التراويح في شهر رمضان، فلا يغلي في عروقكم الدم؟ إنني لا أعاتبكم لأجل نفسي فقط
بل أعاتبكم لأجل دينكم.

أنا مرآة حالكم

اعلموا أن أسري ليس حادثة سياسية فقط .. إنه مرآة حالكم .. حين كانت قلوبكم عامرة بالإيمان كنتُ حرًّا، وحين كانت صفوفكم موحَّدة كنتُ مهابًا، لكن حين تفرقت قلوبكم
وتنازعتم، وانشغلتم بدنياكم .. سقطت هيبتكم، وصرتُ أنا أول الضحايا.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. لقد ذهبت ريحكم، فجاءت أضعف عصابة عرفها التاريخ لتتسلط عليّ.

من سلَّمني؟

لم يأخذني أعداؤكم بقوتهم فقط، بل أخذوني بضعفكم .. لم ينتصروا بشجاعتهم فقط، بل انتصروا بفرقتكم .. إن التاريخ يعلموأنتم تعلمونأن الأمة التي فتحت نصف العالم لا يعجزها تحرير مسجد، لكن المشكلة ليست في القدرة .. المشكلة في الإرادة.

رمضان بلا تراويح في الأقصى

تخيلوا معي هذا المشهد: رمضان يأتي، والأقصى خالٍ، لا صفوف تمتد في الساحات، لا بكاء في السحر، لا دعاء في القنوت.

بدل ذلك، جنودٌ مدججون بالسلاح، حواجز حديدية، ووجوه غريبة تجوس خلال الديار، وأنا أنظر إلى السماء وأسأل: أين أمة محمد؟

رسالة إلى قلوبكم

أيها المسلمون .. لا تظنوا أنني أطلب المستحيل .. أنا لا أطلب إلا ما يليق بأمة القرآن، أطلب أن تستيقظ قلوبكم، أن تعود إليكم روح العزة.

أن تتذكروا أنكم أمة قال الله عنها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران: 110]. أمةٌ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أمةٌ لا تقبل أن يُدنَّس مسجدها.

فكُّ أسري يبدأ من هنا

اعلموا أن الطريق إليَّ لا يبدأ بالسلاح فقط، بل يبدأ بالقلوب، يبدأ بالإيمان، يبدأ بوحدة الأمة.

يبدأ بأن تعودوا إلى ربكم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. فانصروا دين الله ينصركم الله.

أمل لا يموت

رغم حزني، ورغم ألمي، فإنني لا أفقد الأمل، لقد رأيت عبر التاريخ أممًا تنهض بعد سقوط، ورأيت قلوبًا تستيقظ بعد غفلة، وأنا أعلم أن في أمة محمد رجالًا ونساءً لا يزالون يحملون في صدورهم نار الغيرة عليّ.

أعلم أن يوم حريتي سيأتي، وسيعود الأذان يملأ سمائي، وسيعود المصلون يملؤون ساحاتي، وسيعود رمضان إليّ كما كان .. ليالي قيام، ودموع دعاء، وصفوف سجود.

كلمتي الأخيرة

يا أمة الإسلام! أنا الأقصى، أنا أمانة في أعناقكم، أنا جزء من عقيدتكم، فلا تتركوني وحيدًا .. لا تجعلوا حجري يبكي، ولا تجعلوا تاريخكم يكتب أن المسجد الأقصى استغاث بأمته فلم تجبه.

تذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ“. (رواه الطبراني، وحسنه بعض أهل العلم).

فهل تهتمون؟ هل تستيقظون؟ هل ترفعون رؤوسكم؟ أنا الأقصى .. وما زلت أنتظر .. أنتظر أمةً تعرف قدر نفسها، وأمةً تعرف قدر مسجدها، وأمةً تعرف أن تحرير الأقصى ليس حلمًا، بل وعدٌ من الله .. وعدًا لا يتخلف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى