
واقِعُ مجلسِ السَّلامِ وفَرْضُ القَراراتِ السِّياديَّةِ – غزَّةُ نموذجًا
🖋 د. سلمان السعودي
………………..
القارئُ الجيِّدُ لما يدورُ في أروقةِ البيتِ الأمريكيِّ حولَ ما يتعلَّقُ بساحةِ غزَّة، وخاصَّةً الخُطَّةَ «الترامبيَّة» لحلِّ النِّزاعِ القائمِ في الميدانِ الغزِّيِّ بينَ الاحتلالِ الإسرائيليِّ والمقاومة، والتي من نتاجِها تشكيلُ مجلسِ سلام، بغضِّ النظرِ عمَّن يؤيِّدُ ومن يُعارِض، لا يَغيبُ عنه كونُ المُفترَضِ أن تكونَ مجالسُ السَّلامِ أُطُرًا معنيَّةً بحمايةِ السِّلم، ومنعِ تفاقُمِ الصِّراعات، وتعزيزِ الحلولِ العادلة.
إلَّا أنَّ الواقعَ العمليَّ يُظهِرُ، في بعضِ النماذج، انزلاقَها نحوَ دورٍ سياسيٍّ يتجاوزُ الوساطةَ إلى فرضِ قراراتٍ سياديَّةٍ تمسُّ مصيرَ الشعوب، وتُعَدُّ قضيَّةُ غزَّةَ أبرزَ نموذجٍ لذلك.
إنَّ واقعَ مجلسِ السَّلامِ «الترامبي» في تجربةِ غزَّةَ يكشفُ عن حقيقةٍ مُرَّة، ألا وهي: أنَّ هذا المجلسَ جاء لفرضِ القراراتِ السياديَّةِ على غزَّة، فهذا المجلسُ وإن تغلَّفَ بخطابِ السَّلام، فإنَّه يُقوِّضُ جوهرَ السَّلامِ نفسَه.
حقيقةُ مشروعِ مجلسِ السَّلامِ الترمبي:
السَّلامُ الَّذي لا يَحترمُ السِّيادةَ ولا يُنصِفُ الضَّحايا، ليسَ سَلامًا، بل شَكلًا مُقنَّعًا من أشكالِ الهيمنةِ السِّياسيَّةِ، والسِّيادةِ الاستعماريَّة.
فالسَّلامُ الحقيقيُّ لا يُمكنُ أن يقومَ على تعطيلِ سيادةِ شعبٍ على أرضِه، من أجلِ أن تحلَّ سيادةُ مُستعمِر. ونُوضِّحُ حقيقةَ هذا المشروعِ في عدَّةِ بنود:
البندُ الأوَّل: تحوُّلُ المشروعِ من بناءِ السَّلامِ إلى إدارةِ الصِّراع
في سياقِ غزَّة، لم يَعُدْ خطابُ السَّلامِ مُنصبًّا على معالجةِ جذورِ الصِّراع، بل تحوَّلَ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى إدارةِ الأزمةِ وتجميدِها، عبرَ قراراتٍ تُفرَضُ على الطرفِ الأضعف، دونَ مراعاةٍ لحقِّه في السِّيادةِ أو تقريرِ المصير. ويُمكنُ إجمالُ ذلك في النقاطِ التالية:
أولًا: التحوُّلُ في مفهومِ السَّلامِ نفسِه:
كان السَّلامُ سابقًا يُقدَّمُ بوصفِه مُعالِجًا لأسبابِ الصِّراع، وهي: الاحتلال، وتقريرُ المصير، وقضيَّةُ اللاجئين، والسِّيادة؛ فكان قائمًا على قراراتِ الشَّرعيَّةِ الدُّوليَّة.
أمَّا السَّلامُ اليوم، فقد أُعيدَ تعريفُه ليُصبحَ إدارةً لـ«التهدئةِ والاستقرارِ الأمنيِّ» أو منعِ التَّصعيد. فجوهرُ مجلسِ السَّلامِ الترمبي هو إدارةٌ مستمرَّةٌ للأزمة بدلَ حلِّها، وفصلُ القضايا الإنسانيَّةِ عن القضايا السِّياسيَّة. فإنَّ هذا التحوُّلَ النظريَّ يُمهِّدُ لتقبُّلِ فرضِ حلولٍ أُحاديَّةٍ على الطرفِ الأضعف.
ثانيًا: تهميشُ جذورِ الصِّراعِ في الخطابِ الدُّوليِّ:
إنَّ الدليلَ الأبرزَ على ذلك هو الغيابُ شبهُ الكاملِ في الخطابِ السِّياسيِّ الدُّوليِّ عن الاحتلالِ بوصفِه سببًا بنيويًّا للعنف، والحصارِ كأداةِ عقابٍ جماعيٍّ، وإهمالِ الحقِّ في تقريرِ المصير.
وفي المقابل، يتركَّزُ الخطابُ على «حقِّ إسرائيلَ في الدِّفاعِ عن النَّفس»، و«منعِ العنفِ الصادرِ من غزَّة»، و«احتواءِ الفصائلِ وتجريدِها من سلاحِها».
فعندما تُختَزَلُ المشكلةُ في «سلوكِ غزَّة» لا في البنيةِ السِّياسيَّةِ الحاكمةِ للصِّراع، يُصبحُ فرضُ القراراتِ عليها أمرًا مُبرَّرًا في الخطابِ الدُّوليِّ.
ثالثًا: إدارةُ غزَّةَ كملفٍّ أمنيٍّ–إنسانيٍّ لا كقضيَّةٍ سياسيَّة:
يتعاملُ مشروعُ مجلسِ السَّلامِ الترمبي مع غزَّةَ باعتبارِها:
٠ مشكلةً أمنيَّةً يجبُ احتواؤُها.
٠ وملفًّا إنسانيًّا يحتاجُ إلى مساعداتٍ مشروطة.
الأدلَّةُ على ما سبق:
٠ ربطُ إعادةِ الإعمارِ بالتهدئةِ ونزعِ السِّلاح.
٠ اشتراطُ إدخالِ المساعداتِ بآليَّاتٍ رقابيَّةٍ تمسُّ القرارَ الدَّاخليَّ.
٠ غيابُ أيِّ مسارٍ سياسيٍّ موازٍ يرفعُ الحصارَ أو يُنهي الاحتلال.
وهذا يؤكِّدُ أنَّ مشروعَ مجلسِ السَّلامِ الترمبي جاء لإدارةِ السُّكَّانِ وفقَ القرارِ الصِّهيو–أمريكيِّ، ولم يأتي لتمكينِهم سياسيًّا.
البندُ الثاني: فَرْضُ القَراراتِ السِّياديَّةِ تحتَ غِطاءِ السَّلامِ:
يُجسِّدُ هذا النمطُ المعاصرُ من إدارةِ الصِّراعاتِ استخدامَ خطابِ «السَّلام» لا لإنهاءِ أسبابِ النِّزاع، بل لإعادةِ تشكيلِ ميزانِ القوَّةِ وترسيخِ الأمرِ الواقعِ بطريقةٍ تبدو شرعيَّةً وأخلاقيَّة، وتحويلِ السَّلامِ من مشروعِ تحرُّرٍ وعدالةٍ إلى تقنيَّةِ حُكمٍ وهيمنة، تُدارُ بها الصِّراعاتُ بدلَ حلِّها، ويُفرَضُ بها الواقعُ على مَن لا يملكُ القوَّةَ لرفضِه.
مظاهرُ فرضِ القراراتِ السِّياديَّةِ في نموذجِ غزَّة:
ويتجلَّى فرضُ القراراتِ السِّياديَّةِ في نموذجِ غزَّةَ من خلالِ ما يلي:
٠ التدخُّلِ في الشُّؤونِ الدَّاخليَّةِ، وإعادةِ تشكيلِ المشهدِ السِّياسيِّ.
٠ ربطِ وقفِ العدوانِ أو الدَّعمِ الإنسانيِّ بشروطٍ سياسيَّةٍ ذاتِ طابعٍ سياديٍّ.
٠ تجاهُلِ الإرادةِ الشَّعبيَّةِ لسُكَّانِ غزَّةَ.
٠ تكريسِ معادلةِ الأمنِ بدلَ الحقوق.
وهو ما جعلَ السَّلامَ وسيلةَ ضغطٍ لا مسارًا عادلًا، وأدَّى إلى نزعِ الطابعِ السِّياسيِّ عن القضيَّة، ومن أخطرِ مظاهرِ هذا النمط:
٠ فصلُ البعدِ الإنسانيِّ عن البعدِ السِّياسيِّ.
٠ التَّعاملُ مع السُّكَّانِ بوصفِهم مشكلةً معيشيَّةً لا جماعةً لها حقوقٌ سياديَّةٌ.
٠ تحويلُ الصِّراعِ من قضيَّةِ تحرُّرٍ إلى ملفٍّ لإدارةِ السُّكَّان.
البندُ الثَّالث: غيابُ الحيادِ وازدواجيَّةُ المعايير:
إنَّ التَّعاطيَ مع غزَّةَ بهذه المعاييرِ يُظهِرُ انحيازًا بيِّنًا في تطبيقِ معاييرِ «السَّلامِ الترمبي»، حيثُ يُترَكُ الطرفُ المُعتدي دونَ محاسبة، في مقابلِ ممارسةِ ضغوطٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ واقتصاديَّةٍ على الطرفِ المُتضرِّرِ بسببِ ضعفِه، وهو ما يُفقِدُ مجالسَ السَّلامِ المزعومةَ مشروعيتَها الأخلاقيَّة.
كما يفتقدُ السَّلامُ الترمبي للحياديَّة، ممَّا جعله أداةَ ضبطٍ لا مسارَ عدالة، إذ جرى تكريسُ المعادلاتِ التالية:
➖ ️السَّلامُ = الهدوءُ الأمنيُّ.
➖ ️العدالةُ = أمرٌ مُؤجَّلٌ أو غيرُ مطروح.
➖ ️السِّيادةُ = مسألةٌ غيرُ قابلةٍ للنِّقاش.
➖ ️الغذاءُ والإعمارُ = حلُّ الفصائلِ وتسليمُ السِّلاح.
والهدفُ من ذلك كلِّه هو: إدارةُ الغضبِ لا إزالةُ أسبابِه.
البندُ الرَّابع: تأثيرُ ذلك على مفهومِ السَّلام:
لقد أدَّى هذا النهجُ السِّياديُّ في مشروعِ السَّلامِ إلى:
٠ تشوُّهِ مفهومِ السَّلامِ في الوعيِ الجمعيِّ.
٠ ترسيخِ فكرةِ أنَّ السَّلامَ يُفرَضُ ولا يُنتَج.
٠ تحويلِ مجالسِ السَّلامِ إلى أدواتِ إدارةِ صراعٍ بدلَ بنائِه.
وإنَّ حقيقةَ السَّلامِ العادل، كما يُؤكِّدُ نموذجُ غزَّة، تتجلَّى في الآتي:
٠ السَّلامُ لا يمكنُ أن يقومَ على تعطيلِ السِّيادةِ لأصحابِ الحقوق.
٠ أيُّ مجلسِ سلامٍ يَفقِدُ الحيادَ يتحوَّلُ إلى أداةِ فرضٍ سياسيٍّ وسياديٍّ.
٠ السَّلامُ المُستدامُ يبدأُ بالعدالةِ والمحاسبة، لا بالقهرِ والإذلال.
٠ فأيُّ عدالةٍ هذه في مجلسِ السَّلامِ المزعومِ الذي يدعمُ المُحتلَّ بكلِّ أنواعِ السِّلاحِ والقوَّة، ويَفرِضُ على الضحيَّةِ نزعَ سلاحِها المشروعِ دوليًّا للدفاعِ عن حقوقِها؟
مقارباتٌ نقديَّةٌ للسِّياسةِ الترمبيَّة:
ذكرَ الكاتبُ السِّياسيُّ “خليلُ العناني” في تحليلِه للموقفِ الذي اتَّخذه الرَّئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب، أنَّ:
ترامبَ يعملُ على تفكيكِ النِّظامِ الدُّوليِّ الذي أسَّستهُ الولاياتُ المتَّحدةُ بعدَ الحربِ العالميَّةِ الثَّانية، أي قبلَ نحوِ ثمانينَ عامًا، وذلك لبناءِ عالمٍ «ترامباويٍّ» جديد، يُدارُ بالكَرباجِ والابتزازِ، لا بالقواعدِ والمؤسَّسات.
وآخرُ شخصٍ حاولَ فرضَ نظامٍ عالميٍّ بهذه الطَّريقةِ كان هتلر، وكانت نهايتُه الهزيمةَ الكاملةَ والانتحار، بعدَ أن جرَّ العالمَ إلى الخراب.
مجلسُ السَّلامِ بديلًا عن مجلسِ الأمن – رؤيةٌ ترامبيَّة:
ذكرت وسائلُ إعلامٍ أمريكيَّة، يومَ السَّبت 17 يناير/كانون الثاني 2026، أنَّ إدارةَ الرَّئيسِ الأمريكيِّ دونالد ترامب قد تنظرُ إلى «مجلسِ السَّلام» برئاسةِ الزَّعيمِ الأمريكيِّ كبديلٍ مُحتملٍ للأممِ المتَّحدة، على أن يهدفَ المجلسُ إلى حلِّ النِّزاعاتِ خارجَ قطاعِ غزَّة.
وقالت صحيفةُ «فايننشال تايمز»، نقلًا عن مصدرٍ مُطَّلع: «إنَّ إدارةَ ترامب تعتبرُ مجلسَ السَّلامِ بمثابةِ بديلٍ مُحتملٍ للأممِ المتَّحدة… نوعًا من الهيئةِ غيرِ الرَّسميَّةِ الموازيةِ لإدارةِ النِّزاعاتِ خارجَ غزَّة».
وأشارتِ الصَّحيفةُ إلى أنَّ المجلسَ سيُعرَضُ في المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ في دافوس الأسبوعَ التالي، مع بقاءِ التَّفاصيلِ المتعلِّقةِ بكيفيَّةِ عملِه غيرَ واضحةٍ حتَّى ذلك الوقت.
وقد انعقدَ المنتدى فعلًا في الفترةِ من 19 إلى 23 يناير/كانون الثاني 2026، حيثُ أعلنَ ترامب رسميًّا تأسيسَ مجلسِ السَّلامِ في منتدى دافوس الاقتصاديِّ، ودعا مجموعةً من الدُّولِ للانضمامِ إليه (الجزيرة نت).
وعن طبيعةِ العلاقةِ مع الأممِ المتَّحدة، قال ترامب: «إنَّ المجلسَ ليس بديلًا للأممِ المتَّحدة، لكنَّه يهدفُ إلى إدارةِ السَّلامِ والاستقرارِ في النِّزاعات، وقد يصلُ نطاقُه إلى ما هو أبعدُ من غزَّة» (الجزيرة نت).
وفي الوقتِ نفسِه، تذهبُ تكهُّناتٌ وتحليلاتٌ في وسائلِ الإعلامِ وبعضِ الدَّوائرِ السِّياسيَّةِ إلى أنَّ مثلَ هذا المجلسِ قد يُشكِّلُ بديلًا عمليًّا، أو منافسًا مباشرًا، لمجلسِ الأمنِ التَّقليديِّ في إدارةِ الصِّراعاتِ الدُّوليَّة، خاصَّةً إذا ما توسَّعَ دورُه خارجَ غزَّة.
وكانَ مجلسُ الأمنِ التابعُ للأممِ المتَّحدةِ قد أقرَّ، في منتصفِ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قرارًا مُقدَّمًا من الولاياتِ المتَّحدةِ لدعمِ الخُطَّةِ الشَّاملةِ للرَّئيسِ ترامب لتسويةِ الوضعِ في قطاعِ غزَّة، حيثُ أيَّدَ القرارَ 13 عضوًا من أصلِ 15، فيما امتنعت روسيا والصين عن التَّصويت.
وتشملُ الخُطَّةُ الأمريكيَّةُ إدارةً دوليَّةً مؤقَّتةً للقطاع، وإنشاءَ «مجلسِ السَّلام» برئاسةِ ترامب، مع تفويضٍ أمنيٍّ لقوَّاتِ استقرارٍ دوليَّةٍ تُنشرُ بالتَّنسيقِ مع إسرائيلَ ومصر، في حينِ لم تُعلَن بعدُ تفاصيلُ تشكيلِ هذه القوَّات.
كما تستبعدُ خطَّةُ ترامب أيَّ مشاركةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ لحركةِ «حماس» في إدارةِ القطاعِ مستقبلًا، وقد أكَّدَ رئيسُ وزراءِ إسرائيل بنيامين نتنياهو، ومسؤولون إسرائيليون آخرون، مرارًا أنَّ إسرائيلَ ماضيةٌ في القضاءِ الكاملِ على الحركةِ سياسيًّا وعسكريًّا.
مشروعُ ترامب: إعادةُ ترتيبِ المنطقةِ لا مشروعُ سلام:
من خلالِ طرحِ ترامب لخُطَّةِ «السَّلام» وفرضِ بنودِها الجائرةِ والمنحازةِ للاحتلالِ الإسرائيليِّ، يتَّضحُ لنا أنَّ مشروعَ ترامب عن «السَّلام» في المنطقةِ لا يُقصدُ به السَّلامُ بالمعنى الحقيقيِّ والمتوازن، بل هو مشروعُ إعادةِ ترتيبِ المنطقةِ بما يخدمُ ميزانَ القوَّةِ وسيادةَ طرفٍ واحد. وهو ما يجعلُ كثيرينَ يرونَه مشروعَ سيطرةٍ وسيادةٍ أكثرَ منه مشروعَ سلام.
ونُوضِّحُ ذلك من خلالِ الإجابةِ عن ثلاثةِ أسئلة:
السؤالُ الأوَّل: ماذا يقصدُ ترامبُ بـ«السَّلام»؟
لقد تكرَّرتْ خطاباتُ ترامب ومبادراتُه، وخصوصًا فيما عُرِفَ بـ«صفقةِ القرن»، التي جاءت مبادئُها لتُعلنَ على الملأ أنَّ: السَّلامَ = إنهاءُ الصِّراعِ بشروطِ القوَّةِ القائمة، لا سلامًا قائمًا على العدالةِ، وإنهاءِ الاحتلالِ، والحقِّ في السِّيادةِ الفلسطينيَّةِ الكاملة.
بل إنَّ السَّلامَ المطروحَ في رؤيتِه يقومُ على:
٠ تطبيعٍ عربيٍّ شامل.
٠ أمنيَّةِ إسرائيلَ أولًا.
٠إدارةِ الفلسطينيِّينَ ذاتيًّا دونَ سِيادةٍ حقيقيَّة.
السؤالُ الثاني: لماذا يُفهمُ كمشروعِ سيادة؟
يُفهَمُ مشروعُ ترامب على أنَّه مشروعُ سيادةٍ، لأنَّ عناصرَه الأساسيَّةَ تقومُ على الاعترافِ بالقدسِ عاصمةً لإسرائيل، وشرعنةِ ضمِّ الأراضي المحتلَّة، ونزعِ القرارِ السِّياديِّ الفلسطينيِّ (في مجالاتِ الحدودِ، والأمنِ، والموارد)، وتحويلِ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ من قضيَّةِ تحرُّرٍ وطنيٍّ إلى قضيَّةٍ معيشيَّةٍ واقتصاديَّة.
إنَّ هذا «السَّلام» بهذا الطرحِ ليس سلامًا بينَ طرفينِ متكافئَين، بل هو فرضُ نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ بالقوَّة، والمال، والضغطِ الدُّوليِّ.
السؤالُ الثَّالث: ماذا عن «مجلسِ السَّلامِ» المطروح؟
إنَّ مجلسَ السَّلامِ المطروحَ، بإدارةٍ مشتركةٍ وإشرافٍ دوليٍّ، يُقرأُ في هذا السِّياق بوصفِه أداةً لضبطِ المنطقةِ أمنيًّا، وإدارةِ الصِّراعِ بدلَ حلِّه، وإقصاءِ الفاعلِ المحلِّيِّ الحقيقيِّ.
فهو، في جوهرِه، سلامٌ إداريٌّ لفرضِ السِّيادةِ والهيمنة، إذ لا يقومُ على العدالة، ولا على الاعترافِ بالحقوقِ الكاملة، بل هو مشروعُ إدارةٍ وهيمنةٍ سياسيَّةٍ مُغلَّفٌ بلغةِ السَّلام.
التحليلُ القانونيُّ لما يُسمَّى بمشاريعِ السَّلام:
فيما يلي تحليلٌ قانونيٌّ بحتٌ لما سُمِّي بمشاريعِ «السَّلام» في عهدِ ترامب، بما في ذلك فكرةُ إدارةِ «مجلسِ السَّلام»، بعيدًا عن الخطابِ السِّياسيِّ:
النص الآن مهيَّأ تمامًا للدخول في تحليل قانوني صارم (الشرعية الدولية، مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، تقرير المصير، الوصاية الدولية).
أولًا: الإطارُ القانونيُّ الحاكم:
إنَّ أيَّ مبادرةِ سلامٍ في فلسطينَ أو في المنطقةِ برُمَّتِها يجبُ أن تتَّخذَ طابعَ القانونِ الدُّوليِّ، وأن تُقاسَ على:
٠ ميثاقِ الأممِ المتَّحدة.
٠ قراراتِ مجلسِ الأمن، ولا سيَّما القرارات: 242، 338، 2334.
٠ اتِّفاقيَّاتِ جنيفَ الأربعِ لعام 1949م.
٠ القواعدِ العُرفيَّةِ للقانونِ الدُّوليِّ الإنسانيِّ.
٠ مبدأِ حقِّ الشُّعوبِ في تقريرِ المصير، بوصفِه قاعدةً آمِرةً (Jus Cogens).
٠ قراراتِ مجلسِ الأمنِ والجمعيَّةِ العامَّةِ ذاتِ الصِّلةِ بالقضيَّةِ الفلسطينيَّة.
٠ وأيُّ مبادرةِ سلامٍ لا تلتزمُ بهذه المرجعيَّات، تُعدُّ، من منظورٍ قانونيٍّ، فرضَ سيادةٍ يتَّفقُ مع مصلحةِ الطرفِ الأقوى، لا تسويةً عادلة.
ثانيًا: أينَ يَقَعُ الخَلَلُ القانونيُّ؟
إنَّ القارئَ الجيِّدَ والمتابعَ للخطاباتِ والقراراتِ الصادرةِ عن مشاريعِ «السَّلام» المطروحةِ يجدُ انتهاكاتٍ صارخةً للقانونِ الدُّوليِّ، يمكنُ إجمالُ أبرزِها فيما يلي:
انتهاكُ حقِّ تقريرِ المصير:
وهو حقٌّ أقرَّهُ ميثاقُ الأممِ المتَّحدة، وقراراتُ مجلسِ الأمن، واتِّفاقيَّاتُ جنيفَ الأربع. ويُعدُّ حقُّ تقريرِ المصير غيرَ قابلٍ للتصرُّف، وأيُّ مشروعٍ لا يمنحُ الفلسطينيِّينَ سيادةً كاملة، أو يفرضُ وصايةً، أو إدارةَ مجلسٍ فوقَ إرادتِهم، يُعدُّ باطلًا قانونيًّا. فالسَّلامُ لا يُفرَضُ إداريًّا، بل يُنتَجُ بإرادةِ أصحابِ الأرض.
عدمُ جوازِ الاستيلاءِ على الأرضِ بالقوَّة:
وهو مبدأٌ ثابتٌ منذ عام 1945، ومفادُه أنَّه «لا يجوزُ اكتسابُ الأرضِ بالقوَّة». وعليه، فإنَّ أيَّ مشروعٍ يُقِرُّ ضمَّ القدسِ، أو توسيعَ المستوطنات، أو فرضَ سيطرةٍ أمنيَّةٍ دائمة، يُشكِّلُ مخالفةً صريحةً للقانونِ الدُّوليِّ.
تحويلُ الاحتلالِ إلى «إدارةٍ مدنيَّة»:
إنَّ فكرةَ «مجلسِ سلام» أو «إدارةٍ مشتركةٍ» أو «إشرافٍ دوليٍّ» بلا سيادةٍ حقيقيَّة، تُصنَّفُ قانونيًّا على أنَّها إعادةُ توصيفٍ للاحتلال، لا إنهاءٌ له، وهو ما ترفضُه محكمةُ العدلِ الدُّوليَّة (الرأيُ الاستشاريُّ لعام 2004 بشأنِ الجدار)، كما يرفضُه القانونُ الدُّوليُّ الإنسانيُّ.
إسقاطُ المرجعيَّةِ الدُّوليَّة:
تجاهلت مشاريعُ ترامب الأممَ المتَّحدة، واستبدلتِ القانونَ الدُّوليَّ بـ«اتِّفاقاتٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّة». غير أنَّه، من الناحيةِ القانونيَّة، لا يملكُ أيُّ طرفٍ – ولو كان قوَّةً عُظمى – إلغاءَ القواعدِ الآمرة. فالاتِّفاقاتُ المخالفةُ للقواعدِ الآمرة تُعدُّ باطلةً بطلانًا مُطلقًا.
السَّلامُ الاقتصاديُّ لا يُعادِلُ السَّلامَ القانونيَّ:
لا يعترفُ القانونُ الدُّوليُّ بتحسينِ الأوضاعِ الاقتصاديَّةِ بوصفِه بديلًا عن الحقوقِ السِّياديَّة، ولا يجوزُ استبدالُ الأرضِ، والسِّيادةِ، والحدودِ، بمشاريعَ استثماريَّةٍ أو حِزَمٍ اقتصاديَّة.
ثالثًا: توصيفٌ قانونيٌّ دقيقٌ لمشاريعِ السلام (من زاوية القانون الدولي):
تُصنَّفُ هذه المشاريع، من منظورٍ قانونيٍّ، على النحو التالي:
٠ ليست اتفاق سلام دوليًّا.
٠ ليست تسويةً نهائيةً مشروعة.
بل هي ترتيباتٌ إداريةٌ قسريةٌ تحت الاحتلال، تهدفُ إلى إدارةِ الصراع لا إلى إنهائه.
الخلاصة القانونية:
أيُّ «مجلسِ سلام» لا ينبثقُ من إرادةِ الشعبِ الواقعِ تحت الاحتلال، ولا ينهي الاحتلال، ولا يُعيدُ السيادةَ، هو كيانٌ غيرُ شرعيٍّ قانونيًا مهما كانت تسميته.
التفصيل القانوني لمجلسِ السَّلامِ الترمبي وفق اتفاقيات جنيف:
فيما يلي تفصيلٌ قانونيٌّ دقيقٌ وفق اتفاقياتِ جنيف، يوضحُ لماذا تُعدُّ أيَّ صيغةٍ «مجلسِ سلامٍ» أو «إدارةِ سلامٍ» مطروحةً في سياقِ مشاريعِ ترامب مخالِفةً للقانون الدولي الإنساني، وليست سلامًا مشروعًا:
أولًا: الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وفق القانون الدولي:
٠ غزة والضفة والقدس ٠ الشرقية = أراضٍ محتلة ينطبق عليها نظامُ الاحتلالِ الحربي، والمرجعُ الأساسيُّ: اتفاقيةُ جنيف الرابعة (1949).
٠ تغييرُ التسمية (مجلسُ سلام – إدارة – وصاية) لا يُغيّر الوضعَ القانونيَّ للأرض.
ثانيًا: تحليل مواد اتفاقية
جنيف الرابعة:
1- المادة (47) – عدم المساس بالحقوق
«لا يُحرم الأشخاص المحميون… من حقوقهم بأي تغيير يُحدثه الاحتلال في المؤسسات أو السلطات.»
إنشاءُ مجلسِ سلامٍ أو إدارةٍ بديلةٍ يلتفُّ على الحقوقِ الأصليةِ ويفرضُ واقعًا جديدًا دون موافقةِ الشعب، فأيُّ اتفاقٍ يُبرمُ تحت الاحتلال لا يُسقطُ الحقوق، ويُعتبر باطلاً قانونيًا.
2- المادة (49) – حظر نقل السكان والضم
«يحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة.»
فمشاريعُ السلامِ التي تُقرُّ المستوطنات أو تتعاملُ معها كواقعٍ تُعدُّ إضفاءَ شرعيةٍ على جريمةٍ مستمرة. فمجلسُ سلامٍ لا يُزيلُ المستوطنات = تكريسُ جريمةِ حرب.
3- المادة (64) – حدود السلطة الإدارية
«لا يجوز لدولة الاحتلال تعديل القوانين إلا للضرورة الأمنية المؤقتة.»
إنشاءُ مجلسِ سلامٍ دائمٍ يعتبرُ نظامَ حكمٍ جديدًا، وصلاحياتٍ سياديةٍ بديلةً، وتجاوزًا صريحًا لوظيفةِ الاحتلالِ المؤقت.
4-٤ المادتان (65–66) – القضاء والسيادة
الاحتلالُ لا يملكُ إنشاءَ نظامٍ قضائيٍّ دائمٍ ولا نقلَ الاختصاصِ السيادي.
وأيُّ مجلسٍ يُصدرُ قراراتٍ سياسية، أو يملكُ سلطةً تشريعيةً، هو انتحالٌ للسيادة.
5- المادة (1 المشتركة) – واجب الدول
«تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة باحترام وضمان احترام الاتفاقية.»
ولهذا يعتبرُ القانونُ الدولَ الداعمةَ أو المشاركةَ في مجلسِ سلامٍ مسؤولةً دوليًا، في حال ساهمت هذه الدول في تثبيت الاحتلال أو التحايل قانونيًّا لتثبيته. وليست المسألةُ مسألةً سياسيةً، بل هي مسؤوليةٌ قانونية.
ثالثًا: الاحتلال لا يتحول إلى سلامٍ إداري
اتفاقياتُ جنيف لا تعترف باحتلالٍ مُلطَّفٍ أو سلامٍ اقتصاديٍّ، ولا بإدارةٍ إنسانيةٍ بديلةٍ عن السيادة. بل تنصُّ الاتفاقياتُ على أنَّ الاحتلالَ حالةٌ مؤقتةٌ تنتهي فقط بإنهائه الكامل.
رابعًا: المقارنة القانونية
ما يُطرح تحت اسم «مجلسِ سلام» أو «إدارةٍ انتقاليةٍ مفتوحة» أو «إشرافٍ دوليٍّ بلا سيادة» فهو، في القانون الدولي، يشبه نظامَ الانتداب والبانتوستانات والحكم الذاتي القسري. وكلُّها: مرفوضةٌ قانونيًا وقد سقطت تاريخيًا.
الخلاصة وفق اتفاقيات جنيف:
أيُّ مشروعٍ لا يُنهي الاحتلالَ، ولا يُعيد الأرض، ولا يمنح سيادةً كاملةً لأصحابِ الأرض، ويفرضُ إدارةً بديلةً، فهو ينتهك اتفاقيةَ جنيفَ الرابعة مادةً وروحًا، ولا يُعدُّ سلامًا، بل يعدُّ استمرارًا للاحتلال بأدواتٍ جديدة.
المقارنة القانونية بين مجلسِ السلامِ الترمبي وبين نظامِ الانتداب
فيما يلي مقارنةٌ قانونية–تاريخيةٌ دقيقةٌ بين ما طُرح في مشاريعِ ترامب (مجلس سلام أو إدارة سلام) وبين نظامِ الانتداب، مع التركيز على الجوهر لا التسميات:
أولًا: ما هو نظامُ الانتداب قانونيًا؟
أُنشئَ نظامُ الانتداب بموجب عصبةِ الأمم (1919). جوهرُ هذا النظام: إدارةُ إقليمٍ «غير قادرٍ على حكمِ نفسه» تحت إشرافِ قوةٍ كبرى. وقد رُوِّجَ له بلغةٍ مثل: «التهيئةُ للاستقلال»، و«الحماية»، و«التنمية»، لكن عمليًا كان أداةً استعماريةً حديثةً، أخَّرت أو شوّهت الاستقلالَ، وفرضت سيادةً غيرَ مباشرة.
ثانيًا: أوجه التشابه الجوهرية
مشاريع ترامب: (مجلس سلام/إدارة دولية)
الانتداب:
٠ الوصاية بدل السيادة.
٠ قوة منتدِبة تدير الإقليم (مجلس سلام أو إدارة دولية).
٠ لا سيادة حقيقية للشعب
٠ حكم ذاتي بلا سيادة
٠ إدارة بدل تحرر
٠ قرارات استراتيجية خارجية بيد القوة المهيمنة
٠ أمن وحدود بيد طرف أقوى
٠ السيطرة على القرار بلغة «التهيئة للاستقلال» ولغة «تهيئة للسلام والاستقرار»
٠ لا جدول زمني ملزم، ولا ضمان قانوني، ولا نقل فعلي للسيادة
٠ ثبّت تقسيماتٍ مصطنعة وسهّل الاستيطان
٠ يشرعن الضم ويقبل المستوطنات ويعترف بالقدس الموحدة لإسرائيل
٠ تحويل الجريمة إلى واقعٍ قانونيٍّ مزعوم
٠ تغييب الإرادة الشعبية
٠ انتهاك حق تقرير المصير
الانتداب ومجلس السلام: مقارنة قانونية مختصرة
الانتداب: فُرض دون استفتاء.
مجلس السلام: يُفرض دون موافقةٍ حرة، ودون تمثيلٍ سياديٍّ حقيقي.
وفي ذلك مخالفةٌ مباشرة لمبدأِ تقريرِ المصير.
ثالثًا: التقييم القانوني المعاصر
➖ ️نظامُ الانتداب: أُلغي رسميًّا، واعتُبر مرحلةً استعمارية.
➖ ️القانون الدولي اليوم: يرفض أيَّ وصاية، ويعتبرها انتهاكًا لقواعدَ آمرة.
إعادةُ إنتاجِ الوصاية اليوم: مخالفةٌ أشدُّ جسامة.
خامسًا: الخلاصة من المقارنة
مشاريعُ «مجلسِ السلام» ليست تطورًا على الانتداب، بل نسخةٌ أكثر حداثةً وأقلَّ شرعيةً منه.
➖ ️الانتداب: استعمارٌ مقنّعٌ بشرعية زمنه.
➖ ️المشروع: استعمارٌ إداريٌّ بلا أي شرعية.
عبارةٌ قانونيةٌ جامعة:
كلُّ مشروعٍ يُدارُ فيه الإقليمُ دون سيادته الكاملة، مهما كانت التسمية، هو انتدابٌ بحلّةٍ جديدة.
الخلاصات العامة
يمكن تلخيصُ هذه الدراسة في جملةٍ من الخلاصاتِ الأساسية:
٠ إنَّ «مجلسَ السَّلامِ» التُّرامبيَّ لا يُمثِّلُ إطارًا حقيقيًّا للسَّلام، بل أداةً لإدارةِ الصِّراعِ وفرضِ السِّيادةِ.
٠ إنَّ مشروعَ السَّلامِ المطروحَ يتناقضُ جوهريًّا مع مبادئِ القانونِ الدوليِّ.
٠ لا يمكنُ تحقيقُ سَلامٍ مُستدامٍ دون إنهاءِ الاحتلال، واحترامِ حقِّ تقريرِ المصير.
٠ إنَّ السَّلامَ الذي يُفرَضُ بالقوَّةِ لا يدومُ، بل يُولِّدُ صراعاتٍ أعمقَ.
التوصيات
أولًا: على المستوى القانوني
٠ رفضُ أيِّ إطارٍ سياسيٍّ لا يستندُ إلى مرجعيَّاتِ القانونِ الدولي.
٠ التمسكُ بوضعِ غزَّةَ كإقليمٍ مُحتلٍّ أمامَ جميعِ المحافلِ الدولية.
٠ تفعيلُ المساءلةِ القانونيةِ الدولية بحقِّ قوَّةِ الاحتلال.
ثانيًا: على المستوى السياسي
٠ عدمُ الانخراطِ في «مجلسِ السَّلامِ» أو أيِّ آليَّةٍ بديلةٍ تُقصي الإرادةَ الفلسطينيَّة.
٠ إعادةُ الاعتبارِ لمفهومِ السَّلامِ القائمِ على العدالةِ لا الهيمنةِ.
٠ توحيدُ الموقفِ الفلسطينيِّ لمواجهةِ مشاريعِ التفكيكِ السِّياديِّ.
ثالثًا: على المستوى الحقوقي والإعلامي
٠ فضحُ الطابعِ غيرِ المشروعِ لمجالسِ السَّلامِ المفروضةِ.
٠ تعزيزُ الخطابِ الحقوقيِّ القائمِ على القانونِ الدوليِّ.
٠ مواجهةُ محاولاتِ إعادةِ تعريفِ السَّلامِ بما يخدمُ الاحتلال.
الخاتمة
إنَّ التجربةَ المعاصرةَ لـ«مجلسِ السَّلامِ» في نموذجِ غزَّةَ تُؤكِّدُ أنَّ السَّلامَ لا يمكنُ أن يكونَ مجردَ شعارٍ سياسيٍّ، ولا أداةَ إدارةٍ أمنيَّةٍ، ولا غطاءً لفرضِ السِّيادةِ بالقوَّة. فالسَّلامُ الحقيقيُّ هو ذاكَ الذي ينبعُ من العدالةِ، ويقومُ على إنهاءِ الاحتلالِ، واحترامِ حقِّ تقريرِ المصير، لا على إدارةِ الأزمات وإدامتِها.
وأيُّ مجلسِ سلامٍ لا يلتزمُ بهذه المبادئِ، مهما تزيَّنَ بلغةِ القانونِ والإنسانيةِ، يظلُّ مشروعًا هشًّا، مرفوضًا، ومُدانًا تاريخيًّا وقانونيًّا.
النَّتائجُ القانونيَّةُ والسِّياسيَّةُ
أوّلًا: بُطلانُ «مجلسِ السَّلامِ» من النَّاحيةِ القانونيَّةِ
من خلالِ ما تقدَّمَ من تحليلٍ قانونيٍّ، يتبيَّنُ أنَّ «مجلسَ السَّلامِ» المطروحَ يفتقرُ إلى أيِّ أساسٍ قانونيٍّ مشروعٍ، وذلك للأسبابِ الآتيةِ:
٠ عدمُ استنادهِ إلى تفويضٍ صريحٍ من الأُمَمِ المتَّحدةِ.
٠ تعارُضُه مع مبدأِ حقِّ تقريرِ المصيرِ.
٠ تجاهُلُه للوضعِ القانونيِّ لغَزَّةَ كإقليمٍ مُحتلٍّ.
٠مساهمتُه في شرعنةِ الأمرِ الواقعِ الناتجِ عن القوَّةِ.
وبالتالي، فإنَّ أيَّ قراراتٍ أو إجراءاتٍ تصدرُ عنه تُعدُّ باطلةً قانونًا، ولا تُنشِئُ التزاماتٍ قانونيَّةً على الشعبِ الفلسطينيِّ.
ثانيًا: المسؤوليَّةُ الدوليَّةُ عن دعمِ المجلسِ
إنَّ الدُّولَ التي تُشاركُ أو تدعمُ «مجلسَ السَّلامِ»، وهي على عِلمٍ بمخالفتِه الصَّريحةِ للقانونِ الدوليِّ، تُعرِّضُ نفسَها للمساءلةِ القانونيَّةِ الدوليَّةِ، وفقًا لمبادئِ المسؤوليَّةِ الدوليَّةِ عن الأفعالِ غيرِ المشروعةِ.
ولا يَجوزُ للدُّولِ:
٠ الاعترافُ بوضعٍ غيرِ مشروعٍ.
٠ تقديمُ العونِ أو الدَّعمِ لاستمرارِه.
وهو ما يُحتِّمُ على الدُّولِ احترامَ التزاماتِها القانونيَّةِ، وعدمَ الانخراطِ في آليّاتٍ تُقوِّضُ النظامَ القانونيَّ الدوليَّ.
ثالثًا: المخاطرُ السِّياسيَّةُ
إن المخاطر السياسية المترتِّبةُ على هذا النَّهجِ لا تتوقَّفُ على خطورةُ «مجلسِ السَّلامِ» عندَ حدِّ الخللِ القانونيِّ، بل تمتدُّ إلى آثارٍ سياسيَّةٍ بعيدةِ المدى، من بينها:
٠ تكريسُ منطقِ القوَّةِ بدلَ القانونِ في إدارةِ الصِّراعاتِ.
٠ إضعافُ منظومةِ الأُمَمِ المتَّحدةِ.
٠ شرعنةُ الاحتلالِ المُستمرِّ بصيغٍ جديدةٍ.
٠ تفريغُ مفهومِ السَّلامِ من مضمونه العادِلِ.
وهو ما يُنذِرُ بتحويلِ «السَّلامِ» إلى أداةِ إخضاعٍ سياسيٍّ، لا مسارِ تحرُّرٍ وعدالةٍ.
……………….




