كتب وبحوث

الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين؛ عرض وتقويم كتاب (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور عبد الوهاب فايد أنموذجًا

الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين؛ عرض وتقويم كتاب (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور عبد الوهاب فايد أنموذجًا

حظي مسار الكتابة في مناهج المفسرين بحضور كبير في الساحة العلمية ‏في العصر الحالي، ويحاول هذا المقال عرض وتقويم الطريقة ‏الشائعة التي ‏تنتهجها الدراسات في هذا المسار، وذلك من خلال أحد ‏ المؤلفات التي ‏قامت بدراسة منهج أحد المفسرين.‏

مدخل:

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

  فقد مضى أكثرُ من أربعة عشر قرنًا على تاريخ نزول القرآن ونشأة هذه الأمة المسلمة المباركة، وقد أثمرت هذه القرون تراكمًا معرفيًّا كبيرًا من المؤلَّفات في شتى أنواع العلوم، ومنها حقول الدراسات القرآنية المتعدّدة، ومن أبرز حقول الدراسات القرآنية والتي تدور حوله جميع حقول هذه الدراسات وتخدمه: حقل تفسير القرآن الكريم.

وقد تنوّعت كتب التفسير وتعدّدت مسالكها وطرقها، فأضحت دراسة مناهجها أمرًا ضروريًّا لمعرفةِ الطرق التي أبدعت هذه التفاسير، وللوقوفِ على مسالك مؤلِّفيها ومنطلقاتهم التي أسَّسوا عليها هذه الكتب، وميزِ هذه المصنفات ومعرفة وزن كلّ كتاب منها، ومتابعةِ السير في سبيل نهضة هذا العلم وتطويره.

وقد حظي مسار مناهج المفسّرين بحضورٍ كبيرٍ في الساحة العلمية في العصر الحالي؛ إمّا بالتأليف الجامع، أو بالتأليف الخاصّ لدراسة منهج تفسير معيّن، سواء بدراسة منهجه دراسة شاملة، أو دراسة لمنهجه في قضية محدّدة.

وقد أتت هذه الدراسات المعاصرة تقريبًا على جُلِّ كتب التفسير دراسةً لمنهجها، حتى بلغ عدد الرسائل الأكاديمية في هذا المسار بمرحلتي الماجستير والدكتوراه في الجامعات السعودية حتى عام 2018م (137) رسالة[1]، وبلغ عددها في الجامعات المغربية حتى عام 2005م (65) رسالة[2]، وبلغ عددها بإحدى كليات جامعة الأزهر، وهي كليات أصول الدين حتى عام 2020م أكثر من (60) رسالة ماجستير ودكتوراه[3].

وعلى الرغم من شيوع هذه الطريقة وانتشارها إلا أنها لم تحظَ بدراسات كلية تسائل أحوالها، وتنظر في منطلقاتها، وتختبر جدواها، وتقيِّمها بصورة مكتملة.

ولا شك أنّ دراسة هذا النتاج في مناهج المفسرين أمرٌ شاقٌّ وصعبٌ؛ ولذا سنسلط الضوء على هذه الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسرين من خلال أنموذجٍ معينٍ؛ فذاك أدعى لبلورة ملحوظاتٍ تُجاوِز النقد العام للطريقة، وهو كتاب: (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور/ عبد الوهاب فايد.

وستنتظم المقالة في قسمين؛ القسم الأول: لعرض وبيان الطريقة الشائعة في مناهج المفسّرين. والقسم الثاني: لنقد وتقويم الطريقة الشائعة في مناهج المفسّرين. وذلك بعد تمهيد حول طريقة دراسة المناهج بشكلٍ عامّ وسبب تقييد اشتغالنا في نقدها بكتاب د/ فايد.

تمهيد:

 الناظر في كتب مناهج المفسّرين يلحظ أنها تتخذ نمطًا ثابتًا في دراسة المناهج، فهي تحاول الإبانة عن ذلك ببيان مصادر المفسّر ومعالجة بعض القضايا التفسيرية عنده، وكذا المقارنة بينه وبين غيره في المنهج التفسيري، وتمهّد لذلك بطبيعة الحال بعقد ترجمة للمفسّر وتعريف به وبكتاباته وعصره…إلخ. فهذه هي العناصر الثابتة في مختلف كتب مناهج المفسرين والتي يتم من خلالها معالجة منهج المفسّر وبيانه.

وفي ضوء ثبات طريقة دراسة مناهج المفسرين فإنّ تقويم أحد المؤلفات فيها يشبه أن يكون تقويمًا لمسارها العام وخطّها الكلي، ومن هاهنا عمدتُ في تقويم هذه الطريقة إلى التقيّد بأحد المؤلفات ورأيته كافيًا في بيان الموقف من هذه الطريقة، وهو كتاب: (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور/ عبد الوهاب فايد. وفيما يأتي نعرّف بالكتاب ونبيّن مسار دراسته لمنهج ابن عطية التفسيري.

القسم الأول: الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين؛ رصد وبيان:

بينّا سابقًا أنّ طريقة دراسة مناهج المفسّرين لها نسق متقارب جدًّا في عناصره وبنيته في مختلف الكتابات في مناهج المفسرين، وقد جاء كتاب (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور/ عبد الوهاب عبد الوهاب فايد في (416) صفحة، دارجًا على ذات المنوال، وهو كتاب نشره مجمع البحوث الإسلامية بمصر عام 1393هـ-1973م، وأصل الكتاب رسالة علمية حصل بها المؤلف على درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1389هـ-1970م.

واحتوى الكتاب على ثلاثة أبواب تسبقها مقدّمة وخاتمة؛ اشتملت المقدّمة على أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج البحث فيه.

وأمّا الأبواب فجاءت على النحو الآتي:

الباب الأول: (البيئة التي أحاطت بابن عطية وأثرها في حياته)، وفيه أربعة فصول:

– الفصل الأول: أسرته العلمية وأثرها في نبوغه.

– الفصل الثاني: الحياة العلمية في عصره ونشأته في رحابها.

– الفصل الثالث: الأحوال السياسية في عصره وتأثّره بها.

– الفصل الرابع: مكانة ابن عطية العلمية.

الباب الثاني: (منهج ابن عطية في تفسيره)، وفيه خمسة فصول:

– الفصل الأول: مصادر ابن عطية في تفسيره.

– الفصل الثاني: منهج ابن عطية في تفسيره.

– الفصل الثالث: تهمة الاعتزال في تفسير ابن عطية.

– الفصل الرابع: القيمة العلمية لتفسير ابن عطية.

– الفصل الخامس: تأثّر المفسّرين المغاربة بتفسير ابن عطية منهجًا وموضوعًا.

الباب الثالث(مقارنة بين منهج ابن عطية في تفسيره ومناهج أشهر المفسّرين في عصره)، وفيه ثلاثة فصول:

– الفصل الأول: مقارنة بين منهج ابن عطية في تفسيره ومنهج الزمخشري في (الكشاف).

– الفصل الثاني: مقارنة بين منهج ابن عطية في تفسيره ومنهج البغوي في (معالم التنزيل).

– الفصل الثالث: مقارنة بين منهج ابن عطية في تفسيره ومنهج ابن العربي في (أحكام القرآن).

إننا ومن خلال عرض الكتاب يظهر لنا أن طريقة دراسة مناهج المفسّرين تقوم على الآتي:

– أولًا: دراسة المصادر.

– ثانيًا: دراسة المنهج.

– ثالثًا: المقارنة بين منهج المفسّر ومنهج غيره من المفسّرين.

ويتقدم ذلك رصد لحياة المفسّر وثقافته وعصره وغير ذلك، وهو فصل تقديمي لا بد منه كتمهيد عام بين يدي الحديث عن حياة المفسّر.

أولًا: دراسة المصادر:

تُدرس المصادر في الطريقة الشائعة باعتبارها المكوِّن الرئيس الذي تَشَكَّل منه الكتاب، يقول د/ فايد: «إنّ المصادر التي استقى منها ابن عطية ما هي إلا الركيزة الأولى التي على أساسها وضع ابن عطية كتابه في التفسير، ونهج منهجه الخاصّ به؛ لذلك كان من الضروري أن أتكلم على هذه المصادر باعتبارها مقدّمة لا بد منها لدراسة المنهج الذي سار عليه ابن عطية في تفسيره»[4].

وتتم دراسة مصادر المفسّر في الطريقة الشائعة من خلال أمرين؛ الأول: رصد بعض مصادر المفسّر في كلّ علم من العلوم. الثاني: التمثيل لكلّ مصدر من المصادر المذكورة بعدّة أمثلة.

وقد رصد د/ فايد بعض مصادر ابن عطية في كلّ علم من العلوم، فذكر في: (التفسير = 3، القراءات = 3، الحديث = 5، اللغة والنحو = 13، الفقه = 9، التوحيد = 3، التاريخ = 1، السماعية = 3).

ويُكْتَفى في دراسة المصادر أحيانًا بمجرّد الرصد والتمثيل كما في دراسة د/ فايد لمصادر ابن عطية في الحديث[5]، والفقه[6]، والتوحيد[7]، والتاريخ[8]، وشيوخ ابن عطية[9].

ويضاف أحيانًا إلى ذلك إشارة لبعض المسائل الجزئية؛ كذكر أمثلة لموقف المفسّر تجاه بعض الموارد؛ نقدًا[10]، أو استشهادًا[11]، أو سكوتًا[12]، أو ذكر طريقة المفسّر في نسبته للنقولات من عدمه[13].

ثانيًا: دراسة المنهج:

أشار د/ فايد إلى مراده بالمنهج في مقدّمة دراسته، حيث يقول: «إنني كباحث في ميدان الدراسات القرآنية يهمني أن أبرز الملامح العامة لتفسير ابن عطية، وأنْ أركز على دراسة هذا التفسير، وأنْ أوضح الأسس التي يقوم عليها منهج ابن عطية في تفسيره»[14]، ولم يحرِّر مفهوم المنهج أو يوضحه بأكثر من هذا.

فبيِّنٌ إذن أن د/ فايد يعني بالمنهج: إيضاح الأسس التي يقوم عليها منهج المفسِّر، وقد زاد ذلك وضوحًا في تقدمة الباب الثالث من الكتاب، حيث قال: «تكلمتُ في الباب السابق -أي: الثاني- عن منهج ابن عطية في تفسيره، وشرحت الأسس التي يقوم عليها هذا المنهج»[15].

وفي سبيل بيان د/ فايد للأسس التي يقوم عليها منهج ابن عطية ذكر ثماني نقاط يرى أنّ منهج ابن عطية يقوم عليها، فقال: «يقوم منهج ابن عطية في تفسيره على أسس ثمانية؛ الأساس الأول: جمعه في تفسيره بين المأثور والرأي. الأساس الثاني: اتجاهه في تفسيره إلى اللغة والنحو. الأساس الثالث: نظرته الصادقة في توجيه القراءات المستعملة والشاذّة. الأساس الرابع: مسلكه في عرض الأحكام الفقهية. الأساس الخامس: حيطته في الأخذ بالإسرائيليات. الأساس السادس: محاربته للتفسير الرمزي والقول بالباطن. الأساس السابع: رأيه في إعجاز القرآن الكريم. الأساس الثامن: إقلاله من الأسرار البلاغية في تفسيره»[16]، ثم فصَّل بعد ذلك هذه الأسس والدعائم.

وطريقة د/ فايد في بيان هذه الأسس الثمانية أنه يفرد كلّ أساس بمبحث خاصّ، ويتناوله بالدراسة من خلال إطار موحَّد مع جميعها يذكر فيه ثلاثة أمور، وهي:

1- التقديم للأساس بمقدمات نظرية.

2- بيان موقف ابن عطية من بعض القضايا المتعلّقة بهذا الأساس.

3- الاستشهاد بأمثلة من تفسير ابن عطية على هذه القضايا.

ثالثًا: المقارنة بين منهج المفسّر ومنهج غيره من المفسّرين:

بعد أن تُدرس المصادر والمنهج في الطريقة الشائعة، يتم الانتقال إلى المقارنة بين منهج المفسّر ومنهج غيره من المفسّرين لمزيد من إيضاح منهج المفسّر وتبيينه، يقول د/ فايد: «تكلمتُ في الباب السابق -أي: الباب الثاني- عن منهج ابن عطية في تفسيره، وشرحتُ الأسس التي يقوم عليها هذا المنهج، ولمّا كان المنهج التفسيري يزداد وضوحًا وجلاءً وبيانًا بالمقارنة بينه وبين غيره من مناهج التفسير الأخرى؛ رأيتُ أن أعقد هذا الباب للمقارنة بين منهج ابن عطية في تفسيره ومناهج بعض المفسّرين في عصره»[17].

وعند هذه المقارنة يتم تناول مساحات التشابه والافتراق بين موقف المفسّر وموقف غيره من المفسّرين في القضايا المذكورة عند دراسة منهج المفسّر، مع ضرب الأمثلة من هذه التفاسير لبيان ذلك.

وقد عقد د/ فايد مقارنة بين تفسير ابن عطية وبين ثلاثة من المفسّرين؛ وهم: الزمخشري (ت: 538هـ)، والبغوي (ت: 516هـ)، وابن العربي (ت: 543هـ)، وذكر في هذه المقارنة أوجه الاتفاق والاختلاف بين ابن عطية وبينهم في الأسس الثمانية التي ذكرها عند دراسة منهج ابن عطية وذكر أن منهج ابن عطية يقوم عليها.

ومن خلال دراسة هذه الأمور الثلاثة (المصادر، والمنهج، والمقارنة) عند المفسِّر وفق الآلية التي ذكرناها، تعتبر الطريقة الشائعة أنها بذلك قد بيَّنَت منهج المفسِّر، وزادته تحريرًا عبر مقارنته مع غيره من المفسرين.

القسم الثاني: الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسرين؛ نقد وتقويم:

قُمْنَا في القسم الأول بعرض وبيان الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين من خلال دراسة الدكتور/ فايد لمنهج ابن عطية في تفسيره، وفي هذا القسم نقيِّم هذه الطريقة.

وإنّ الناظر في هذه الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين يجدها -رغم شيوعها- طريقة مشكلة، وقد بدا لي من خلال تأمّلها أنه يحتفّ بها جملة إشكالات؛ أبرزها:

– أولًا: عدم الالتزام بمفهوم المنهج.

– ثانيًا: تحكيم بناء نظري مشكل في فهم واقع الكتب التطبيقي.

– ثالثًا: غياب المنهج الإحصائي.

وبيان هذه الإشكالات كما يأتي.

أولًا: عدم الالتزام بمفهوم المنهج:

إن الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسرين لا تلتزم بمفهوم المنهج أصلًا، وقد بينَّا في القسم الأول من المقالة أن مفهوم المنهج عند د/ فايد يقوم على دراسة مصادر المفسر، ودراسة منهجه، والمقارنة بينه وبين غيره، وبتأمُّل الطريقة التي سلكها لدراسة منهج ابن عطية يتبيَّن أنها لا تُفضِي إلى شيء، وأنها ليست إلا أوصافًا عامة ومجملة لتفسير ابن عطية، وبيانًا مجتزءًا غير مكتمل لموقف ابن عطية في القضايا التي ذكرها.

إنّ عدم الالتزام بمفهوم المنهج في الطريقة الشائعة لدراسة مناهج المفسرين يُلجِئ هذه الطريقة إلى أن تستعيض عن الدراسة الفعلية للمنهج وإنتاج التفسير عند المفسِّر بدراسة بعض القضايا التي ليس لها أثر في بيان منهج المفسر، ومنها:

1- الحديث عن القيمة العلمية للتفسير وتقييم المفسّر علميًّا[18].

2- التفصيل في بعض القضايا كحديث د/ فايد عن تهمة الاعتزال عند ابن عطية وحديثه المطوّل عنها في (44) صفحة[19].

3- كثرة المقدّمات وطولها عند دراسة القضايا، كما في تقديم د/ فايد للأساس السابع المتعلّق بإعجاز القرآن عند ابن عطية، فقد قدَّم بمقدمة من عشر صفحات ذكر فيها: (خاصية الإعجاز للقرآن، والغاية منها، وأدلتها، ووجوه إعجاز القرآن، وآراء العلماء السابقين على ابن عطية في وجوه الإعجاز، ومناقشة رأي الرماني والخطابي والباقلاني والجرجاني)، وعند حديثه كذلك عن منهج ابن عطية في القراءات قدَّم بمقدمة من أربع صفحات ذكر فيها: (المراد بالأحرف السبعة، والحكمة منها، وجمع القرآن وأدلته، وأشهر القرّاء، وشروط قبول القراءة، وجهود بعض العلماء في توجيه القراءات).

ثانيًا: تحكيم بناء نظري مشكل في فهم واقع الكتب التطبيقي:

إنّ علم التفسير يعاني من ضعف في بنائه النظري، فالواقع النظري لعلم التفسير لا يكتنز مدوناته التطبيقية بشكلٍ كاملٍ كما أثبتته بعض الدراسات[20].

وبناء على ذلك فإنّ الباحث في المدونات التطبيقية لا بد أن يتعامل مع الواقع التنظيري بحذرٍ شديدٍ، وأن يعامل هذه التنظيرات معاملة المختبِر لها والمشكِّك في صحّتها في ضوء الواقع التطبيقي للمدونات، لا أن ينطلق من الواقع التنظيري فيسيِّق المدونات التطبيقية لهذا الواقع، فينعكس ذلك بالسلب على تصوّرها فيشوّه هذا التصوّر ويفسده.

وعند تأمل الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين يتّضح أنها تُحَكِّم البناء النظري المشكل في فهم واقع الكتب وتحاول تسييق هذا الواقع ليتوافق مع البناء النظري المشكل، وهذه طريقة مشكِلة؛ لأنها تُخضع التفسير للواقع النظري ولا تسمح بدراسة واقعه التطبيقي. فنجد د/ فايد مثلًا في قضية الإسرائيليات -وهي قضية كثر فيها الجدال في العصور المتأخرة بشكلٍ خاصّ، وذهب الناس فيها مذاهب شتى- وبغضّ النظر عن مذهب المؤلّف وما يراه في هذه القضية، فإنّنا نجده عند الحديث عنها عند ابن عطية يبدأ مباشرة بمحاكمة ابن عطية للواقع التنظيري الذي يعتقده الدكتور دون أن ينزل إلى الساحة التطبيقية لتفسير ابن عطية ليكتشف واقعه نفسه ثم يستخرج الأفق النظري من خلاله، وهكذا يصنع الدكتور في بقية القضايا التي يتناولها.

ثالثًا: غياب المنهج الإحصائي:

يعتبر إغفال المنهج الإحصائي عند دراسة مناهج المفسرين أحد الإشكالات التي تقف سدًّا منيعًا يحجب المعرفة الحقيقية لمنهج المفسِّر، وينعكس إغفال هذا المنهج بشكلٍ سلبي على بيان منهج المفسِّر، فيكون الاعتماد في بيان منهجه قائمًا على الانتقائية والملاحظة، ويؤول الأمر في النهاية إلى الخروج بنتائج فاسدة غير معبرة عن الواقع الحقيقي.

وبالنظر إلى دراسة د/ فايد لمنهج ابن عطية يتبيَّن أنّ المنهج الإحصائي ليس حاضرًا فيه البتة، وهذا إشكال ينعكس على جميع نتائج الدراسة حتمًا بالسلب.

وقد كان من الطبيعي جدًّا أن يغيب المنهج الإحصائي عن هذه الدراسة؛ نظرًا لأن الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسرين لا تدرس التطبيقات أصلًا بشكلٍ منهجيّ سليم، فلذا لم تبرز فيها المناهج الخاصّة بعملية الإحصاء، لاختلاف منطلقها، فهي معتمدة -كما بينَّا- على سرد أُطُر وصفية بشكلٍ عامّ، وقد أدَّى غياب المنهج الإحصائي إلى فساد هذه الطريقة الشائعة.

ومن خلال ما سبق يبرز لنا إشكال الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين، وأنها لا تفضِي لدراسة حقيقية وجادّة لفهم هذه المناهج والإحاطة المعمقة بها.

خاتمة:

قُمْنَا في هذه المقالة بعرض وتقويم الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين، من خلال كتاب: (منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم) للدكتور/ عبد الوهاب عبد الوهاب فايد، وذلك من خلال قسمين؛ قُمنا في القسم الأول بعرض وبيان هذه الطريقة، فاستعرضنا أبواب وفصول الكتاب محلّ الدراسة، وبينَّا مفهوم المنهج عند المؤلّف، والآليات التي سلكها في سبيل بيان منهج ابن عطية في تفسيره.

وقُمنا في القسم الثاني بنقد وتقويم هذه الطريقة، وبينَّا أبرز الإشكالات التي اعترتها، والتي تتلخّص في ثلاثة إشكالات رئيسة، وهي: (عدم الالتزام بمفهوم المنهج، تحكيم بناء نظري مشكل في فهم واقع الكتب التطبيقي، غياب المنهج الإحصائي).

وقد خلصنا إلى أنّ هذه الطريقة الشائعة في دراسة مناهج المفسّرين لا تفضِي إلى شيء، وأنّ منهج المفسّر لا يتبين من خلالها، وأنها طريقة تضع أُطرًا وصفية عامة حول بعض القضايا في التفسير وبيان موقف المفسّر منها بصورة مجتزأة غير مكتملة، وأنها طريقة تتحكّم فيها تنظيرات مشكِلة ولا تعتمد على دراسة التطبيقات داخل التفسير نفسه؛ ولهذا فإنّ هذه الطريقة مشكلة وتحتاج لتطوير وإعادة بحث في كيفيات النهوض بها حتى تكون أكثر دقّة في ضبط مناهج المفسّرين وتقديم صورة حقيقية عن هذه المناهج.

وفي ضوء أهمية هذا الموضوع أدعو المراكز والمؤسسات البحثية إلى العناية بهذا الموضوع؛ حيث إنه مسار معرفي له حضورٌ كبيرٌ في الجامعات، فالعناية به وبضبطه ضرورية وملحَّة حتى نقف بشكلٍ حقيقي على المناهج العلمية التي صنعتْ هذا التراث الإسلامي النفيس، ونعرِف قيمة هؤلاء الكبار من علمائنا معرفة حقيقية لنتأسّى بهم وننهض بهذا العلم الشريف.

  وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.


[1] ينظر: حقول الدراسات القرآنية، د/ فهد الوهبي، ط1، دار الإمام مسلم، (ص: 48).

[2] ينظر: دليل الرسائل والأطروحات الجامعية بالمغرب في مجال الدراسات ‏القرآنية، د/ فاطمة الزهراء الناصري، (ص: 76-106)‏.

[3] وذلك حسبما ورد في قوائم الرسائل الجامعية في المكتبة المركزية لجامعة الأزهر على موقع (دليل الباحث العلمي في البيئة الرقمية) تحت هذا الرابط: morelib.com/?p=2131.

[4] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 95).

[5] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 113- 115).

[6] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 120- 122).

[7] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 123- 124).

[8] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 124).

[9] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 124- 127).

[10] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 109).

[11] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 110).

[12] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 107)

[13] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 116).

[14] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 6- 7).

[15] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 300).

[16] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 129).

[17] منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 300).

[18] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 93).

[19] ينظر: منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، د/ عبد الوهاب فايد (ص: 219- 262).

[20] ينظر: (أصول التفسير في المؤلفات)، و(التأليف المعاصر في قواعد التفسير؛ دراسة نقديّة لمنهجية الحكم بالقاعدية) من إصدارات مركز تفسير للدراسات القرآنية.

(المصدر: مركز تفسير للدراسات القرآنية)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى