تقارير وإضاءات

هل تكون القدس الخاصرة الأضعف لإسرائيل في 2022؟

هل تكون القدس الخاصرة الأضعف لإسرائيل في 2022؟

إعداد عبدالله معروف

تشي الأوضاع على الأرض في القدس بشيء مختلف إلى حد كبير عما تحاول الآلة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية ترويجه في العالم حول أولوية القدس في الأجندة الإسرائيلية ووضعها الحالي والمستقبلي.

فالمشروع الإسرائيلي في القدس تَعرَّض لعدة ضربات مُوجِعة على مدى السنوات السبع الماضية، وأثبتت القدس أنها لم تكن يوماً البؤرة الممثلة للمشروع الصهيوني، فهي ليست “المدينة اليهودية الكاملة” التي تتجلى فيها صورة إسرائيل التي تريد تقديمها عن نفسها للعالم. بل إن تل أبيب ومدن الساحل تُعتبر أكثر تعبيراً في الواقع عن المشروع الصهيوني الذي أنتج إسرائيل. وذلك ينسحب حتى على المجال الاقتصادي، فتل أبيب وتجمُّع المدن الإسرائيلية حولها -من هرتسيليا شمالاً حتى بات يام جنوباً- تشكّل عصب الحياة الاقتصادية للدولة، وفيها مؤسسات الدولة الكبرى لأنها تشكّل العمق الإسرائيلي الحقيقي.

أما القدس، فإنها لا تتعدى كونها تمثّل المشروع الصهيوني بشكله الآيديولوجي الذي أصبح اليوم محلّ خلاف بين أبناء هذا المشروع ومنظّريه. فالقدس باعتبارها العاصمةً -حسب الرؤية الإسرائيلية- تُعتبر ضعيفةً أمنيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، ولا تمثل المشروع الإسرائيلي، بل تُعتبر في نظر غالبية الشعب هناك ممثلةً لتيارٍ واحدٍ هو التيار اليميني المتدين الشعبوي. وهذا التيار وإن كان يظهر في ذروة قوته حالياً، فإنه ليس بالضرورة كذلك لأنه لا يحظى بالإجماع في هذا المجتمع. هذا لا يعني أن المجتمع الإسرائيلي يحارب التطرف، بل بالعكس تماماً: هو يجنح أكثر فأكثر ناحية اليمين، ولكن الانتخابات الأربعة السابقة التي شهدناها أظهرت انقساماً حادّاً جدّاً في المجتمع الإسرائيلي ولم تُعطِ أياً من الأطراف المتنافسة إمكانية تشكيل حكومة مستقلة.

لأجل ذلك، فإن التيار اليميني المتطرف في إسرائيل، الذي تمثّل القدس مركز ثقله الآيديولوجي والسياسي، يسعى لإنجاز صورة انتصارٍ له في مقابل التيار العلماني الذي تمثّله اليوم تل أبيب، وذلك من خلال إنجاح رسم الصورة اليهودية التي يتمناها لمدينة القدس كما نجح العلمانيون في إبراز تل أبيب مركزاً لرؤيتهم. ويبدو واضحاً أن هذا التيار الذي يحكم إسرائيل اليوم لا يعيش أفضل حالاته، بخاصة مع الضربات الشعبية الموجعة التي تلقتها إسرائيل في القدس على مدار السنين السبعة الماضية، والتي حمّل الجمهور الإسرائيلي هذا التيار مسؤوليتها.

إذا كان عام 2021 شهد ذروةً كبيرةً في الصراع في القدس خلال أحداث 28 رمضان، الذي تزامن فيه شهر رمضان المبارك ذو الطابع الديني لدى المسلمين مع موسم “يوم توحيد القدس” ذي الطابع القومي الإسرائيلي، فإن عام 2022 سيشهد تزامناً بين عدة أحداث ومناسبات مهمة لدى المسلمين واليهود، وأبرزها تتعلق بالطابع الديني تحديداً لدى الطرفين. ولعل أبرز هذه المناسبات سيكون تزامن عيد الفصح اليهودي (الذي يستمر 8 أيام) مع الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك خلال شهر أبريل/نيسان القادم. هذا يعني أننا سنكون أمام احتماليةٍ عاليةٍ للتصادم بين جماعات المعبد المتطرفة المدعومة من شرطة الاحتلال وحكومته من جهة، والشعب الفلسطيني من ناحية أخرى. وهذا الاصطدام إن حصل فإنه قد يكون مرشحاً للتصعيد على أكثر من جبهة، فالفصائل الفلسطينية في غزة لا تستطيع أن تتجاوز الأحداث الحاصلة في القدس بعد الحرب الماضية خلال أحداث 28 رمضان، لذلك فإنها ستجد نفسها في معركةٍ جديدة مع الاحتلال مرةً أخرى، وربما بقوة أكبر هذه المرة، لأنها ببساطة لا تستطيع مقايضة الهدوء مقابل خسارة الإسناد الشعبي وخسارة مصداقيتها أمام الشعب الفلسطيني.

احتمال آخر يطل علينا به عام 2022 هو احتمال تصاعد الأوضاع في الضفة الغربية -في حال اشتعال الأوضاع في القدس- بشكل قد يهدّد وجود واستقرار السلطة الفلسطينية. فالسلطة أنهت عام 2021 بلقاء بين رئيسها محمود عباس ووزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس أثار غضباً في الشارع الفلسطيني، انعكس بوضوح في الإعلام والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الصدد فإن انحياز عباس في تصريحاته -بعد ذلك اللقاء- للتنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، قد يؤدي، في حال انفجار الأوضاع، إلى إعادة تعريف وضع السلطة الفلسطينية شعبياً، وهذا ما قد يهدّد مكانتها ووجودها.

أمر آخر قد يكون له أثر كبير في هذا العام هو ازدياد سخونة الأوضاع داخل الخط الأخضر بما قد يؤدي إلى دخول الشارع في مواجهةٍ مفتوحةٍ مع شرطة الاحتلال في حال انفجار الأوضاع في القدس. فتصريحات منصور عباس، الشريك في حكومة بينيت، نهاية العام الماضي حول يهودية الدولة أثارت حفيظة الكثيرين في الشارع الفلسطيني داخل الخط الأخضر باعتبارها تأييداً لنظام الفصل العنصري الذي انتهجته إسرائيل رسمياً، والذي يعتبر القضية الأكثر حساسية لدى الجمهور الفلسطيني هناك، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة الحاضنة الشعبية المؤيدة لمنصور عباس وكتلته، وبالتالي انتقال فلسطينيي الداخل ليصبحوا معنيين بمواجهة نظام الفصل العنصري الذي يعانون منه، بخاصة إذا تحرك ملفّ القدس بشكلٍ أكثر حدةً من العام الماضي.

هذا الأمر سيعني في الحقيقة تراجعاً إضافياً للمشروع الإسرائيلي في القدس وممثليه، وإن بدا أن إثارة الاضطرابات هي ما يبحث عنه التيار اليميني المتطرف الإسرائيلي، لأن إسرائيل ككل ليست اليوم في أفضل حالاتها وسط انقسام مجتمعي عمودي حادّ، ونخبةٍ سياسيةٍ ضعيفةٍ لا يحمل أي منها الكاريزما والرؤية الكافية لتوحيد المجتمع المنقسم على نفسه. وهو ما يشير إلى أن إسرائيل قد تصل قريباً -سواء هذا العام أو في السنوات القليلة التالية- إلى مفترق طرق جوهري: فإما الحفاظ على وجودها في القدس بأي ثمن، وإما الإبقاء على المشروع الصهيوني ككل ولو كان الثمن مرتفعاً بحجم القدس. وهنا ستظهر نتائج الانقسام المجتمعي بين تيارَي القدس وتل أبيب في المجتمع الصهيوني.

المحصلة أن العام الحالي 2022 مرشَّح بقوةٍ لشهود موجةٍ أو اثنتين من التصعيد الحادّ قد تنطلق أساساً من القدس. لا أقول إن هذا التصعيد حتمي هذا العام، ولكن الدلائل تشير إليه بقوة. ولن يمنع ذلك إلا حدوث أمر يخفّف الاحتقان الفلسطيني الشديد في المنطقة، بخاصة في المدينة المقدسة، وهو أمر مستبعَد حالياً، إذ إن اليمين المتطرف الإسرائيلي والحكومة التي يديرها لا يبدو أنه يدرك أنه يسير بثباتٍ وقوةٍ باتجاه إشعال المنطقة ككل.

المصدر: عربي TRT

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق