كتب وبحوث

مراجعة كتاب المقاومة الحضارية.. دراسة في عوامل البعث في قرون الانحدار

مراجعة كتاب المقاومة الحضارية.. دراسة في عوامل البعث في قرون الانحدار

قراءة تقى محمد يوسف

الناظر لحال أمتنا اليوم وما أصابها من الضعف والهوان وسلب الإرادة يشعر بأسى وحزن بالغَين، ثم يكون أمام طريقين: إما أن يترك اليأس يتسلل إلى قلبه، وإما أن ينفض عنه ذاك الأسى ليغرس تلك الفسيلة وإن لم يعرف مآلها. وقد نفض الباحث هاني محمود عنه الأسى وتسلح بالأمل في مستقبل مشرق للأمة تصل إليه بعد أن تتجاوز طور الغفلة إلى طور اليقظة والوعي، فأخرج لنا كتابه “المقاومة الحضارية: دراسة في عوامل البعث في قرون الانحدار”.

يعد هذا الكتاب جزءًا من سلسلة الوعي الحضاري التي تصدر عن مركز الحضارة للدراسات السياسية. وتهدف هذه السلسلة لتجديد الوعي الحضاري وإيقاظه؛ لأن الوعي هو المنطلق للتغيير الحضاري المنشود. في هذا الإطار، حاول الباحث أن يبحث في الجذور التي ينبثق منها واقع الأمة الراهن؛ لأن فهم الواقع وتحليله لا يتأتى إلا بالكشف عن جذوره المبثوثة في كتب التاريخ وأحداثه القريبة. انطلاقاً من قاعدة “الوعي قبل السعي“، يقوم الباحث بالنظر في التاريخ؛ لاستيعاب دروسه واستخلاص قوانينه وسننه، ومن ثَمّ الانطلاق والسعي في الوقت الراهن على بصيرة.

يسلط الباحث الضوء على مشهد المقاومة في أوقات الوهن والفوضى والتخلف الحضاري من خلال التأمل في ثلاث دوائر متداخلة ومتفاعلة. تتمثل الدائرة الأولى -وهي الدائرة الكبرى- في الحركة الجماهيرية ودورها في الحفاظ على كيان الأمة، وتتمثل الدائرة الثانية في المؤسسات الوسيطة ومثّل الباحث لها بالأزهر ودوره في الفترة المحيطة بالحملة الفرنسية، ثم الدائرة الثالثة دائرة المقاومة بالكلمة وركز فيها على دور الفتوى في المقاومة الحضارية في فترات وأماكن مختلفة. واعتمد الباحث على مرجعين أساسيين في كتابه، وهما كتاب “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” للجبرتي، وكتاب “ودخلت الخيل الأزهر” لمحمد جلال كشك.

بين المقاومة الحضارية وقرون الانحدار

إن المقاومة فعل إيجابي يدل على النهوض والعزة والقوة والشجاعة. لذلك يرى الباحث أن المقاومة لا تنحصر في أوقات الضعف، وإنما هي “عنصر ذاتي مستمر الحضور في كيان الأمة على اختلاف العصور”. ففي عصور القوة والمنعة، تظهر المقاومة لوقاية الأمة من الآفات التي قد تحيلها من طور المنعة لطور الانحدار، وهي ما يمكن تسميتها بـ”المانعية الكامنة”. وفي عصور الانحطاط بعد تسرب الآفات إلى الأمة، تأتي حركة المقاومة للحفاظ على ما تبقى من مقدرات هذه الأمة.

هذه المقاومة تصبح تكتسب وصف “الحضارية” إذا التزمت بأخلاقيات الحضارة، وفي الحالة الإسلامية تتمثل أخلاقيات الحضارة في جملة “القواعد والأحكام الشرعية الضابطة للعمل المقاوِم، وتستمد هذه القواعد والأحكام غالبًا من الأبواب الفقهية التي تُعنى ببيان الأحكام التي تدخل في نطاق المقاومة” مثل أحكام الجهاد والحسبة وغيرها. ولذلك يمكن أن نكتشف إذا كانت المقاومة حضارية أو لا من خلال مراقبة الشكل الذي تكون عليه المقاومة والوسيلة التي يتخذها المقاوِم. فالحركة المقاوِمة التي تضع لنفسها حدودًا وضوابط أخلاقية تلتزم بها ولا تنحرف عنها هي مقاومة حضارية؛ حيث تلتزم بمرجعيتها الأخلاقية والتشريعية.

أما قرون الانحدار فهي القرون الثلاثة الأخيرة من عمر الأمة، ذلك أن هذه القرون شهدت فساد القيادة وتفكك أواصر الوحدة الإسلامية بعد انهيار الخلافة، كما شهدت التفوق المعرفي والعسكري الذي يتمتع به الغرب. وبذلك يحاول هذا الكتاب رصد شكل المقاومة التي التزمت بالقواعد والأحكام الشرعية في القرون الثلاثة الأخيرة، ولكنه ركز بشكل أساسي على الحملة الفرنسية على مصر؛ ذلك أن الحملة الفرنسية هي التي أشارت إلى دخول الأمة في حقبة الانحدار، كما أن هذه الحملة كانت أول هجمة حضارية تستهدف الكيان المادي والمعنوي للأمة.

المقاومة الجماهيرية

في الفصل الأول، يسلط الباحث الضوء على دور المقاومة الجماهيرية في صد الحملة الفرنسية على مصر، وسمى أفراد المقاومة الجماهيرية “الجنود المجهولين”؛ ذلك أن المؤرخين يركزون عادةً على دور النخب البارزة في صناعة الأحداث، لكنهم يغفلون دور العامة.

فالعامة لهم إسهام كبير في عمليات المقاومة الحضارية، بل إن القيادات والنخب لم تكن لتنجح لولا مساندة العامة لها وقبولها الانصياع لقيادتها. ويبرز دور العامة في الأوقات التي تنهار فيها القيادات الرسمية، فتصبح المسئولية كاملة على عاتق العامة، وهذا ما حصل لما دخلت القوات الفرنسية مصر، حيث انهارت القيادات الرسمية سريعًا، ووجد المصريون أنفسهم وجهًا لوجه مع واحدة من أكبر القوى العسكرية الاستعمارية!

وأشار الباحث إلى معايير التصعيد الجماهيري للقيادات الشعبية، فبعد انهيار القيادات الرسمية، كان من المهم أن يختار الشعب قيادةً له في هذا الوقت الحرج. من هذه المعايير: المعيار الشخصي الذي يتم التركيز فيه على السمات الشخصية البارزة للقائد كالشجاعة والذكاء، وهناك المعيار الموضوعي ويتم التركيز فيه على العطاء والإحسان، فالناس تنجذب لمن يعطي دون حساب أو انتظار لمقابل. وهذا المعيار الموضوعي كان له أثر واضح في التفاف العامة حول الإمام علي الصعيدي، والسيد عمر مكرم.

وكان السبب في قوة واستبسال العامة في المقاومة: الإسلام، والوعي. فكانت مقاومتهم نابعة من إسلامهم الذي يُحتم عليهم رفض الغزو الغربي، ونابعة أيضًا من وعيهم بخطورة هذا المحتل على الكيان المعنوي والمادي للأمة وضرورة الحفاظ على الهوية والوطن. ولذلك، سطر العامة صفحات من المقاومة في ثورة القاهرة الأولى والثانية، والرفض التام لأي تعاون أو خضوع للمحتل بل لأي متعاون معه.

كما رصد الباحث دور النسوة المناضلات في عمليات المقاومة، ودور غلام قرية الفقاعي الذي كان يسرق بنادق الجيش الفرنسي ثم يرفض الاعتراف على محرضيه عندما وقع في الأسر. ولم تقتصر المقاومة على الشعب المصري، فقد رصد الباحث دور أهل الأقطار العربية والإسلامية في الجهاد ومقاومة المحتل الفرنسي.

مقاومة المؤسسات الوسيطة

المقاومة الحضارية

ثم ينتقل الحديث للدائرة الوسطى وهي حركة الجماعات الوسيطة التي تحتضنها الحركة الجماهيرية. ويمكن تعريف الجماعات الوسيطة أنها جماعات تقوم على وظيفة حيوية من وظائف الأمة دون الانتماء للنظام الحاكم، وهذه الجماعات تمثل حلقة الوصل بين المجتمع وبين الحكام، كما تحاول أن تسد احتياجات المجتمع دون اللجوء للحكام، فإذا كانت هذه الجماعة تظلها هيئة أو مؤسسة فتصبح “مؤسسة وسيطة”. ومن أجل رصد الدور الذي تلعبه مثل هذه المؤسسات الوسيطة، قام الباحث بالتركيز على دور الأزهر في النضال والمقاومة إلى جانب دورها الثقافي والعلمي.

فالأزهر الشريف منذ أعيد افتتاحه على يد الظاهر بيبرس وتحوله إلى مركز لنشر الفكر السني؛ كان مؤسسة من مؤسسات الأمة والمجتمع، يلعب دورًا سياسيًا واجتماعيًا بجانب دوره في نشر العلوم والثقافة، فقد كان الأزهر يقوم على حفظ حقوق المسلمين وغيرهم، كما كان يقوم بدور رقابي على الحكام في فترات مختلفة من التاريخ.

ولذلك نجد أن الأزهر ورجاله كان لهم موقع محوري ومهم في التنظيم الاجتماعي والسياسي في عهد المماليك، حيث كان الأزهر هو حلقة الوصل بين الحكام من المماليك وعامة الشعب. وكان للمشايخ كلمةً مسموعة عند عامة الشعب، لذلك كانوا قادرين على تحريك العامة وقيادتهم، كما كانوا يرفعون شكاوى الشعب ومظالمهم إلى حكام المماليك.

وكان الأزهر في هذا الوقت يضطلع بوظائف ومهام عديدة، فكان الأزهر يتولى سلطتي التشريع والقضاء، كما كان له وظيفة إعلامية حيث كانت مآذن الأزهر هي مركز البث الرئيس للشعب، وكان ينفرد بصياغة نظام التعليم في مصر. بل كان الأزهريون على دراية بآليات الإضراب والعصيان المدني، فإذا لم يستجب حكام المماليك لمطالب الشعب ورفع الظلم عنهم، كانوا يعطلون الدراسة من أجل تنبيه وحشد العامة.

هذا في وقت حكم المماليك، فلما جاءت الحملة الفرنسية قام الأزهر بالتصدي لها منذ أول يوم وتنظيم صفوف الشعب، كما قام بتنظيم ثورتي القاهرة الأولى والثانية. ومما ساعد الأزهر على لعب هذا الدور في المقاومة وحفظ كيان الأمة سواء أيام المماليك أو الفرنسيين استقلال الأزهر عن مؤسسات الدولة، فقد كان مؤسسة من مؤسسات المجتمع لا الدولة. ويمكن معرفة حجم تأثير ووجود الأزهر من خلال قياس التفاعل الجماهيري والمواقف الواضحة في القضايا الهامة والقدرة على قيادة آمال الجماهير.

لكن مكانة الأزهر العالية وقدرته على قيادة العامة تراجعت بشكل كبير منذ الحملة الفرنسية، فقد قام نابليون بونابرت بإنشاء ديوان القاهرة لمعاونته في إدارة البلاد، وقَبِل عدد من المشايخ بالمشاركة فيه؛ خوفًا من تدمير القاهرة، وهي عملية التدجين كما وصفها محمود محمد شاكر، لكن عددًا من الطلبة والعلماء رفضوا المشاركة ورأوا في هذا انتقاصًا من شأن الأزهر ومكانته. وقد أثر هذا بشكل سلبي على صورة المشايخ المشاركين، وأفقدهم ثقة الشعب فيهم.

ثم جاء محمد علي ليقوض نفوذ مشايخ الأزهر من خلال “فصل العلماء عن مساحات التغيير والتأثير”، فاستطاع محمد علي أن يستميل بعضهم وأن ينفي البعض الآخر ممن لم يستجب له كعمر مكرم بمساعدة المشايخ الآخرين! وقد وصف الجبرتي التغير الذي طرأ على المشايخ بقوله:

وافتتنوا بالدنيا وهجروا مذاكرة المسائل ومدارسة العلم إلا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية.

ثم ظلت عملية التغريب والتمدين قرابة الثمانين عامًا في فترة حكم أسرة محمد علي حتى انتقلت القيادة من الأزهر نهائيًا وصارت بيد الجيش. ثم صيغت القوانين الوضعية وأنشئت المحاكم المختلطة، فلم يعد الأزهر منفردًا بالقضاء كما كان. وبعد ذلك، كانت عملية التأميم لأوقاف الأزهر في الحقبة الناصرية، ثم إلغاء القضاء الشرعي، وبذلك أصبحت المؤسسة الدينية تحت هيمنة الدولة القومية الحديثة! وبذلك انتهى الدور النضالي المقاوم للأزهر الشريف ضد الاستبداد أو الاستعمار حتى اليوم.

ويرى الباحث أن المشايخ المعاصرون يواجهون ثلاث مشاكل رئيسية: الأولى هي المظالم الجزئية التي تقع من السلطة ولا تجد موقفًا حاسمًا من المشايخ، الثانية هي تراجع المرجعية الشرعية في نفوس الحكام ونظرتهم لعلماء الشريعة باعتبارهم مستشارين يتم الرجوع إليهم وقت الحاجة فقط، أما الثالثة فهي قعود أنظمة الحكم المعاصرة عن القيام بفروض مسلم بوجوبها عند من سبقوهم مثل نجدة الشعوب الإسلامية المستضعفة.

مقاومة الكلمة

مقاومة الكلمة هي صغرى الدوائر الثلاثة، فالكلمة كان لها أهميتها ودورها أيضًا في المقاومة الحضارية للأمة. وهنا يبرز الدور الذي لعبته الفتوى في توحيد الصفوف والحفاظ على كيان الأمة المعنوي خاصةً في أوقات المقاومة والاستضعاف.

فالفتوى تعد من أهم وسائل بيان المنهج الرباني.

لقد كان للفتوى دور في محاربة الخطر الداخلي المتمثل في الاستبداد والظلم، وفي محاربة الخطر الخارجي المتمثل في الاستعمار أو التغريب. ولذلك، فإن الفتوى التي تصدر عن علماء ربانيين عارفين بالواقع ومآلاته لهي من وسائل الحفاظ على هوية وعقيدة الأمة ودفع الشرور عنها.

بعد النهاية

حاول الكاتب أن يستخرج العبر والدروس من تاريخنا القريب ويستكشف السنن التي كانت موجودة فيه، فالواقع الذي نعيش فيه اليوم هو امتداد لهذا التاريخ، ومتى عرفنا جذور المشكلة وموطن الخلل استطعنا تلمس الحلول ووسائل إصلاح مجتمعنا اليوم. وقد أشار الباحث إلى الشعب أو المجتمع كعنصر أساسي في المقاومة والإصلاح، لكن هذا المجتمع يحتاج إلى قيادة رشيدة ترشده وتنظم حركته، ويحتاج أيضًا إلى جماعات وسيطة تكون حلقة وصل بينه وبين الحكام، كما تراقب السلطة وتحاسبها إن بغت أو ظلمت في يومٍ ما، ولذلك على هذه القيادة وهذه الجماعات الوسيطة أن تكون منفصلةً عن السلطة (الحاكم) غير تابعة لها؛ لتكون مستقلة قادرة على التأثير.

والأهم من ذلك أن المجتمع والجماعات الوسيطة بل وحتى الحكام كلهم يعملون تحت مظلة الإسلام تحكمهم الشريعة الإسلامية، فليس الأمر متعلقًا بمدى تحقيق مطالب وتطلعات الشعب، بل بمدى تحقيق الشريعة وإقامة العدل في الأرض.

هذا، ومدار الأمر كله على الوعي المجتمعي الذي يجعل الشعب مبصرًا للتحديات قادرًا على مواجهتها عارفًا غايته وهدفه الأسمى مخلصًا في الوصول إليه. فالشعب الذي تلاحم مع العلماء والمشايخ وسار تحت قيادتهم كان واعيًا بالخطر الذي تمثله الحملة الفرنسية على الأمة وعلى الهوية. لنكمل نحن من حيث انتهى الكاتب،

ونفكر كيف نعيد هذا الوعي مرةً أخرى؟ كيف نعيد قدرتنا على المقاومة وعلى استشراف الأخطار وإدراك الواقع بشكل صحيح؟

 

(المصدر: موقع تبيان)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق