كتاباتكتابات المنتدى

(لا يَأتيهِ البَاطلُ) (10) القرآن الكريم ومعركة أحد .. وقفات تربوية عظيمة

(لا يَأتيهِ البَاطلُ) (10)

القرآن الكريم ومعركة أحد

وقفات تربوية عظيمة

 

 

بقلم د. علي محمد الصلابي (خاص بالمنتدى)

 

لقد وصف القرآن الكريم غزوة أُحدٍ وصفاً دقيقاً، وكان التَّصويرُ القرآنيُّ للغزوة أقوى حيويَّة، ووضوحاً من الرِّوايات الَّتي جاءت في الغزوة، كما أنَّ أسلوب الآيات المطمئنة، المبشِّرة، واللاَّئمة، والمسكِّنة، والواعظة كان رائعاً، وقويّاً، فبيَّن القرآن الكريم نفوس جيش النَّبيِّ(ﷺ) ، وهذا تَمَيُّزٌ لحديث القرآن عن الغزوة، ينفرد به عمَّا جاء في كتب السِّيرة، فسلَّط القرآن الكريم الأضواء على خفايا القلوب؛ الَّتي ما كان المسلمون أنفسُهم يعرفون وجودها في قلوبهم، والنَّاظر عموماً في منهج القرآن في التَّعقيب على غزوة أُحدٍ يجد الدِّقَّة، والعمق، والشُّمول. يقول سيِّد قطب: «الدِّقَّة في تناول كلِّ موقفٍ، وكلِّ حركةٍ، وكلِّ خالجةٍ، والعمق في التَّدسُّس إلى أغوار النَّفس، ومشاعرها الدَّفينة، والشُّمول لجوانب النَّفس، وجوانب الحادث.

كما نجد الحيويَّة في التَّصوير، والإيقاع، والإيحاء، بحيث تتماوجُ المشاعر مع التَّعبير، والتَّصوير تماوجاً عميقاً عنيفاً، ولا تملك أن تقف جامدةً أمام الوصف والتَّعقيب؛ فهو وصفٌ حيٌّ، يستحضر المشاهِدَ كما لو كانت تتحرَّك، ويشيع حولها النَّشاط المؤثِّر، والإشعاع النَّافذ، والإيحاء المُثِيْر».(قطب،1980، 1/532)

إنَّ حركة النَّبيِّ(ﷺ) في تربية الأمَّة، وإقامة الدَّولة، والتَّمكين لدين الله، يعتبر انعكاساً في دنيا الحياة لمفاهيم القرآن الكريم، الَّتي سيطرت على مشاعره، وأفكاره، وأحاسيسه(ﷺ) ، ولذلك نجد أنَّ النَّبيَّ(ﷺ) في علاجه لأثر الهزيمة في أُحدٍ تابعٌ للمنهج القرآنيِّ الكريم، ونحاول تسليط الأضواء على بعض النُّقاط المهمَّة في هذا المنهج:

أولاً: تذكير المؤمنين بالسُّنن ودعوتهم للعلوِّ الإيماني:

قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ۝  هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ۝ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:‑137‑139].

إنَّ المتأمِّل في هذه الآيات الكريمة يجد: أنَّ الله – سبحانه وتعالى – لم يترك المسلمين لوساوس الشَّيطان في محنة غزوة أحدٍ، بل خاطبهم بهذه الآيات؛ الَّتي بعث بها الأمل في قلوبهم، وأرشدهم إلى ما يقوِّيهم، ويثبِّتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم، ويخفِّف عنهم الامهم.(أبو بدر،2010، 1/190)

قال القرطبيُّ: هو تسلية من الله تعالى للمؤمنين.

ففي الآيات السَّابقة دعوةٌ للتأمُّل في مصير الأمم السَّابقة؛ الَّتي كذَّبت دعوة الله تعالى، وكيف جرت فيهم سنَّته على حسب عادته، وهي الإهلاك، والدَّمار؛ بسبب كفرهم، وظلمهم، وفسوقهم عن أمره.

وجاء التَّعبير بلفظ: «كيف» الدَّال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذِّبين؛ الَّتي تدعو إلى التعجُّب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتِّعاظ في قلوب المؤمنين؛ لأنَّ هؤلاء المكذِّبين مكَّن الله لهم في الأرض، ومنحهم الكثير من نعمه، ولكنَّهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طُغيانهم.

وفي قوله تعالى: دعاهم إلى ترك ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، ومحاربة الجبن، والتَّخلُّص من الوهن، وعدم الحزن، لأنَّهم هم الأعْلَوْن بسبب إيمانهم.

ثانياً: تسلية المؤمنين وبيان حكمة الله فيما وقع يوم أُحدٍ:

قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ۝ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ۝ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ۝  مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ۝  وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 140 – 143].

بيَّن لهم: أنَّ الجروح، والقتلى يجب ألاَّ تؤثِّر في جدِّهم، واجتهادهم في جهاد العدوِّ؛ وذلك لأنَّه كما أصابهم ذلك؛ فقد أصاب عدوَّهم مِثْلُه من قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبِأنْ لا يلحقُكم الفتورُ مع حسن العاقبة، والتمسُّك بالحقِّ أولى. وقال صاحب الكشَّاف: والمعنى: إن نالوا منكم يوم أُحدٍ؛ فقد نِلتُم منهم قبله يوم بدرٍ، ثمَّ لم يُضْعِفْ ذلك قلوبَهم، ولم يثبِّطْهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى ألاَّ تضعفوا.

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: إنَّه كان يوم أُحد بيوم بدرٍ، قُتل المؤمنون يوم أُحدٍ، واتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وغلب رسولُ الله(ﷺ) يوم بدرٍ المشركين، فجعل الدَّولة عليهم.

وجواب الشَّرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ…﴾ إلخ محذوفٌ، والتَّقدير: إن يمسكم قرح؛ فاصبروا عليه، واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسَّهم قرحٌ مثلُه قبل ذلك.

وعبَّر عمَّا أصاب المسلمين في أُحدٍ بصيغة المضارع «يمسسكم» لقربه من زمن الحال، وعمَّا أصاب المشركين بصيغة الماضي لبُعْدِهِ؛ لأنَّ ما أصابهم كان في غزوة بدرٍ.

وقوله: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بيانٌ لسنَّة الله الجارية في كونه، وتسليةٌ للمؤمنين عمَّا أصابهم في أُحدٍ.(أبو بدر،2010، 1/195)

وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قال القرطبيُّ: معناه: وإنَّما كانت هذه المداولة؛ ليَرى المؤمن مِنَ المنافق، فيميزَ بعضَهم من بعضٍ.

وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: قال ابن كثير: يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذلون مُهَجَهُمْ في مرضاته.(ابن كثير،1999، 1/408)

ثمَّ ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ ثمَّ ذكر – سبحانه – حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحدٍ، فقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾، وقوله: من ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾، بمعنى التَّنقية والتَّخليص، أو من التَّمحيص، بمعنى الابتلاء، والاختبار.

وقوله: من ﴿وَيَمْحَقَ﴾، وهو محو الشَّيء، والذَّهاب به. قال الطَّبريُّ: والمعنى: وليختبر الله الَّذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإزالة المشركين منهم، حتَّى يتبيَّن المؤمن منهم المخلص الصَّحيح الإيمان من المنافق.

وقال ابن كثير: قوله: أي: يكفِّر عنهم من ذنوبهم ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إن كانت لهم ذنوب -، وإلاَّ رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أُصيبوا به.

وقوله: أي: فإنَّهم إذا ظفروا؛ ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾، وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم، وهلاكهم، ومحقهم، وفنائهم، والمعنى: ولقد فعل – سبحانه – ما فعل في غزوة أحدٍ، لكي يطهِّر المؤمنين، ويصفِّيهم من الذُّنوب، ويخلِّصهم من المنافقين المندسِّين بينهم، ولكي يُهلك الكافرين، ويمحقهم؛ بسبب بغيهم، وبطرهم.

وقد ذكر الله تعالى أربع حكمٍ لما حدث للمؤمنين في غزوة أُحدٍ، وهي: تحقُّق علم الله تعالى، وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم بالشَّهادة الَّتي توصل صاحبها إلى أعلى الدَّرجات، وتطهير المؤمنين، وتخليصهم من ذنوبهم، ومن المنافقين، ومحق الكافرين، واستئصالهم رويداً، رويداً.(أبو بدر،2010، 1/199)

ثمَّ قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142] والمعنى: أحسبتم يا من انهزم يوم أحد! أن تدخلوا الجنَّة كما دخل الَّذين قُتلوا، وصبروا على ألم الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم، وتصبروا صبرهم؟! لا؛ حتَّى ﴿ يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ أي: علم شهادةٍ؛ حتَّى يقع عليه الجزاء ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾  وقال ابن كثيرٍ: أي: لا يحصل لكم دخول الجنَّة؛ حتَّى تُبْتَلوا، ويرى اللهُ منكم المجاهدين في سبيله، والصَّابرين على مقاومة الأعداء[(466)].

ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143].

قال ابن كثيرٍ: قد كنتم – أيَّها المؤمنون ! – قبل هذا اليوم، تتمنَّون لقاء العدوِّ ، وتحترقون عليه ، وتودُّون مناجزتهم، ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الَّذي تمنَّيتموه، وطلبتُموه، فدونكم، فقاتلوا، وصابروا.(ابن كثير،1999، 1/409)

ثالثاً: كيفية معالجة الأخطاء:

تَرَفَّقَ القرآن الكريم وهو يعقِّب على ما أصاب المسلمين في (أُحدٍ)، على عكس ما نزل في بدرٍ من آيات، فكان أسلوب القرآن الكريم في محاسبة المنتصر على أخطائه، أشدَّ من حساب المنكسر، فقال في غزوة بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 – 68].

وقال في أُحدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152] وفي هذا حكمةٌ عمليَّةٌ، وتربية قرآنيَّةٌ، يحسن أن يلتزمها أهل التَّربية، والقائمون على التَّوجيه.

مراجع البحث:

علي محمد الصلابي، السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث، 1425ه،2004م،ص804-809

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض،  1999

سيِّد قطب، في ظلال القرآن دار الشُّروق، 1400 هـ  1980 م.

محمد أبو بدر، حديث القران الكريم عن غزوات الرَّسول، دار الغرب الإسلامي، 2010.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق